في الزمن الراهن, وفي ظل التوتر المتصاعد بين كثير من الدول, وتعدد الأسباب والبواعث التي تبث بذور الفرقة والشك والقلق فيما بين بلدان العالم أجمع والعالم الثالث خاصة, ومع تأكيد الكثير من المراقبين أن منطقة الشرق الأوسط تحديداً بما تحويه من مقومات استراتيجية هائلة، وتنازع للقوى الدولية الكبرى على توجيه هذه المقومات لصالحها أو على الأقل تفويت الفرصة على الآخرين في توظيفها واستغلالها, وتكريس الأفكار المتداولة بشأن المنطقة باعتبارها برميل بارود قابل للتفجر في أي لحظة وأنها أكثر المناطق سخونة والتهاباً في العالم نتيجة لكل ذلك فإنه من الطبيعي أن تهتم دول المنطقة كثيرا بالحفاظ على استقلالها وحماية سيادتها, لاسيما إذا ما امتلكت مثل هذه الدول ما لم تملكه غيرها من نظيرتها المجاورة أو إذا أُحيط بها جو من العداء والحقد الدفين تحمله دول لها من الأطماع العدوانية والنوايا التوسعية ما يخشى منه خشية لا راد لها إلا بمزيد من التسلح والعسكرة. وتواجه منطقة الخليج الكثير من التحديات تتعدد بتعدد المنظور الذي يتم النظر من خلاله إليها, وتتعلق بإعادة التوازن بين القوى العربية والإقليمية, وما يرتبط باتجاهات تسوية الصراع العربي الإسرائيلي واحتمالات التغلغل الإسرائيلي في منطقة الخليج العربي, وكذلك تأثيرات السلام على منطقة الشرق الأوسط وعلى دول مجلس التعاون, وما يتعلق بالشكوك والنوايا الإيرانية والعراقية وآثار ذلك على الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون, إضافة إلى الشكوك حول التحالف التركي الإسرائيلي الذي سينعكس بصورة أو بأخرى على الأمن القومي العربي بأكمله وليس على دول مجلس التعاون فحسب, حيث تعقيدات السياسة في المنطقة ما يجعل الأمن فيها موضوعاً في غاية الحساسية, حيث تتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية وتتضارب. ويترافق مع ذلك وضعية الخليج التي تحتوي على أكبر احتياطي بترولي في العالم كما انها تعرضت لحربين كبيرتين كان لهما آثار ضخمة على دول الخليج وأحدثت تغييراً جذرياً في توازن القوى وثورة في الشئون العسكرية, إضافة إلى التغيرات المتاخمة لدول الخليج بعد أن انضمت كل من الهند وباكستان للنادي النووي, الأمر الذي ساهم في مجمله في تجسيم مصادر التهديد الرئيسية والثانوية للأمن القومي الخليجي وجعل من الدول العربية في مجموعها من أكثر دول العالم إنفاقاً على السلاح, حيث أنفقت 8.8% من ناتجها المحلي الإجمالي على جيوشها في عام 1998 وحده. وعلى الرغم من التراجع الطفيف الذي شهده الإنفاق على التسلح في العامين الأخيرين إلا أنه مازال يفوق الإنفاق على أي قطاع آخر, ويمكن إظهار ذلك الوضع من خلال الإشارات التالية : أنفقت دول غرب آسيا (اسكوا) البالغ عددها 13 دولة ومنها الدول الخليجية, في عام 1995 على شراء الأسلحة 7.12 % في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يصل إلى ثلاثة أمثال المتوسط العالمي للإنفاق على السلاح وهو 4% من الناتج المحلي الإجمالي. ظلت نسبة الإنفاق العربية على السلاح في عام 1996 مرتفعة على