المشاركون في مؤتمر القاهرة ناقشوا اوضاع المياه في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الاوسط من كافة الجوانب وتميز المؤتمر بتصديه لمسألة المياه الجوفية ومياه الانهار والسيادة المائية والاقليمية والتجارب الحديثة للري والتحلية ومشاريع تنمية المصادر المائية. شارك في المؤتمر من الاخصائيين الدكتور مصطفى القاضي رئيس المركز القومي لبحوث المياه في مصر وعبدالعظيم حماد مساعد رئيس تحرير (الاهرام) ود. احمد صالح احمد خبير مياه سوداني ود. زكي حنوش استاذ ادارة الاعمال في جامعة حلب ود. لؤي خير الله الاستاذ في جامعة ليدز البريطانية ود. مروان حداد رئيس طاقم المياه الفلسطيني سابقاً, وناصر نصر الله المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني اللبناني وباتريك ريبو الباحث الفرنسي في جامعة السوربون بباريس. في البداية قال لنا الدكتور مصطفى القاضي ان المياه تكتسب اهمية كبرى في الشرق الاوسط لأن هناك مساحات شاسعة من الاراضي القاحلة في المنطقة العربية. واضاف ان تزايد عدد السكان في المنطقة العربية بمعدل اكبر عن معدل الزيادة في العالم جعل هناك حاجة الى مشاريع تنموية تعتمد اساساً على المياه الموزعة بشكل متفاوت على سطح الارض. واوضح د. القاضي ان الحاجة الى المياه العذبة اكبر من الكميات المتوفرة مما ادى الى اندلاع صراعات حول المياه. وعدد القاضي الاسباب المرتبطة بالمياه التي تؤدي الى الصراعات في المنطقة فأشار الى وجود منابع المياه العربية خارج المنطقة العربية والى استمرار الاعتداء على الحقوق العربية في المياه من قبل اسرائيل وتركيا. واستعرض نماذج لهذه الصراعات فقال: * اسرائيل تستغل 90% من مياه فلسطين, 220م م3 من مياه الجولان السورية, 500م م3 من نهر الليطاني اللبناني, اضافة الى تحويل مياه نهر الاردن الى صحراء النقب وعارضت انشاء سد المقارن في الاردن على نهر اليرموك حتى تشاركها في مياهه. * تركيا قامت بتنفيذ مشروع جنوب الاناضول وتحكمت في مياه سوريا من نهري دجلة والفرات فقلت مياه سوريا الى 13 مليار م3 بدلاً من 28 مليار, وسيؤدي ذلك الى استبعاد 40% من اراضي العراق حول الفرات من الزراعة, كما انها ستحاول سياسياً الغاء صفة الدولية عن نهري دجلة والفرات وصارت تنقل 6 ملايين متر مكعب (6م م3) يومياً من نهر الفرات عبر خطي مواسير لبيعها لدول الخليج واسرائيل. * اثيوبيا وبمساعدة اسرائيل تنشئ سدوداً للضغط بها على مصر, كما ان المصالح المتضاربة للدول على حوض النيل وانفصال جنوب السودان يؤثر على مياه نهر النيل. وبعد ان استعرض الدكتور القاضي التشريعات والقوانين والاتفاقيات الدولية في شأن الاحواض المائية توقف عند (قانون المياه في الاسلام) الذي منع احتكار الماء اللازم لاستمرار الحياة بالنسبة للانسان والحيوان والزرع والذي اعطى الاولوية لصاحب الحق الاقدم والاقرب من المصدر والمنطقة الأقل ارتفاعاً عن منسوب النهر, كما دعا الى المحافظة على الحقوق القديمة في حالة استعمالات جديدة للمياه لا تؤثر سلباً على الكم والنوع وعدم الاحتفاظ بالماء الزائد عن الاستعمال الحقيقي في بلاد اعلى النهر, اذا كان هناك حاجة اسفل النهر وحرم بيع المياه حتى لو كانت فائضة عن الحاجة ومنع الاسراف والتبذير والاهدار للمياه واوصى بعدم تلويثها. وخلص الدكتور القاضي في دراسته المقارنة الى ايضاح مدى التقارب بين قوانين المياه في الاسلام والمعمول بها