يشكل المجلس الاعلى للمياه جهة استشارية تدخل في حملات الدفاع عن الحقوق المائية والتوسط في نزاعات الدول حول المياه. وفي مؤتمره بامستردام عرض لمشاكل المياه في كل انحاء العالم. على جانب المؤتمر الثاني للمجلس الاعلى للمياه الذي انعقد بامستردام التقينا بالدكتور علي شادي خبير الموارد المائية ونائب رئيس المجلس للمياه فقلنا له: * نود بداية إلقاء الضوء على المجلس الأعلى للمياه؟ ـ انشىء المجلس الاعلى للمياه عام 94 بناء على قرار الجمعية الدولية للموارد المائية والتي يرأسها محمود أبوزيد, بدأ المجلس عمله بالفعل في مارس 95, واللجنة التشكيلية بالمجلس تضم 200 عضو ممثلين من مختلف دول العالم, وتضم كل منظمات الامم المتحدة كأعضاء, البنك الدولي, البنك الآسيوي, والبنك الأفريقي, شركات المياه الكبرى, الوزارات الاساسية في الدول وهيئات المياه بالدول, مكتب التعمير الأمريكي المسئول عن غرب أمريكا وسلاح المهندسين الأمريكي المسئول عن المياه في شرق الولايات المتحدة, هيئات التنمية الدولية, وجامعات علمية, وكان الاجتماع الأول لها في العاصمة الكندية مونتريال في ابريل عام 95. * ما الأهداف التي يسعى المجلس لتحقيقها؟ ـ تتلخص اهداف المجلس الاعلى للمياه في: 1ـ تقديم استشارات عالمية حول مشاكل المياه داخل الدول المختلفة. 2ـ مساعدة الجهات والهيئات والمنظمات في الدول لتكوين السياسات المائية. 3ـ الدفاع عن قضايا المياه وحمايتها من الاستنزاف وتوجيه استخداماتها. 4ـ التوعية الدولية والاجتماعية لترشيد الاستهلاك والحد من الفاقد. 5ـ المساعدة في حل الازمات والمشاكل التي قد تنشب بين الدول بسبب المياه. اذ يوجد 383 نهرا في العالم, تشترك في كل نهر دولتان أو أكثر, ولا توجد بين معظم هذه الدول اتفاقيات لاستخدامات هذه المياه أو توزيع الأنصبة أو تحديد العلاقات بين الدولتين بالنسبة للمياه وتكون الاتفاقية مقبولة لكل الاطراف. وقد تكون الاتفاقية متواجدة في وقت وغير متواجدة في وقت آخر, وهكذا, وتثور من أجل هذه مئات المشكلات, لو حاولنا طرح امثله منها, نجد مشكلة عدالة التوزيع في تركيا وسوريا والعراق, اسرائيل وفلسطين, أو فيتنام وكمبوديا, أو في مصر والسودان واثيوبيا, وأوجه الخلاف بين الدول في هذا الصدد يجب ان يحددها قانون دولي, وهذا القانون الدولي ظلت السياسة تتفاوض حوله عن طريق الأمم المتحدة اكثر من 25 سنة, أولا ظلوا يدرسون جمعية القانون الدولي لمدة 15 سنة, ثم ظلت تدرسه الأمم المتحدة حتى مرت 25 سنة, وأخيرا فقط صدرت الاتفاقية من عامين, وهذه الاتفاقية لم توقع عليها الا اربع دول ليس لها أهمية, والدول التي بينها خلافات لم توقع عليها مثل العراق, اثيوبيا ومصر على سبيل المثال, وتحتاج الاتفاقية الى تصديق 35 دولة حتى نهاية مارس الجاري لتصل الى النصاب القانوني حتى يتم اقرارها وتصبح كقانون دولي يتم الرجوع اليها امام محكمة العدل الدولية للاستناد اليها في الخلافات الدولية حول المياه, ولذلك فهذه الاتفاقية غير صالحة بالطبع حتى الآن, كما انه ليس لها القوة لحل الخلافات, وهذا هو الانجاز الوحيد الذي تم بعد دراسات وأبحاث استمرت 35 سنة من قبل الأمم المتحدة. ومن هنا كانت اهمية المجلس العالمي للمياه, بهدف السعي بين الدول التي توجد بينها خلافات حول المياه ليكون بالنسبة لها مصدر او مرجعية استشارية لحل هذه المشكلات, ونحن بالطبع لا نزال نسير على هذا الطريق في بدايته, وأمامنا طريق طويل. ست قضايا * ما القضايا التي يضعها المجلس في أجندة عمله؟ ـ اهم ما نضعه على اجندة اعمالنا هو بحث ست مشاكل: أولا: ندرة المياه, وهي تعني ان نصيب الفرد اقل من المعدل اللازم للمحافظة على حياته بكل الطرق المختلفة من استهلاك للشرب والاغراض الاخرى المرتبطة بالانسان من زراعة, صناعة, وكحد ادنى يحتاج الفرد الى 1700 متر مكعب من المياه, واذا قل نصيب الفرد من هذه الكمية, فهذا يعني تعرضه للنقص في جزء هام من احتياجاته من كميات الشرب او النظافة او استخداماته الاخرى, وعندما يصل معدل نصيب الفرد الى الف متر مكعب تكون الازمة, ويوجد في العالم 26 دولة تعاني من ندرة المياه, ومعظمهم في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا ومن الدول العربية, والباقي دولتان أو ثلاث خارج المناطق السالف ذكرها فقط تعاني ندرة المياه, وهذه الدول التي تعاني الندرة لا توجد حلول نهائية لمشكلتها على مدى العشرين سنة المقبلة. ثانيا: هي نوعية وجودة المياه, وهنا نجد ان كل المياه العذبة في العالم ملوثة بدرجة او بأخرى, لا توجد مياه عذبة طبيعية غير ملوثة, فإذا كانت دول تعاني من ندرة مياه, والمياه لا يمكن استخدامها في كل الأغراض البشرية, توجد هنا كارثتان لا واحدة, لأن هذا يؤثر بالتالي على نصيب الفرد من المياه, ومما يؤسف له ان البلاد التي تعاني من اكبر نسبة من تلوث المياه هي البلدان الفقيرة في منطقة الشرق الأوسط. ثالثا: هي تناقص التمويل, تمويل المشروعات والاستصلاحات والاستثمارات في المياه كانت ملقاة بصفة كلية على عاتق حكومات الدول, ولكن في السنوات العشر الأخيرة وفي ظل الازمات الاقتصادية وسياسات التقشف التي تطبقها هذه الحكومات اصبحت تمويلات المشروعات المائية نادرة وقليلة, وقد لا يشعر بهذا العجز في التمويل احد في البداية طالما ان المواطنين يجدون المياه, لكن سيأتي وقت لن يجدوا هذه المياه, فلو حدث مثلا تلف في عشرة انابيب مياه في وقت واحد, وتوقفت ثلاث محطات تحلية, ولا يوجد تمويل لاعادة كل ذلك للعمل لعدم وجود استثمارات في هذا المجال, ستحدث كارثة حقيقية بين المواطنين, وتخرج اصوات تشير الى خصخصة مشروعات المياه لتوفير التمويل, ولكن هذه المشروعات تجدها رؤوس الأموال والمستثمرين غير مجدية من حيث الارباح, ولهم في الحكومة التي عجزت عن التمويل ولم تحقق ارباحا تجربة سيئة, وحتى تتم الاستثمارات على مشروعات المياه, لن تجد وسيلة الا رفع الاسعار, وسيجعل هذا المواطنين في معظمهم عاجزين عن الدفع والشراء, وهنا تنشأ ازمة من نوع آخر مرتبطة بالمياه, وهكذا سندخل في حلقة مفرغة لن ننتهي منها, لذلك نجد ان هذا القطاع ينكمش, والمشكلة تزداد تفاقما على المستوى العالمي. رابعا: نتيجة لعجز الاستثمارات والتمويلات في مجال المياه, اصبح 25% من سكان الأرض لا تتوفر لديهم المياه الصالحة للشرب خلال العقود الاربعة الاخيرة, ونصف سكان الارض أي ما يعادل 1.3 مليار يستهلكون مياها ملوثة في الشرب, وهذا يعني انهم معرضون للامراض المعوية والفشل الكلوي, ولذلك فهناك من 5 الى10 ملايين شخص يموتون سنويا بسبب هذه الامراض الناتجة عن تلوث