الرغم من تراجع الإنفاق في العالم إلى 4.2% بسبب انتهاء الحرب الباردة, لكن ذلك لم يمنع من ارتفاع النسبة العربية إلى 8.7% خلال هذا العام. في عام 1997 أنفقت البلدان العربية 7.35 مليار دولار على الأسلحة وارتفع إلى 7.38 مليار دولار عام 1998 وتصدرت دول مجلس التعاون المنطقة إذ بلغ إنفاقها الدفاعي 4.11% من الناتج المحلي الإجمالي. بين التسليح والخدمات الغريب أن هذا الإنفاق المتزايد على التسليح لا يواكبه إنفاق مماثل على الخدمات الأساسية, إذ تبلغ نسبة الأمية في عام 1998 في أوساط البالغين العرب عن 35% في المتوسط, وفي عام 1997 كانت نسبة الأمية في جميع بلدان الأسكوا تزيد على 10%, واحتلت الكويت والأردن رأس القائمة في ضآلة الإنفاق العام على الخدمات الأساسية ومنها الرعاية الصحية بنسبة 5.3% و7.3% من الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما على الترتيب. ولعل المؤشرات التالية توضح تزايد الإنفاق على التسلح في منطقة الخليج : (أ) شراء دولة الإمارات لـ 80 طائرة من طراز (أف 16 بلوك 60) الأمريكية المتطورة لتنضم إلى أسطول القوات الجوية الذي سيزيد عدد طائراته على 140 طائرة حربية منها 80 طائرة من الطراز المشار إليه آنفاً و30 من طراز (ميراج 2000 9) تم التعاقد عليها مع شركة (داسو) الفرنسية العام الماضي, إضافة إلى 30 أخرى من طراز (ميراج 2000) تم التعاقد مع نفس الشركة الفرنسية لتحديثها. (ب) توقعات خبراء عسكريين أمريكيين بأن تجدد قطر رغبتها في الحصول على صفقة بطاريات صواريخ من طراز باتريوت المضادة للصواريخ خاصة وأن ارتفاع أسعار البترول والرغبة الأمريكية في تدعيم منطقة الخليج من خلال شبكة صواريخ دفاعية يساهمان إلى حد كبير في تعزيز تلك التوقعات. (ج) وصول الدفعة الأولى من المدفع الصيني (الهاوز) عيار 155 وملحقاته إلى الكويت, وستصل الدفعة الثانية خلال الفترة المقبلة تنفيذاً للعقد المبرم بين وزارة الدفاع الكويتية والعاصمة الصينية بكين لتطوير قدرات الجيش الوطني, حيث سيتم في الفترة المقبلة دراسة عقود عدة قدمت للكويت ضمن خطة بناء قدرات القوات المسلحة الكويتية, وذلك في إطار الاتفاقات الأمنية التي أبرمت مع دول التحالف. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد, لماذا أولاً توجه دول الخليج جزءاً كبيراً من ناتجها الإجمالي إلى الإنفاق العسكري؟ وهل التهديد الذي تشعر به حقيقة واقعة أم أنه مجرد وهم ومحاولة من جانب البعض لتعظيم المخاوف؟ وما هي طبيعية هذا التهديد وأبرز مصادره؟ وهل يمكن تجنبه بوسيلة أخرى غير وسيلة الإنفاق المتزايد على العسكرة ومن ثم سباق التسلح؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات يشار في البداية إلى النقاط التالية: انه عندما تكون في منطقة من المناطق أربع أو خمس دول تقوم بتطوير وبناء قاعدة ذاتية من ترسانة الصواريخ بعيدة المدى القادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية أو كيماوية, فإنه من المتصور أن تشعر الدول المجاورة بالتهديد ومن مغبة استخدام مثل هذه الترسانة في أغراض غير