في الدول الغربية, داعياً الى تعاون كل الدول المشتركة في حوض مائي معين, بنظرة شاملة لكل الموارد المائية التي تغذي الحوض وفتح كل المجالات الممكنة للتعاون من اجل صالح الشعوب مفضلاً ان يكون ذلك في صورة اتفاقيات دولية ملزمة للأجيال المتعاقبة واعطاء الأمم المتحدة آليات تكفل لها تطبيق ذلك بقوة. تقسيم العرب مائياً في اطار التحديات الامنية الاقليمية في مجال المياه ناقش المؤتمرون وثيقة اعدتها الامانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب, التي اشارت الى ان الصراع المقبل في منطقة الشرق الاوسط والعديد من المناطق الاخرى سيكون من اجل السيطرة على مصادر المياه الطبيعية علماً بأن النزاع على مصادر المياه اصبح يشكل فتيلاً يهدد بتفجير صراعات محلية واقليمية وهذه المسألة تأخذ في المنطقة العربية بعداً استراتيجياً حقيقياً يستدعي وضع سياسة عربية مائية موحدة, ومواجهة تحديات الأمن المائي العربي. قسمت الوثيقة الدول العربية مائياً الى ثلاث مجموعات دول غنية ودول ستعاني قريباً من عجز في مواردها المائية ثم دول تعاني منذ سنوات من نقص في تلك الموارد واشارت الوثيقة الى ان الاطماع الاسرائيلية في المياه العربية تشكل احدى اهم نقاط الصراع الخطيرة في منطقة الشرق الاوسط ونظراً لضعف امكانات فلسطين المائية, توجه اليهود الى المصادر المائية في المناطق العربية المجاورة وتكونت لديهم اطماع اقليمية لم تقتصر على الموارد المائية في نهر الاردن وروافده ومياه الضفة الغربية وقطاع غزة بل تعدتها الى مياه انهار الجنوب اللبناني وحتى مياه نهر النيل. كذلك فإن الفكر الاسرائيلي ومن خلال توطيد العلاقات مع تركيا يسعى الى ان تتولى اسرائيل تقرير سياسة تركيا المائية تجاه العرب اي ممارسة الضغط على العرب بالمياه ان في تركيا أو من خلال اثيوبيا وهذا يبرز بوضوح من خلال قول رئيسة وزراء اسرائيل السابقة جولدا مائير (ان التحالف مع تركيا واثيوبيا يعني ان اكبر نهرين في المنطقة: النيل والفرات, سيكونان في قبضتنا) . وبعيداً عن الاطماع الاسرائيلية, نجد مشاكل المياه في مناطق اخرى من العالم العربي, فمنطقة الخليج تتميز بضعف المصادر الطبيعية للمياه مما يدفع الى الضغط على مصدر رئيسي وهو المياه الجوفية. وحيال هذا الوضع رأت الوثيقة انه يمكن تطوير استراتيجية تقوم على تحسين الوضع المائي في المنطقة وتحقيق الامن المائي من خلال: * ترشيد الاستهلاك وتطوير تقنيات وأساليب استخدام المياه. * تطوير المصادر المحلية ولا سيما المتجددة واستثمارها قبل اللجوء الى استثمار المصادر الاقل تجدداً. * القيام بمشروعات مشتركة والاستعانة بالقدرات المائية العربية والاقليمية. واكدت الوثيقة ان الامن المائي العربي, الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الامن القومي العربي يتطلب ضرورة التصدي للأخطار المحدقة فيه عبر: * وضع رؤية عربية مشتركة للأخطار الناجمة عن أزمة المياه, ووضع استراتيجية عربية موحدة للتعاون الكامل من اجل حماية مصادر المياه في العالم العربي. * المبادرة الى اقامة السوق العربية المشتركة دعماً للأمن الغذائي وكذلك المشاريع الاقتصادية المشتركة ومنها المشاريع المائية التي تعزز وتدعم مسألة الامن المائي العربي فضلاً عن مواجهة مشكلة تلوث المياه السطحية والجوفية وتوفير الاعتمادات اللازمة لاقامة المشروعات او السدود المائية المشتركة وسد حاجيات كل قطر عربي بواسطة