المياه, ودعني اذكر لك هنا مفارقة تبدو هزلية ولكنها حقيقية: ان الاموال اللازمة لتنقية مياه الشرب في العالم والتي لا تتوافر في الواقع لا تزيد على الاموال التي ينفقها الامريكيون والأوروبيون على طعام الحيوانات الاليفة من كلاب وقطط. خامسا: المشكلة الخامسة, وهي المشاكل الدولية بسبب الخلافات, والتي لا يوجد لها اتفاقيات دولية سارية ترضي الاطراف المعنية وتجعل هذه الدول تحل مشاكلها بالطرق السلمية, كما هو الحال بين سوريا والعراق, اثيوبيا ومصر, ايران مع تركيا, مصر مع اوغندا, هكذا, ونحاول ان نجد صيغة ملائمة لحل هذه الخلافات بأسلوب يعني التوافق والرضا وعدم تصعيد الخلافات. سادسا: المشكلة السادسة هي مستوى تقييم مشكلة المياه, فأغرب ما نواجهه ان معظم صناع القرارات في الدول لا يقدرون مشكلة المياه حق تقديرها, بل ان معظم متخذي القرارات لا يعرف اساسا ان لديه مشكلة مياه, وكذلك المواطنون لا يدركون الابعاد الحقيقية لمشكلة المياه, ويعتقد المواطنون هنا ان هناك مشكلة ما متعلقة بالمياه, ولكن ليس بهذا الحجم الخطير, ولا يدركون انه لا توجد هناك في الاصل مياه صالحة أو لا توجد مياه كافية على الاطلاق, ولذلك فإن اتخاذ القرار من قبل المسئولين لا يكون صحيحا, ولا تكون الأولويات صحيحة, وكذلك التنفيذ غير متوافق مع الحالة, كما لا تكون هناك توعية حقيقية المشكلة لدى المواطنين. وهنا تجدر الاشارة الى وجود تفتت في معالجة مشكلة المياه, فجانب كل ما سبق ذكره من مشاكل, نجد ان هناك العديد من الهيئات العالمية التي تتعامل مع مشكلة المياه مما يزيد الأمر تعقيدا, ويكفي القول إنه توجد هناك 12 مؤسسة على مستوى الأمم المتحدة مسئولة عن المياه, الفاو مسئولة عن ادارة المياه للزراعة, اليونيسيف مسئولة عن المياه للاطفال, منظمة الصحة العالمية مسئولة عن مياه الشرب, مؤسسة المياه مسئولة عن مياه المنازل, وهذا يعني عدم وجود جهة مسئولة عن ملف المياه ككل, ولو نظرنا كذلك على مستوى الدولة الواحدة لوجدنا مثل هذا التفتت الهائل, وزارة البيئة مسئولة عن المياه في البيئة, ووزارة البلدية مسئولة عنها في البلدية, وزارة الزراعة مسئولة عنها في الصناعة, وكذلك الزراعة..الخ, وهذا يخلق تضاربا في الآراء, وعدم تنسيق وسوء ادارة, ويخلق آثارا سلبية على الاستثمار في مجال المياه, ويخلق نوعا من المنافسة السلبية على المياه داخل هذه الجهات والهيئات لاستغلالها, فوزارة الري مثلا كل ما سيهمها هو الحصول على مياه للزراعات على حساب اوجه التصريف الاخرى للمياه, وهكذا نجد المشكلة تتكرر على المستوى الدولي وكذلك العالمي, وتأكد لنا ان كل الحلول الجزئية اصبحت عديمة الجدوى, فهنا نقيم محطة للتحلية ولا نهتم بالصرف ونخلق بها مشكلة, وهنا نحل مشكلة للري على حساب مشكلة لمياه الشرب.. وهكذا, فكل هذه الحلول الجزئية ستؤدي الى تفاقم المشكلة الكلية, وسنكتشف اننا نساعد في تفجيرها دون ان ندري الا بعد فوات الأوان. حلول مقترحة * وما المخرج الذي يطرحه المجلس العالمي للمياه لحل مشكلة تفتيت الاختصاصات؟ ـ المخرج في تصورنا هو تناول مشكلة المياه ككل دون تقسيمها الى اجزاء وتوزيعها بين الهيئات, لأن المشكلة اكبر من هذا, ويجب ان يكون هناك رأي موحد وبعيد النظر, فحل جزئية واحدة من مشكلة المياه لا يجب ان يكون وحده وعلى انفراد بل يجب ان يكون مترابطا ومتزامنا مع الجزئيات الاخرى من مشاكل المياه حتى لا يتم حل جزئية على حساب اخرى, اذن المطلوب نظرة شمولية وبعيدة المدى وموحدة في العالم كله بحيث ان تشترك فيها كافة الاختصاصات المتعلقة بالمياه لنقطع الطريق على التضارب والتخبط والعجز في التمويل, وان نتعامل مع الدول والأفراد, ومع القطاعات ومع الهيئات بشمولية, وان نبحث الآراء في حل المشاكل هنا وهناك في الهند وفي اليمن ,في اثيوبيا والسودان, وان نجمع هذه الآراء ونخرج منها بحل جماعي غير متضارب مع بقية المشاكل, لأن محصلة هذا التجميع والتوحيد سيجعل رؤيتنا للمشكلة واضحة, وبذلك يمكننا حل مشكلة المياه في منطقة ما, وأن يكون هذا الحل على علاقة وصلة وثيقة بالمشكلة العالمية ويسير داخل نسقها ويتوافق معها حتى لا نحل مشكلة هنا ونخلق بها مشكلة في مكان آخر. إذن المطلوب هو تغيير سياسة العلاج ووجهة النظر, سواء داخل الدول أو الأفراد, فالمشكلة عالمية, وفي هذه الجزئية أحب ان أؤكد ضرورة اعادة النظر في سعر المياه, فكل شيء في العالم لابد ان يكون له سعر, فلو تم تسعير المياه, لفكر كل انسان كل لحظة في ترشيد استخدام المياه بدلا من اهدارها لأنه سيدفع كل ثمن المياه المستفيد منه أو المهدر, وبهذا ننجح في تخفيض الاستهلاك, توفير الفاقد, وتسعير المياه سيؤدي الى التأثير على تخفيض نسبة التلوث في المياه بسبب تطوير كفاءة المياه لتوافر الاموال العائدة من ثمنها, وقد يبدو القرار صغيرا لكن تأثيراته كبيرة, ويجعل ادراك الأفراد بالمشكلة واضحا ووعيهم بها على قدر من المسئولية, فحينئذ سيدرك المستهلك ما يعني ان اثيوبيا عانت من الجفاف سبعة اعوام وان الامطار لم تهبط منذ عام 80 وحتى 87 في الانهار وانخفض منسوب المياه كما لم يسبق له مثيل, ويجب ان تتخلص الحكومات من تعتيم المعلومات حول المياه بل مصارحة المواطنين بكل شيء حولها, فالمياه مسئولية كل شخص ومسئولية كل مختص ومسئول عنها. * ألى أي مدى يمكن تقييم عمليات تحلية المياه المالحة في حل أزمة المياه؟ ـ تحلية المياه حل جزئي لهذه الأزمة, ونجد مثلا ان دولا مثل دول الخليج كالكويت والسعودية وغيرهما اعتمادهم الكلي تقريبا على محطات التحلية, ولكن هؤلاء لديهم امكانيات لهذه التحلية من الطاقة والوقود لادارة هذه المحطات, ويمكننا القول انهم يحرقون برميل نفط للحصول على برميل مياه محلاة, والخليج لم يزدهر به البترول الا منذ 25 سنة, ولنا ان نتصور مدى أزمة المياه بهذه الدول لو لم يتوافر بها البترول, واذا كنا ندفع في لتر المياه المعدنية بـ (السوبر ماركت) ما يعادل دولارا واحدا, فإن برميل البترول يعادل ربع دولار, وهذه المقارنة تكشف مدى خسارة هذه الدول في ثروات النفط لتوفير المياه, ويؤكد مدى أهمية الترشيد والحفاظ على المياه, وهناك مقارنات اخرى قد تبدو اكثر غرابة, فإنتاج أية دولة ما مثلا لبيضة واحدة من بيض الدجاج انما يتطلب 250 لتر مياه من طعام وشراب للدجاجة الواحدة, فكم تساوي هذه البيضة, ووفقا لسعر بيع لتر المياه في الأسواق, نجد ان هذه البيضة تساوي 250 دولارا, وكيلو اللحم يستهلك 3500 لتر مياه, انتاج السيارة الواحدة مثلا يتطلب 22 ألف لتر مياه وهي كمية مهولة, إذن هذا يكشف لنا ان المعايير التي نقيم بها المياه غير معقولة وغير عادلة, لذلك هناك ضرورة لتسعير المياه ولو بسنت واحد للتر, فالذين تتوافر لديهم المياه يقومون بإهدارها وتلويثها على حساب من لا تتوافر لديهم هذه المياه. * ألى أي مدى يمكن تقييم درجة نقاوة المياه المستخدمة للشرب في العالم؟ ـ حتى اصدقك القول, لا توجد مياه شرب نقية تماما في العالم, حتى في أوروبا رغم تقدمها, فإن مياه الشرب قادمة من مياه الصرف الصحي ويعاد توظيفها, ومهما بلغت تقنية تنقيتها من الشوائب فلا يمكن التخلص تماما من كافة الجراثيم والميكروبات والشوائب العالقة, وهذا ينطبق على أية دولة أوروبية, فألمانيا مثل هولندا مثل فرنسا وهكذا, حتى مياه الأنهار يتم تلويثها بإلقاء النفايات بها, ففي بلد مثل مصر نجد السيدات يغسلن الأواني والملابس في مياه النهر وعلى بعد أمتار منهم من يلقي القمامة والنفايات وتصريف مياه الصرف الصحي, وغلي المياه قد يقلل نسبة التلوث ولكن لا يقضي عليها تماما حتى المياه المعدنية ايضا ملوثة فهي من الآبار والآبار حصيلة أمطار والأمطار نتيجة بخار لمياه ملوثة, وعلينا ان نعترف ان مقولة مياه نقية تماما هي أكذوبة, وتنقية المياه نفسها وان قتلت بعض الميكروبات والجراثيم, والمياه الموجودة على سطح الأرض هي ذات المياه الموجودة منذ ثلاثة ملايين سنة, نفس الكمية ولكن زاد عليها التلوث نتيجة لنشاط الانسان, وتزايد اعداد السكان يساهم في تزايد نسب التلوث, ولأن نسب المياه على سطح الأرض لم تتزايد عبر هذه القرون, بل تضاعف عدد السكان أكثر من مرة, فهذا يكشف الى أي مدى تضاؤل نصيب الفرد من المياه في المتوسط, فسكان الأرض الآن ستة مليارات نسمة, وفي عام 2050 سيصل عدد السكان 9.2 مليارات, والمياه كما هي الأمر الذي ستنفجر معه أزمات خطيرة, والمياه هي التي تميز كوكب الأرض عن بقية الكواكب, والأبحاث الفضائية الكونية تتركز في البحث عن المياه لأن المياه هي مصدر الحياة, ولو وجدت مياه وجدت حياة, لأن الباحثين يدركون تماما خطورة السنوات المقبلة بالنسبة لأزمة المياه. حروب المياه * احتمالات نشوب حروب بسبب المياه أمر وارد؟ ـ اذا كانت الحروب تنشأ للصراع على أرض ونفوذ, فما بالك بوجود نقص أو عجز في المياه مصدر الحياة وأساس الانتاج والاقتصاد, فلابد وان تثور صراعات, واذا كان التاريخ لم يرصد حرباً واحدة بسبب المياه الا حرب 1967 والتي نشبت بسبب نهر الاردن رغم انكار اليهود ذلك, الا ان سببها الحقيقي هو رغبة العرب تحويل مياه نهر الاردن. ففلسفة قيام دولة اليهود تقوم على التوسع في مناطق ومد الأرض واقامة مجتمعات, ولن يتم هذا الا بربط هؤلاء المستوطنين بالارض عن طريق اقامة مشروعات للزراعة والصناعة وغيرها, والمياه أساس كل هذا, وهذا يوضح حجم أهمية المياه بالنسبة لاسرائيل, أو بالنسبة لأية دولة اخرى تواجه عجزا في المياه, لذلك من المتوقع ان تنشب حروب وصراعات بسبب المياه. * كيف يمكن رصد هموم الشعوب العربية بالنسبة لمشكلة المياه؟ ـ الجامعة العربية تضم 22 دولة من جزر القمر في الجنوب الى شمال سوريا, الغرب موريتانيا والبحرين في الشرق, 22 دولة يصل عدد سكانها 250 مليون نسمة, وعلى مدى 50 عاما سيتضاعف عدد السكان تقريبا, ولو نظرنا لموارد المياه الطبيعية الموجودة لوجدناها ضئيلة, في السودان, لبنان, شمال سوريا, شمال العراق, وفي اجزاء من الجزائر. فيما عدا ذلك لا توجد موارد طبيعية, وتأتي الانهار الدولية المشتركة لتلعب جزءا هاما, فسوريا والعراق مشتركة في نهر, مصر والسودان مشتركان في النيل, الاردن وفلسطين واسرائيل وسوريا ولبنان والاردن مشتركة في نهر, ولو حدثت أية مشكلة لهذه الانهار لنا ان نتصور الوضع في المنطقة العربية, فللأنهار عمر افتراضي, ويجب التعامل معها كما يتم التعامل مع البترول, فبعد ان تنضب آبار البترول كيف ستتصرف الدول العربية, ومن هذا المنطلق يجب تقويم مشكلة المياه في المنطقة العربية والتعامل معها بجدية, فالمنطقة العربية تواجه شح المياه والحصيلة النهائية ان معدل نصيب الفرد العربي في تناقص مستمر مع تزايد السكان, ومما يؤسف له ان معظم الدول ليس لديها وعي كامل بالمشكلة, وقد يصل الوعي الى نسبة صفر, فقط بعض الدول المتقدمة لديها هذا الوعي ومتمثلة في مصر, فكل علماء المياه في العالم العربي قادمون من مصر, كل مراكز الابحاث والدراسات حول المياه متركزة في مصر. أما في الدول الاخرى نجد الوعي والكفاءة في المؤسسات المعنية بالمياه ضعيفة جدا, وهناك عدم تكافؤ في أعداد الخبراء والمختصين الذين يتعاملون مع مشكلة المياه في مصر ومع بقية الدول العربية, ولو رصدنا ان الـ 65 مليون مواطن في مصر يقوم على خدمتهم في مجال المياه أكثر من 15 ألف مهندس للمياه, بينما لا يتوافر ألفي مهندس للمياه في بقية الدول العربية الاخرى مجتمعة والتي يبلغ تعداد سكانها 200 مليون نسمة, أي ان هناك اختلال في النسب والتناسب, ومشاكل هذه الدول أكبر وأخطر من مشاكل مصر, وهذا الاختلال في التوازن في المنطقة العربية كما هو الحال في مسألة البترول, فالدول المنتجة للبترول غنية غنى فاحشا, وهذا ينعكس على المياه, وعلى المعيشة ومستوى الدخل, وهذه المفارقات تؤثر على السلام الاجتماعي والسياسة. والدول العربية عموما تفتقر الى الأمن الغذائي, ولو نظرنا الى كمية الاستيراد التي تستوردها الدول العربية لوجدنا ان نصف صادرات العالم الغذائية تتوجه الى العالم العربي, أي ان العرب يعتمدون على الخارج في غذائهم, وفي مقدمتهم مصر, الجزائر, السعودية والعراق وبقية منطقة الخليج لوجود كثافة استهلاكية عالية. إذن مشكلة المياه تؤثر على كافة الاتجاهات في الوطن العربي, خاصة لو علمنا ان 80:90% من المياه في الوطن العربي توجه للانتاج الغذائي, رغم ان ذلك لا يتوافر للعرب أكثر من 30% من الأمن الغذائي, وتعتمد على باقي النسبة من التصدير, فالسعودية مثلا كي تصل الى نسبة معقولة من الأمن الغذائي عليها ان تضاعف انتاجها من الحبوب الغذائية خمس مرات, وان تضاعف مصر انتاجها من الحبوب الغذائية لتصل لنسبة معقولة من الأمن الغذائي.. وهكذا, السؤال هو: كم تحتاج السعودية ومصر مثلا من المياه لتوفير هذا الانتاج؟.. ومهما كان التوجه والتصرف لن تستطيع توفير المياه المطلوبة. وهناك أسباب تزيد من مشكلة المياه في المنطقة العربية, منها على سبيل المثال العمالة الخارجية في دول الخليج والتي تستورد كل يوم مزيدا منها, فهذه العمالة بالطبع مستهلكة للمياه, مما يضاعف من حجم المشكلة وهو ما يتطلب وضع سياسات للحفاظ على المياه العربية بشكل عام. امستردام ـ باريس ـ القاهرة ـ سعيد السبكي, طوني شامية, مكتب البيان