دفاعية, وإذا علمنا أن إيران وحدها تمتلك 1500 صاروخ من طرازات ومديات مختلفة أكثرها (شهاب 3) الذي يصل مداه إلى 1300 كم, وكذلك بالنسبة لإسرائيل التي تحوز 500 صاروخ منها 200 صاروخ من طراز (جيربكو 2) بمدى 1500 كم يحمل رأساً نووية, فإن الوضع يستلزم الإحاطة فعلياً بكوامن رغبات تلك الدول في امتلاك هذه الترسانة الضخمة من الصواريخ. أما إذا أضفنا إلى ما سبق ذلك التأثير المتوقع حدوثه على أمن المنطقة من جراء التجارب النووية الهندية والباكستانية ودخولهما النادي النووي من أوسع أبوابه, فضلاً عما يملكانه من غابة من الصواريخ, فإنه يبدو أن شيئاً ما يحيط بأمن المنطقة ويشكل تهديداً أمنياً مباشراً لها حتى إذا ما افترضنا أن حسن العلاقات السياسية سيكون الكابح لأي أطماع عدوانية أو نوايا توسعية, لكن المشكلة في نظر الكثيرين لا تتعلق بعملية العدوان في حد ذاتها وحسب وإنما في خطورة امتداد أثر اندلاع صراع بين هذين الطرفين إلى المنطقة, لاسيما أنه لا يفصلها جغرافياً سوى مسافات محدودة تقطعها الأسلحة الذكية في ثوان معدودة. وقد يكون مألوفاً أن نشير إلى أن الأمن العسكري هو جزء من الأمن القومي في عمومه, وهذا الأمن يُخطط ويُبنى ويُنفذ لمواجهة التهديدات الخارجية والتحديات الداخلية, علماً بأن التهديد الحربي استبدل بأوجه أخرى للتهديد منها التهديد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مثل الإرهاب وتهريب المخدرات ومشاكل تقسيم موارد المياه ومحاولات تسعيرها وغير ذلك, ومن ثم فإن مواجهة مثل هذه التهديدات المتعددة يتطلب تفعيلاً لأدوات أخرى بجانب الأداة العسكرية والبحث عن إجابة لسؤال تردد في الفترة الأخيرة عن دور وواجب القوات المسلحة في مثل هذه المواجهات المحتملة. نظام أمن خليجي هذه المتغيرات أوجدت حالة من السكون للتفكير بعمق في كيفية بناء نظام أمن إقليمي خليجي يراعى في عناصره احتياجات كل طرف من الأطراف الستة المكونة لمجلس التعاون, لكن السؤال المطروح هل التحول الظاهر نحو الأمن القطري الخاص بكل دولة على حدة سيلغي تماماً فكرة الأمن الجماعي الخليجي, وهل تساعد الأداة العسكرية وحدها في ضمان هذا الأمن وترسيخه وردع مساعي البعض فرض كلمته وسياسته على المنطقة؟ والحقيقة أن هناك ما يثير فكرة عدم الاستقرار بالمنطقة, ويجعل بعض الدول تسعى فرادى أو جماعات لتأمين احتياجاتها من السلاح ومن ثم تضييق الهوة بين الشعور بالخطر والإجراءات والقواعد الحركية والتدابير الأمنية والعناصر الحمائية اللازمة. فالإمارات على سبيل المثال ومع الاهتمام العالمي الذي لوحظ بعد صفقة الطائرات التي أبرمتها, تُواجَه بالعديد من الأسئلة التي تتطلب الإجابة عليها لعل أبرزها يتعلق بهدف التوجه الإيراني الساعي إلى تدعيم مقومات قوته وبذل الجهد لتوفير البنية التحتية العسكرية التي يشير معظم الخبراء إلى أنها بنية هجومية وليست دفاعية على الإطلاق. كذلك فإنه يشار إلى ذلك التصريح الذي تبنته المحللة الاستراتيجية الأمريكية الدكتورة ريتشيل رونسون أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا واعتبرت