انابيب عربية. صراع في النيل مساعد رئيس تحرير (الاهرام) عبدالعظيم حماد, رأى خلال مؤتمر (الامن المائي العربي) ان تحدي تأمين احتياجات مصر الحالية والمستقبلية من مياه النيل هو تحد جديد على السياسة الخارجية المصرية ولا يكاد التاريخ يذكر حالة كانت مصر مضطرة فيها للدخول في نزاع دولي بسبب مياه النيل الا عندما تنازعت مع السلطات البريطانية التي كانت تحتل مصر والسودان في مناسبة ما كان يعرف باسم مشروع الجزيرة. هكذا فإن دخول مياه النيل ميداناً للخلافات وربما المنازعات الدولية يعد تطوراً جديداً امام السياسة الخارجية المصرية ويرتبط طبعاً بما يسمى (أزمة المياه في الشرق الاوسط وافريقيا عموماً) : (واللافت ان التهديد لمصر لم يحصل من اثيوبيا فقط وانما من اوغندا, اضافة الى ظهور جبهة ثالثة لتهديد حصة مصر والسودان معاً من النيل, وهي جبهة جنوب السودان, حيث توقف العمل في مشروع قناة جونجلى) . * السؤال ما هي معالم السياسة المصرية في مواجهة هذه الاخطار؟ يتابع (حماد) ان منهج التعاون هو الاول والاقوى والثاني هو الصراع كملجأ أخير, هذا الرد الذي غالباً ما يتم اللجوء من خلال التأكيد في كل مرة اليه ان مصر لو واجهت تهديداً مباشراً فإن الخيار العسكري اي الصراع, في اكثر درجاته حدة وارد جداً وهذا حصل في امثلة قليلة كالرد على تهديدات رئيس البرلمان السوداني السابق د. حسن الترابي الذي لوح بقطع مياه النيل عن مصر. هكذا, فان المؤكد للجميع ان التدخل العسكري لحماية مياه النيل, اصبح مبدأ ثابتاً في العقيدة الاستراتيجية المصرية, وفي نظرية الامن القومي المصري, اذا تعرضت هذه المياه لخطر جدي. اما جهود التعاون والتي تفضلها مصر, فكثيرة: الجهود من اجل قيام تجمع دول حوض النيل (الانروجو) , عدم مجاراة الحروب الكلامية (اثيوبيا) الانفتاح على جنوب السودان, عدم مناهضة دور (الايجاد) , طرح المبادرة المصرية ـ الليبية, العمل كوسيط او منشط للتفاعل في اتجاه الحلول السلمية في النزاعات الدولية في شرق افريقيا واقليم البحيرات, مثل الوساطة المصرية في النزاع الاثيوبي ـ الاريتري. وينتهي (حماد) الى ان تفضيل مصر منهج التعاون لتأمين الاحتياجات المصرية من مياه النيل يعود الى كونه افضل من النزاع او الصراع ولكن لا بد وان ننتبه للخطط الاسرائيلية في منطقة القرن الافريقي واقليم البحيرات وهي خطط مناهضة للمصالح المصرية والعربية والتي تعمل مصر على عدم ترك الساحة مفتوحة لها في هذه المناطق, التي ترى مصر ان فرصتها الاكبر هي في الصداقة والتعاون مع دول الحوض, كما ان من المفترض ان يؤدي احلال السلام الدائم في الشرق الاوسط الى تغير في اهداف وادوات السياسة الخارجية للدول الشرق اوسطية في المنطقتين. بين الممر والمصب الخبير السوداني د. احمد صالح احمد قال ان مصر والسودان في وضع لا تحسدان عليه فهما كدولتي ممر ومصب لا سيطرة لهما على منابع النيل وليس لهما موارد مائية بديلة دائمة, كما انه ليس من المؤمل في المستقبل المنظور تطوير تقنيات تنتج امدادات كافية من المياه, لذا لا مفر للدولتين غير تنمية وتطوير اواصر الاخاء والتعاون مع بقية دول حوض النيل تحقيقاً للاستغلال الامثل والعادل للمياه لصالح الجميع. واشار الخبير المائي السوداني, الى ان قضايا المياه في حوض النيل متشعبة ومعقدة للغاية, ويكفي ان عشر دول تشارك فيه لكل منها اهدافها ومراميها واجندتها المعلنة والخفية.. فضلاً عن الصراعات