اكد حمود بن سالم السيابي رئيس تحرير جريدة عمان ان الصحافة ساهمت بجهدها في صياغة وعي المجتمع واشاعت قدرا لا بأس به من التنوير ونقلت رؤي كان لها دورها في تشكيل القرار وهي اسهامات تصب في النهاية ضمن مفردات بناء الدولة. وقال في حديث لـ (الملف السياسي) ان الصحافة الخليجية استفادت من تاريخ وظروف نشأتها فولدت قوية, وترعرعت في كنف دول تعهدتها بالدعم والمساندة فتفوقت تقنيا في عدد الصفحات وتفوقت في قدرتها على احتضان الهم العربي. واشار السيابي الى ان الصحافة الخليجية اسهمت في تشكيل وجدان القارىء واحدثت تأثيرا كبيرا في الرأي العام ووجهت الكثير من الافكار نحو تشكيل مجتمع جديد يغترف من ميراثه الاصيل ويبدع فيه. وقال ان صحافة الخليج عبر مراحلها كانت عربية الهم والتوجه والطرح والاشتغال لانها تترجم انشغالات قادة المنطقة بهذه الهموم التي امتزجت وجدانيا بالهم المحلي قبل ان يكون هما عربيا قوميا, والتوجه القومي هو جوهر سياسة صحافة الخليج. وأوضح حمود بن سالم السيابي ان الصحافة الخليجية بوجهها الحكومي والاهلي حققت خطوات جبارة على صعيد التقنية الصحفية. وفيما يلي نص الحديث: * تاريخ الصحافة الخليجية: نشأتها التي احاطت بها ونوعية الكوادر التي شاركت في تأسيسها وكيف طبعت سماتها وكيف تغيرت تلك السمات مع اختلاف الظروف والاهداف؟ ـ تعود نشأة الصحافة الخليجية الى النصف الثاني من هذا القرن وهي مرحلة النضج في صناعة الصحافة بعد ان كانت مجرد مشروعات تتضخم في اذهان بعض المهمومين او الموهومين من الادباء والساسة, وبعد ان كانت مجرد اجتهادات فردية واكبت نشأة المطابع في البلاد العربية. وقد اعطى العثمانيون هذه الاجتهادات شرف البطولة لملاكها من خلال ملاحقتهم لما ينشر فيها.. فتحول مالك الصحيفة الى بطل, وتحول خبر اغلاقه للصحيفة الى حديث الشارع السياسي, رغم انها مجرد منشور وهمي يتوزع في نطاق ضيق جدا, وهو منشور يتساوى ونفس المنشورات التي تضبطها اجهزة الامن في العالم من خلال ملاحقتها للجماعات المتطرفة الخارجة على القانون. وعودة للصحافة الخليجية فإنها نشأت بعد ان تقدمت هذه الصناعة وتحددت بشكل اكثر وضوحا, الاهداف التي تحاول من خلالها هذه الصحافة التحاور مع محيطها.. ولذلك لم يتمكن مالك الصحيفة من صبغها بهويته الخاصة, فهو يقدم خدمة للقارىء لا رغبات مالكها. وقد توزعت صحافة الخليج على تفاصيل نوعين من الملاك, صحافة الحكومة والصحافة الاهلية واحتكمت الصحافة بنوعيها بنفس ظروف النشأة وهي قطف ثمرة النضج في الصناعة الصحافية مضمونا وتقنية. اما عن دور الصحافة في بناء الدولة, فأعتقد ان الصحافة ساهمت بجهدها في صياغة وعي المجتمع, واشاعت قدرا لا بأس به من التنوير, ونقلت رؤى كان لها دورها في تشكيل القرار, وهذه الاسهامات تصب في النهاية ضمن مفردات بناء الدولة. * العلاقة بين الصحف الخليجية: كيف تؤثر على اداء بعضها البعض بالسلب أم بالايجاب.. حدود المنافسة بين الصحف المحلية ونتائجها هل ادت الى درجة كبيرة من التشابه أم التميز؟ ـ الصحف الخليجية والصحف.. في اي الاتجاهات حققت الصحافة الخليجية تفوقا.. وفي ايها لم تحقق؟ هل احتلت مساحة كاملة في الداخل الخليجي وهل ازاحت بعضها في الخارج؟ ـ ما الفرق بين الصحافة الخليجية والاهلية والصحافة الحكومية؟ ـ ما الفرق بين الصحافة الخليجية في الوطن وخارجه؟ ـ حدود هامش الحرية وتأثيره على رواج الصحف؟ الجودة دائما هي هبة المنافسة.. ومتى ما استشعر الفرد او المؤسسة وجود هذا الهاجس اشتعلت الرغبة بإثبات الذات والحرص على تحقيق التفوق, والمنافسة في الصحافة ترتهن لهذا الشعور الغريزي, فهي صحافة موردها الانسان معلنا وقارئا, ومتى ما طورت اداءها اقتربت منه بشكل اكبر وكسبت خاصية تفضيلها لديه. فهذه المنافسة وان بدت كسباق في مضمار اعد على عجل وترتب عليه إلحاق اضرار فادحة تكبدته صحيفة من الصحف حتى تلاحق هرولة صحيفة اخرى من حيث التجهيزات الطباعية او السباق بزيادة عدد الصفحات, او الانفتاح على قضايا خارج الهم الاقليمي, وهذه المنافسة بجانبها السلبي لها جوانبهاالايجابية الاخرى من حيث تقديم صورة مشرفة عن البلد من خلال صحافته المتطورة المنسجمة مع التطور الذي شهدته في مختلف المجالات. والحديث عما حققته الصحافة الخليجية من سبق على شقيقاتها في البلاد العربية الاخرى الاخرى فإنها استفادت من تاريخ وظروف نشأتها فولدت قوية, وترعرعت في كنف دول تعهدتها بالدعم والمساندة, فتفوقت تقنيا وتفوقت في عدد الصفحات, وتفوقت في قدرتها على احتضان الهم العربي, فتحولت من صحافة محلية الى صحافة عربية شاملة. كما انها تميزت باستقطاب نفس الاسماء اللامعة التي تشكل نجوم صحافة بلادها فتحولت الى نجوم صحافة الخليج. اما عن الفرق بين الصحافة الاهلية والصحافة الحكومية في الخليج فأعتقد ان احتكام الصحافة بوجهيها لنفس قانون المطبوعات والنشر يجعل من هذه الفوارق غير محسوسة هذا فضلا عن توجه الحكومات عبر اعلامها الرسمي لمواكبة تطلعات القراء خاصة في مجتمعات مفتوحة على صحف وافدة, وفي سماوات مفتوحة على قنوات تدخل البيت الخليجي, كل هذه الامور جعلت من قوانين المطبوعات والنشر تهتم بالمحظورات الرئيسية المحدودة, مما لم يعد هناك مجال لان تلعب الصحافة الاهلية على هامش المرونة الموجود لدى الصحافة الحكومية, فكلاهما يعمل بنفس الهامش وبنفس المرونة فيه. اما الفرق بين الصحافة الخليجية في الوطن وخارجه فلربما محدودية الصحف والمجلات التي تصدر خارج الرقعة الخليجية محدودة ولا تصلح لاعتبارها ظاهرة, كما انها نفس هذه الصحف تعتبر خليجية موارد وقراء, فما يميزها هو ترتيب الاولويات وفق امزجة المناخ الصحفي التي تصدر منه, فبينما يكون (ما نشيتها) الرئيسي المثير قصة تناولتها صحيفة خليجية اخرى ضمن عمود في صفحة داخلية, رغم ان مصدر الخبر ربما تم اغترافه من نفس الوكالة. اما عن حدود هامش الحرية وتأثيره على رواج الصحف, فإن صحافة التابلويد الشعبية في بريطانيا توزع اضعاف ما توزعه الصحافة الرصينة في نفس البلد رغم ان جو الحرية في بريطانيا هو واحد. وصحافة الاثارة والشعوذة ربما تستقطب اهتمام الكثير من القراء على حساب صحافة تحترم نفسها وتحترم رسالتها وبالتالي تحترم قراءها. فهامش الحرية يجب ألا يرصد من خلال ارقام التوزيع كما هو الحال نفسه مع الفيلم اذ يجب ألا يحتكم لشباك التذاكر كدليل على عظمة المضمون فلربما الكثير من المشاهد المثيرة صنعت مجدا لمخرجها. * الصحافة والرأي العام: علاقة متبادلة من التأثير والتأثر الى أي مدى حدد الرأي العام خطوطا حمرا للصحافة؟ ـ الصحافة والجاليات الوافدة كجزء من الرأي العام.. هل يؤثر الوافدون كقراء في صياغة واختيار وتبويب صفحات الصحف الخليجية (بأي درجة تستهدف الصحف الخليجية الوافدين كقراء؟) ـ الى اي درجة يحكم التوجه القومي سياسة الصحافة الخليجية؟ ارتباط القارىء بالصحافة في ظل ثورة القنوات الفضائية وثورة الانترنت دليل على قدرة هذه الصحافة على اختراق هذه الشرنقة فالصحافة رغم كل هذه الوسائل الاسرع والاقوى تأثيرا في صناعة الرأي العام ظلت محتفظة بحيويتها ومشمولة بالتفاف القراء حولها. فالصحافة الخليجية اسهمت في تشكيل وجدان القارىء واحدثت تأثيرا كبيرا في الرأي العام ووجهت الكثير من الافكار نحو تشكيل مجتمع جديد يغترف من ميراثه الاصيل ويبدع فيه بعيدا عن التشبث بسلوكيات افرزتها فترات معتمة من تاريخه فكان لابد للصحافة ان تدخل في كيمياء الوقود لاشعال المصابيح التي وفرتها الحكومات الخليجية لابنائها. وبقدر ما تطور وعي رسالة الصحافة تطور وعي المتلقي فكان لابد له ان (يفرمل) اي شطط لدى الكاتب اذا ما حاول اجتراح عفة المجتمع والنيل من ثوابته, فقوانين المطبوعات والنشر هي الخطوط الحمر التي يشهرها المجتمع في وجه شطط الكتاب. اما عن تأثير الجاليات على اولويات اهتمامات الصحف الخليجية ففي صحافة عمان ولله الحمد غير موجود إلا في الصحف الصادرة باللغة الانجليزية اما الصحف الصادرة في بعض البلاد الخليجية فإن هذا التأثير ملموس وقد ارتبط بمراحل سياسية عاشها الوطن العربي ففي ذروة التباكي على بقايا الحلم القومي عشنا هذه الصراعات التي اتخذت من صحافة الخليج ساحة لجدلها, وتكرر المشهد إبان كامب دايفيد, وتواصل اثناء الحرب العراقية الايرانية, اذ تحولت بعض هذه الصحف الى جزء من المواجهة, وآلة من آلات الدعاية الحربية ضد طرف دون آخر.. ولم تحلم الدول المعنية ان تنشر صحفها ما تنشره بعض صحافة الخليج عنها. إلا ان حرب تحرير الكويت ومفاوضات السلام على المسارات الفلسطينية والاردنية واللبنانية والسورية, وانتصارات نزعة السلام وسقوط الشعارات البراقة, اعادت التوازن لصحافة الخليج فبات الخبر العربي قوتها اليومي, بعد ان كان الانفعال العربي رهانها اليومي. اما صحافة الخليج الصادرة باللغة الانجليزية ومن بينها صحافة عمان فإن تأثير الجاليات يبرز من خلال اهتمامات هذه الصحف بتخصيص مساحات واسعة عن آسيا وأوروبا وامريكا, فهي تتحدث عن الكريكيت اكثر من القدم وعن السينما الهندية اكثر من العربية, وعن انقلاب قاطرة في كلكتا اكثر من غرق سفينة في شواطىء البحر الابيض المتوسط, وذلك احتكاما لنوعية القارىء الذي تخاطبه واهتمامات هذا القارىء. اما عن درجة تأثير التوجه القومي في سياسة الصحافة الخليجية فهذه الصحافة هي عربية مترجمة لارادة عربية متفاعلة مع هم عربي, وهي تجسد القرار الخليجي الذي يرتبط حتى النخاع بعروبته, فكما ان صحافة الخليج عبر مراحلها كانت عربية الهم والتوجه والطرح والاشتغال فإنها تترجم انشغالات قادة المنطقة بهذه الهموم التي امتزجت وجدانيا بالهم المحلي قبل ان يكون هما عربيا قوميا. فالتوجه القومي هو جوهر سياسة صحافة الخليج, إلا انني كما قلت في سياق اجابة سابقة, ان غزو العراق للكويت وتدشين عصر السلام العربي الاسرائيلي عبر مختلف مساراته جعل صحافة الخليج تتوازن مع نفسها. فلم تعد الرموز المحاطة بالكثير من الهالات هي مائدة حوار هذه الصحف بل تحولت تلك الرموز الى موقع تهمة يكال لبعضها مسئولية ما جرى ويجري من احداث. * الشكل الصحفي واسبابه: الصحافة مدارس واتجاهات من صحافة الخبر الى صحافة الرأي الى صحافة التسلية والتشويق, اي الاتجاهات غالب في الصحافة الخليجية وما الاسباب؟ وما افق التحول من شكل الى آخر مثلا من صحافة الرأي الى صحافة الخبر او الى صحافة التشويق والاثارة؟ ـ صحافة الخليج هي صحافة الثورة التقنية وقد ضخت الكثير من المال في اوصالها واستقطبت كل المؤثرين عربيا في صناعة الصحافة, واحتضنت كل الموهوبين عربيا في صياغة حاضرها ومستقبلها. وهي استطاعت بحجم عدد صفحاتها ان تمسك (بتلابيب) قرائها اذ لا يجدون فكاكا منها فاستطاعت ان توازن بين رغبات قرائها, من خلال قربها الحميمي منهم, فهي صحافة شاملة خبرا ورأيا وتشويقا, ويبقى القارىء نصف المثقف الذي يجد نفسه في صحف الاثارة لاشباع عينيه بحكايات نصفها مفبرك, ومعظمها اتكأ على صور فاتنات اوروبا والمراهقات الخارجات عن التقاليد العربية كوقود لحطب احتراق الغرائز. الجوانب المهنية: * غياب الجمعيات المهنية وغياب دورها في تطوير المهنة والدفاع عن المنتسبين اليها وتحقيق امتيازات ومصالح لهم, ما الاسباب, أَلاَ يوجد احتياج حقيقي لها؟ ـ ترسيم اعراف المهنة يتطلب سن قوانين وتشريعات تنظم العمل الصحفي والعلاقة بين أبناء المهنة والمجتمع بهيئاته المختلفة.. ماذا يمكن ان يضيف التشريع للصحافة الخليجية؟ ـ الصحافة الخليجية ولدت في غياب هذه الأطر ونمت بعيدا عن هذا الترف السياسي, وتطورت دون هيمنة منه, وبالتالي فإن وجود مثل هذه الجمعيات ليس له تأثير يذكر في صناعة الحاضر الصحفي ولا يعول عليها في صياغة مفردات المستقبل. أما التشريع فهو مطلوب لأنه في غياب التشريع تعم الفوضى, فلابد من وجود ما ينظم هذا الكيان المهم بحيث يحفظ هيبة الصحافة وحقوق المنتسبين لشرف العمل بها. جوانب فنية * كيفية تعامل الكادر المحلي مع التقنية الحديثة في الطباعة. أي نوعية من الصحافة الأهلية والحكومية أكثر قدرة على امتلاك ماكينة الطباعة الحديثة والاستفادة القصوى منها ومواكبة احدث التطورات في مجالها؟ ـ الصحافة الخليجية بوجهها الحكومي والأهلي حققت خطوات جبارة على صعيد التقنية الصحفية, فقد عاشت فترات مزدهرة قادت ملاكها لأن يقتحموا عالم التحديث التقني, رغم كلفته الكبيرة, إلا ان الصحف نظرت إلى ذلك على انه استثمار ذو مردود كبير يغطي ما أنفق فيه خلال فترات قصيرة, فعرفت صحافة الخليج (الجلوسي بير) وهو ما لم يدخل البلاد العربية بعد. أما تعامل الكادر المحلي مع هذه التقنية المتطورة في الصحف الحكومية فهو أكثر منه في الصحف الأهلية, وذلك لوجود الكادر المحلي بشكل أكبر في الصحف الحكومية بسبب ابتعاد الصحافة الحكومية عن انتقاء الأقل أجرا, فهي أولت الكادر المحلي عناية أكبر ومعظم من زار عمان بمن فيهم وزراء الاعلام من دول الخليج فوجئوا بالكادر المحلي في جريدة عمان, واعتبروا ذلك ظاهرة ملفتة ومشرفة وجديرة بأن تحتذى, فالشباب في الصحافتين من حيث الكفاءة يتساوون, ولكن الفرص متاحة من حيث الراتب والتأهيل والاعتماد علىهم في مهام خارجية هي الأكثر وضوحا في الصحافة الحكومية منها في الصحافة الأهلية. اجرى الحوار: محمد اليحيائي