فيه أن القدرات الدفاعية لدول مجلس التعاون عموماً قد تحسنت دون شك, لكنها (غير قادرة حتى الآن) على مواجهة دولة مثل العراق أو إيران. كما أن الخوف من تكرار أزمتي الخليج الأولى والثانية جعل من عملية تطوير القدرات الدفاعية المحلية ونسج تعاون أكثر رسوخاً فيما بين الدول الخليجية الست وبعضها أمراً ملحاً, لكن مثل هذه الجهود المبذولة للتطوير والتفعيل تواجه بصعوبات أهمها عزوف الدول الخليجية فيما بينها عن الدخول في مستوى أوثق للتكامل العسكري,والقيود الاقتصادية التي تواجه برنامج إعادة التسلح الرئيسي الجاري حالياً, فضلاً عن مشكلات القوة البشرية والتشعبات السياسية الاجتماعية لعسكرة مجتمعات الخليج على حد وصف بعض المراقبين. ويلاحظ أن تطوير القدرات الدفاعية الوطنية في دول الخليج كان هدفاً رئيسياً لمجلس التعاون منذ إنشائه, حيث أنفقت السعودية على سبيل المثال ما يقدر بنحو 5.15 بليون دولار أمريكي على مشتريات الأسلحة والبنية العسكرية خلال 4 سنوات فقط تمت بين عام 1984 حتى عام ,1988 وبلغ إجمالي الإنفاق العسكري خلال الثمانينيات 7.46 بليون دولار, وفي عام 90/1991 بلغت هذه النسبة 3.23% و8.33% من الناتج القومي الإجمالي على التوالي, وارتفعت النفقات الدفاعية الكويتية من 7.5% إلى 33% خلال الفترة ذاتها. وإجمالاً فقد خصصت كل من قطر والسعودية وعمان ما يبلغ 10% أو أكثر في المتوسط من ناتجها القومي الإجمالي وذلك في عقد الثمانينيات, ويليها الكويت والإمارات بنسبة 9.5% في المتوسط, وطبقاً لمعهد الدراسات الاستراتيجية في لندن وحسب إحصائيات 98/1999 فقد بلغت النفقات الدفاعية لدولة الكويت 2.1 بليون دينار كويتي, علماً بأن الدينار الكويتي يقدر بـ 4 دولارات, وبلغت في السعودية هذه النفقات 9.8 بلايين ريال أي حوالي بليون دولار. ويثير ذلك الوضع تساؤلاً حول مدى مردودية تكاليف مثل هذه النفقات في تعزيز دفاع المنطقة, خاصة أن نفقات التسلح بدت متسارعة وتلهث الواحدة منها تلو الأخرى,وما صفقة الطائرات الإماراتية والصواريخ القطرية إلا الزبد الذي يظهر على السطح ويخفي وراءه الكثير, فقد أبرمت السعودية صفقة مع الولايات المتحدة ومع فرنسا لشراء معدات بحرية بقيمة 9.3 بليون دولار فضلاً عن 1.6 بلايين دولار كتوسيع لبرنامج اليمامة 2 مع المملكة المتحدة, وقد أعلنت الكويت من جانبها أنها بصدد تنفيذ برنامج للتوسع العسكري على مدى 10 سنوات بقيمة 3.11 بليون دولار, وكذلك الوضع بالنسبة لعمان التي جددت مشترياتها من الدبابات البريطانية. ولكن هل للقدرات الاستيعابية المحدودة لمجلس التعاون الخليجي, والأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي تحكمه, وفاعلية الدفاعات الخليجية المحدودة هي الأخرى, هل لكل هذه العوامل أثر لايذكر عند النظر في صفقات السلاح المتزايدة ومدى مردودية نفعها؟ الإجابة تقتضي أولاً النظر في حقيقة مصادر التهديد التي تحيط بدول الخليج وتبرر لها إبرام المزيد والمزيد من عقود التسليح, حيث استمرار وجود صدام حسين على رأس السلطة في بغداد والتوجه الإيراني لعسكرة المجتمع.