العرقية والتخلف والفقر حيث دخل الفرد في هذه البلدان يتراوح بين 100 و600 دولار امريكي في العام وهي بالتالي تصنف من بين افقر بلدان العالم, اضافة ايضاً الى الزيادة الهائلة في السكان اذ يفوق عدد سكان حوض النيل حالياً 300 مليون نسمة. وخلص الدكتور (احمد) الى ضرورة تبني مصر والسودان استراتيجية موحدة من خلال بناء جسور الثقة بين دول الحوض والمساهمة في تطوير قدرات دول الحوض المتعلقة بقطاع المياه, عبر انشاء آلية للتعاون المشترك هذه الاستراتيجية يجب ان تؤدي الى البدء في مفاوضات قسمة المياه والانتفاع بها وصولاً الى تقنين (وضع قوانين) يساهم في تحقيق الامن المائي العربي في حوض النيل. الورقة التركية يقول الدكتور زكي حنوش, استاذ ادارة الاعمال في جامعة حلب, ان التوتر في العلاقات السورية التركية, كان ولا يزال السمة العامة لهذه العلاقات وذلك لجملة اسباب منها الارث التاريخي للادارة التركية العثمانية وضم لواء اسكندرون الى تركيا فيما بعد والعلاقات التركية مع اسرائيل والتحالف القائم بينهما, اضافة الى امساكها ورقة المياه لاستخدامها ضغطاً وتهديداً ضد جيرانها سوريا والعراق وحتى الساعة. وابرز الدكتور حنوش البعد الجيوبولتيكي, وحتى الجيو ـ اكونوميك (Geo-Economique) الذي يتحكم بالعلاقة والتحالف الاسرائيلي ـ التركي مستنداً الى قول الرئيس الاسرائيلي الحالي عيزرا وايزمان للاتراك اثناء الاحتفال بملء سد اتاتورك وحجز المياه على سوريا والعراق لمدى شهر ان مستقبل الشرق الاوسط يتوقف على التعاون الاسرائيلي التركي. وبعدما تحدث حنوش عن مشروع الجاب وتأثيره على حصة سوريا من المياه وانعكاس ذلك على امنها الغذائي والمائي في ضوء التراجع المستقبلي بمعدل 50% لحصة الفرد السنوية من المياه خلال العقود المقبلة اشار الى ان الخبراء يرون ان سوريا ستعاني من عجز مائي يصل الى مليار م3 سنوياً وهو مرشح للتزايد اعتباراً من عام 2000 مستنداً الى هذه الاحصائية: التعداد السكاني في سوريا والزيادة في السكان بالمليون: 1990 12.468 2000 17.820 2010 25.469 2030 50.364 نصيب الفرد من المياه المتاحة للاستهلاك م3/ سنة: 1990 1500 2000 1060 2010 740 2030 489 من هنا فإن مياه دجلة والفرات ذات اهمية مصيرية لسوريا التي اوشكت على استنفاد الموارد خارج حوضي هذين النهرين من اجل تأمين مياه الري والشرب والصناعة مع تزايد الحاجة المقترنة بالزيادة في السكان التي يصل معدلها الى 3.3% سنوياً. ويمكن اتخاذ واقعة قطع تركيا مياه نهر الفرات لمدة شهر في 12/1/1990 بقرار منفرد من جانبها لملء سد اتاتورك مثالاً لحجم الضرر الذي سيلحق بسوريا. ورأى الدكتور حنوش, ان طروحات وخطاب النظام العالمي الجديد يجب ان تتجه الى السعي باستمرار من قبل اركان هذا النظام الى احلال السلام في مناطق التوتر وتبريد بؤر الصراعات وضرورة الالتزام بمبادئ القانون الدولي, تجنباً لحرب المياه او الحرب على المياه اذا بقيت رؤية تركيا لقضية المياه وسياساتها وكي لا تنتكس كل جهود السلام واتفاقياته القائمة حتى الآن, ويتحول السلام الى حرب بين تركيا وجيرانها العرب ومن جديد بين اسرائيل وجيرانها العرب. لهذا فإن تركيا مدعوة الى الالتزام بالمعاهدات والبروتوكولات والاتفاقيات التي وقعتها مع سوريا, بما فيها بروتوكول 1987 واتفاق ابريل 1990. النعمة الالهية ان من اكبر النعم الالهية على العراق نعمة الماء, هكذا بدأ الدكتور لؤي