من مساحات الترقب وانتظار اي قشة لشعب غريق تسلل (القيصر الرمادي) الى رئاسة روسيا. فلاديمير بوتين الذي اكتسب وجها محنطا بلا تعابير من دون فضل شخصي, كان محصلة تطور الغريزة الاولى في الانسان .. الأمن. الامن وفر له سبل الحماية كافة, اضاف عليها سخرية حكيمة حول (من لايعمل لا يخطىء) , كما اكسبته سنوات الاختباء في الظل ما يتولد عن الغموض من فضول. هذا هو مجد الرئيس الروسي الذي يحلم بارتداء زي قيصر روسيا الاكبر الذي بنى مجدها في القرن الثامن عشر فوق آلاف الجماجم. ولد في مدينة لينين او ليننجراد التي اصبح اسمها بعد انزياح النظام البلشفي السوفييتي (سان بطرسبورج) العام 1952 لاب يكسب قوته بجهد يديه ما دفعته مبكرا لان يحلم بالسلطة فقصد احد المسئولين في مدينته طالبا الانضمام لجهاز المخابرات الشهير (كي جي بي) فنصحه بصقل رغبته عبر الدراسة في القانون .. وهو ما فعل لاحقا حين تخرج من جامع ليننجراد نفسها قبل التحاقه بهذا الجهاز. بعدها ارسل في مهمة استخبارية الى مدينة دريسدن الالمانية وهي المهمة التي يلفها حتى الآن الغموض خلال ماسربه بعض ضباط الـ (كي. جي. بي) حول تكليفه مهام التجسس على التكنولوجيا الامريكية والغربية عموما وبالذات منتجات حواسيب الـ (آي. بي. ام) . شهد خلال هذه الحقبة انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه جدار برلين, وآلمه جدا ان يتجاهله مسئولوه وهو يتصل بهم مستنجدا من الحشود التي تحاصر سفارة روسيا في برلين. ربما كانت هذه الحادثة وراء استفزاز كبريائه الذاتي وكرامة بلاده التي اصبحت تماما كـ (عزيز قوم ذل) . عاد الى سان بطرسبورج لمهمات استخبارية ايضا في جامعته تتركز فيما يسند لضباط الصف الثاني في جهاز الامن القومي الوريث لـ (كي. جي. بي) الخاصة بتجنيد العملاء. انتقل بعدها لمساعدة عمدة المدينة ومحاولة التقاط الزوار الاجانب لتجنيدهم في مهمات تجسسية برع خلالها في مجال آخر يتصل بجذب الاستثمارات الاجنبية للمدينة وهو ما اسس لبداية نجوميته. تبناه الاصلاحي البارز الموالي للغرب اناتولي شوبايس الذي احضره دفعة واحدة الى الكرملين المكلوم بامراض الرئيس بوريس يلتسين والمحاصر بفضائح الفساد. تولى قيادة طاقم موظفي الكرملين قبل ان يقفز لرئاسة جهاز الامن القومي لغرض في نفس يلتسين والذي تكشف لاحقا حين هب بوتين بنجدته حين نبش المدعي العام السابق لوري سكوراتوف ملفات فضائح يلتسين فما كان من بوتين المخضرم استخبارا الا توجيه ضربة قاضية للاخير حين صوره بكاميرا فيديو في وضع فضائحي مع اثنتين من المومسات ما ادى لاطاحته. اجزل له يلتسين التقدير وعينه رئيسا بالوكالة بعد ان انتزع منه حصانة طويلة الامد ضد الملاحقة القضائية. قال للناخبين الروس (انتخبوني وبعدها اخبركم من أنا) فانتخبوه مدفوعين ببريق الغموض وفضوله الاخاذ. قاد حملته الانتخابية بدهاء استخباري بعيدا عن شاشات التلفزة, عبر زيارات شاقة للفلاحين في قراهم وتجمعات النساء اللواتي خطف اعجابهن بحيوتيه النقيضة لاعتلال يلتسين, وبراعته في التزلج والجودو. لكن الصدفة المحضة هي التي كانت وراء نجوميته حين تزامن عهده مع بداية شفاء بلاده من انهيارها الاقتصادي حين اقتنع الروس ان مافي جيوبهم لا يكفي لشراء السلع الاجنبية فتوجهوا للسلع محلية الصنع. رافق ذلك فورة ارتفاع اسعار النفط التي كسبت منها روسيا 12 مليار دولار مكنت بوتين من تسديد جزء من ديونها البالغة 150 مليارا ودفع الاجور وعجلة الانتاج وتحدى صندوق النقد الدولي, ومعه الغرب. تبنى منهجا وسيطيا ذكيا يتلخص في رفض الشيوعية وكذلك رفض التبعية للغرب واستفزاز الكرامة الوطنية لاستعادة هيبة مفقودة, سارع لطرح مثال عملي لنهجه بمجازر الشيشان وايلاء قوة بلاده النووية جل الاهتمام. هكذا بزغ نجم بوتين من ترقب الغرب احيانا وتواطئه احيانا اخرى, ومن حاجة الروس للغامض الذي يحمل احتمالات غير مجربة على امل الخروج من بين انقاض الكبرياء الوطني الغابر ورغيف خبز تكاثر متسولوه على الارصفة.