خير الله, الاستاذ في جامعة ليدز البريطانية, كلامه متناولاً المشاريع المائية التركية وانعكاساتها على العراق, حيث رأى انه لا يمكن تصور العراق من دون الرافدين دجلة والفرات وهي مسألة حياتية فيما تركية ترى في استراتيجيتها المائية, الوسيلة الرئيسية لتحقيق اهداف التنمية الزراعية, والصناعية عبر توظيف سياستها المائية للحصول على قروض مالية ميسرة او نفط وغاز بأسعار منخفضة او استشارات عربية او اسواق عربية للخدمات والبضائع التركية. واستعرض الدكتور خير الله التأثيرات السلبية لمشروع الجاب: 1 ـ قلة المياه والجفاف والتصحر في سوريا والعراق نتيجة السدود التركية ويرى العراقيون ان المشروع سيؤثر في النهاية على 1.3 مليون هكتار من الاراضي الزراعية الغنية (40% من اراضي العراق الصالحة للزراعة). 2 ـ انخفاض توليد الطاقة الكهربائية الناتج عن نقص التصاريف في دجلة والفرات, الامر الذي ادى الى توقف محركات توليد الطاقة في سدود سوريا والعراق, وخصوصاً العراق الذي يرى ان مشروع الجاب سيؤدي الى اغلاق اربعة مجمعات لتوليد الطاقة الكهربائية تنتج 40% من طاقة البلاد. 3 ـ تلوث البيئة والتملح, بسبب مشاريع الري التي تحمل في المياه العائدة الى الانهار, الاسمدة والاملاح الكيماوية اضافة الى المشاريع الصناعية وتلويث المياه بنفاياتها مما يؤدي الى تردي نوعية المياه في الاجزاء السفلى من دجلة والفرات. 4 ـ نفاذ مياه الخليج في شط العرب, حيث يعتمد توازن المياه العذبة والمالحة في شط العرب على مقدار جريان الماء العذب فيه, فكلما ازداد هذا الجريان, كلما قل نفاذ مياه الخليج المالحة داخل شط العرب والعكس بالعكس, وانخفاض جريان دجلة والفرات والكارون سيؤدي الى ازدياد نفاذ مياه الخليج المالحة الى شط العرب. وفي الختام خلص الدكتور خير الله الى ان المياه ستلعب دوراً مهما في المنطقة والسيطرة على مصادرها تؤدي الى تغيير موازين القوى الاستراتيجية فإذا ما احكم الطوق المائي على العرب اضطروا الى دفع ثمن باهظ للمياه والمواد الغذائية, فضلاً عن الثمن السياسي وسيكون العرب هم الخاسرون دوماً كما هو الحال في الصراعات السياسية وعليه رأى بضرورة عدم ربط الخلاف العربي ـ التركي بالخلاف العربي ـ الاسرائيلي وعدم ربط مسائل المياه بالسياسة وتنسيق الموقف العراقي ـ السوري مقابل تركيا واعتبار المشكلة مع تركيا مشكلة عربية وعلى العرب ان يقفوا الى جانب سوريا والعراق من اجل التوصل الى صيغة عادلة ومعقولة لتقسيم المياه, مدعومين دولياً والاحتكام عند الضرورة الى رابطة الدول الاسلامية او الدول المحايدة للتوسط في حل النزاع المائي والأفضل ان تكون دولاً اقليمية. المياه الفلسطينية ان مفهوم اسرائيل للمياه والامن المائي كان واضحاً منذ الايام الاولى لولادة فكرة الاستيطان في فلسطين, ولهذا يقول الدكتور مروان حداد, رئيس طاقم المياه الفلسطيني سابقاً, ان اسرائيل ترى ان سيطرتها الفعلية والنافذة هي الطريق الاسلم وان لا احد يساعد الضعفاء, ومن هنا فهي دائماً تأخذ ما تريد عن طريق القوة وتتمسك بضرورة املاء سياساتها وتأمين احتياجاتها من الموارد المختلفة ومن أولها الارض والمياه من اجل ذلك بادرت اسرائيل الى حروب عدة مع الجانب العربي, من اجل السيطرة على المياه والارض واضعاف خصومها, منها حرب عام 1967. ان حماية وتأمين السيطرة الاسرائيلية الفعلية على الموارد المائية الفلسطينية باستخدام القوة العسكرية, يتابع رئيس الطاقم الفلسطيني للمياه, لا يزال الاسلوب المفضل لاسرائيل وقد حافظت عليه في مباحثاتها السلمية مع السلطة الفلسطينية وايضاً مع الدول العربية المجاورة حيث لا تزال تتمسك بالسيطرة المطلقة على الاحواض الجوفية في فلسطين وعلى حوض نهر الاردن, المشاطئ لكل من سوريا, الاردن, لبنان وفلسطين. ونتيجة لذلك فإن الخوف والريبة وعدم الثقة تسيطر على العلاقة بين اسرائيل وجميع الاطراف العربية على الرغم من توقيع اتفاقيات السلام ولهذا ينصح الدكتور حداد, من اجل ضمان الحقوق المائية العربية بأن السلام له ثمن وعليه فإن كل طرف يجب ان يدفع ما عليه ويعرف ماله, بما فيه الموارد المائية وفق حدود جغرافية وقانونية دولية, برعاية طرف دولي محايد مثل الامم المتحدة. ورأى (حداد) ان مبدأ الامن المائي يعمل باتجاهين اي ان هناك امن مائي فلسطيني كما هو لاسرائيل ولا يمكن لأي تنمية اقتصادية مهما صغرت وتحجمت ان تنجح من دون وفرة المياه, اكانت صناعية, زراعية سياحية او غيرها, لذا فإن اي متر مكعب يتم التنازل عنه فلسطينياً للجانب الاخر كأن تم التنازل عن قيمته الى الابد, فعدا عن الاحتياج له فإن هناك جانباً اقتصادياً هاماً ومورداً مادياً تتم خسارته للأبد. وطالب الجانب الفلسطيني بضرورة اتخاذ اجراءات رادعة وحلول جذرية منها: 1 ـ البدء في دراسة حقيقية للاستخدام الحالي والادارة الحالية للموارد المائية في فلسطين. 2 ـ بناء المؤسسات المائية الفاعلة والقادرة على عمل المهام الموكلة اليها. 3 ـ اشراك الجماهير بعملية اتخاذ القرار ومساندة دعم المشاريع والخطط المائية الوطنية. 4 ـ الشمولية والتواصل مع الدول العربية, خصوصاً المجاورة منها. مقارنات اسرائيلية المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني ـ لبنان, ناصر نصر الله, قال في مداخلته في مؤتمر (الامن المائي العربي) ان معادلة الارض مقابل السلام, من وجهة النظر الاسرائيلية, يحملها شرط استراتيجي هو الحفاظ على السيطرة على منابع مياه الاردن لتأمين الري وتوسيع القاعدة الصناعية ومتابعة الاستيطان, لان الحلول البديلة الاخرى محدودة الاثر او باهظة الكلفة كتحلية مياه البحر او قناة البحر المتوسط ـ البحر الميت. وتبين احدث المعلومات المنشورة من قبل هيئة تخطيط المياه في وزارة البنية التحتية الاسرائيلية المقارنات التالية بين الوضع المائي الاسرائيلي بين عامي 2000 و2020: المعطيات عدد السكان دون الهجرة مصادر المياه الطبيعية (مليون م3/سنة) احتياجات الري (مليون م3/ سنة) احتياجات مياه الشرب (مليون م3/سنة) احتياجات الصناعة (مليون م3/ سنة) عام 2000 6.200000 1.989 1.200 651 147 2020 8.524.060 1.887 1.000 1.023 157 وتحدث نصر الله عن الامن المائي, فقال ان اسرائيل تحاول في المحافل الدولية تعميم مقولات العولمة بأن المياه سلعة يحكمها العنصر الاقتصادي وليس الاقليمي او الحدودي وبأن الاحوال المائية تتخطى الحدود المرسومة بين الدول لتشمل الاحواض السطحية والجوفية على السواء ولقد حاولت ادخال نهر الليطاني في هذه المقولة واعتباره حوضاً مترابطاً مع نهر الحاصباني وهذا الطرح الاسرائيلي لا يخفي الاطماع. وخلص (نصر الله) , بعد ان استعرض محاولات اسرائيل عبر العمليات العسكرية, التحكم بمجاري الانهر اللبنانية الكبيرة, الليطاني, الحاصباني والوزاني, الى اعتبار ان لبنان ليس قصراً مائياً للمنطقة كما تصوره مراكز المعلومات المتحيزة لان المصادر المائية المتاحة نظرياً في سنة متوسطة تقدر بـ 2300 مليون م3 فقط, يستهلك لبنان منها حالياً 1500 مليون م3 لغايات الري (حوالي 90 الف هكتار) والشفة والخدمات (حوالي 4 ملايين نسمة). ان التقديرات تشير الى اقتراب حافة العجز في الميزان المائي للسنوات المقبلة نظراً لتناسي الحاجات من جهة ولمحدودية وكلفة تنمية مصادر المياه السطحية والجوفية من جهة اخرى, يضاف الى ذلك عامل المناخ الذي يقصر فصل الامطار على 90 يوماً في السنة فقط, كما ان لبنان لا يتلقى مصادر مياه من محيطه بل تقدر الانسيابات السطحية والجوفية الى خارج الحدود بحوالي 752 مليون م3 /سنة, وعليه تقف السلطات اللبنانية موقفاً قانونياً حازماً لجهة الحفاظ على الثروة المائية الوطنية ولجهة ازالة الاحتلال الاسرائيلي عن مناطق الجنوب والبقاع الغربي ارضاً ومياهاً الى جانب استمرارها في تخطيط ودراسة وتجهيز واستثمار مصادر المياه والتربة في حوضي نهري الليطاني الاوسط والاسفل والحاصباني على وجه الخصوص لري مساحات مقدرة بحوالي 38 ألف هكتار. ليس ككل السلع يقول باتريك ريبو الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية في جامعة السوربون في باريس, ان هناك مشاريع عديدة لمعالجة النقص في الماء في الشرق الادنى والشرق الاوسط, انما يتعلق تنفيذها بالاتفاقات ذات الجانبين و/أو متعددة الفرقاء بين الدول المعنية كما تتعلق بالسلام العادل والدائم الذي تصبو اليه شعوب المنطقة. لكننا نصطدم بتكييف سياسي لمعضلة الماء من قبل الدول.. هناك اخطار اخرى يجب ان تدركها الدول قبل فوات الاوان, الا وهي الضغوطات المتكاثرة التي تقوم بها الشركات الكبرى (سويس ـ ليونيز دي زو) فيفاندي وسورسيز فرع شركة بوينج, وايضاً البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية تهدف الى جعل الماء (سلعة) مثل بقية المصادر او الاملاك, ولكي تتحرر الدولة من هذا الالتزام نصبح رهينة السوق الوحيدة مع تخلي الجماعة الحكومية عن الشبكة لمصلحة الشركات الخاصة. ولكن السؤال, يتابع (الباحث الفرنسي) اذا سيطرت محركات السوق من دون مشاطرة ماذا يحصل بسلطة الدولة؟ وكيف تقوم بمسئولياتها على صعيد العدالة الاجتماعية خصوصاً تجاه كل الذين يفتقدون الى ماء الشرب؟ يرى (ريبو) ان عدم المساواة في المعاملة بين اصحاب حق الاستعمال في المدن وعدم المساواة الشاسعة في الارياف سوف تتفاقم ولا ننسى طبعاً التناقضات الاقليمية. ويخلص الباحث الفرنسي ان الماء ليس بسلعة مثل بقية السلع, ولا يمكن تركه عرضة لقوانين السوق فقط, علماً بأن هذه القوانين ليست بقوانين, انما هي التعبير عن نزاعات الهيمنة, ويتطلب ذلك ارداة جماعية صلبة. لهذا, المطلوب الحوار والتشاور بين دول المنطقة لبناء تقارب وتضافر الجهود كي تؤخذ الابعاد الاجتماعية والثقافية لادارة الماء في الاعتبار وضرورة شفافية المفاوضات وشفافية ادارة مصالح المياه والتطهير. ويناشد الباحث الفرنسي الفرقاء في الشرق الاوسط الذين لا ينقصهم سوى ارادة سياسية صلبة للوصول الى الهدف (كفانا تدميراً وآن الاوان لبناء المستقبل فلننهي توترات الحرب ونشق طريق السلام) . ليست المشكلة مشكلة ديموغرافية, بل هي مشكلة اقتصادية, تكنولوجية, اجتماعية, اي بايجاز مسألة اختيارات سياسية لتحسين الأجل القريب وللمحافظة على الاجل البعيد. فالحضارات الدائمة ابداً هي التي تعرض التعايش مع الطبيعة وليس التغلب عليها.