إرنست بيجن: الشرق الأوسط منطقتنا ، أسرار وراء الاشارة الغامضة من المخابرات البريطانية لبيجن لم يأت من فراغ تأكيد مؤلفنا ستيفن دوريل ان المسئولين البريطانيين كانوا على تمام الاقتناع بأنه أيا كان من ستتخذه مصر حليفا لها في ظل حكم جمال عبدالناصر فإن هذا الحليف لن يكون بريطانيا, ذلك ان التاريخ البريطاني في مصر كان هو الذي يفرض هذا الاستنتاج بقوة, ولكن الأمر الواضح انه لم يكن التاريخ البريطاني في مصر وحدها وإنما في العديد من أرجاء العالمين الإسلامي والعربي, وفي مقدمتها فلسطين. وفهم هذا البعد يفرض علينا التراجع زمنيا من مرحلة الخمسينيات التي بدأنا بها هذه المناقشة لكتاب دوريل لنعود إلى مرحلة سابقة هي تلك التي ساهم فيها البريطانيون مساهمة عضوية في صنع اسرائيل. غير ان من الضروري أن يدرك القارئ ان الصورة التي ستبرز ملامحها أمام عينيه حالا ليست مما ينتمي إلى التاريخ العام وإنما هي صورة تبرز من منظور جهاز المخابرات البريطاني الخارجي: (ام. آي. 6) , وحتى في اطار هذا المنظور فإنها ترتسم من خلال زاوية فرع العمليات الخاصة. والمؤلف يلفت نظرنا إلى ان المخابرات البريطانية لها تاريخ طويل من العمليات الخاصة في الشرق الأوسط, فعلى حد قوله كانت المنطقة ملعبا ينطلق فيه ضباط المخابرات البريطانيين الذين يعملون خارج تسلسل القيادة والسيطرة المعتاد, وغالبا ما اعتمدوا أساليب ضارية ما كان يمكن لهم اللجوء إليها في مسارح عمليات أخرى غير الشرق الأوسط. وقد وصل استخدام جهاز (ام. آي. 6) للعمليات الخاصة والتحرك السياسي إلى قمة عالية أو إلى سفح مترد بالأحرى في الخمسينيات, وهي المرحلة المعروفة لمن يقومون بمثل هذا النوع من العمليات باسم (مرحلة الفظائع) وقد بلغت ذروتها في كارثة السويس التي وصفها دونالد كاميرون دات, أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد التابعة لجامعة لندن بأنها (الطبخة التآمرية الصرحية... شأن الكثير في السجلات التاريخية) . وخلافا لما هو شائع في الكتابات التاريخية عن هذه المرحلة, يبدو ان جناحاً متشددا في مؤسسة السياسة الخارجية البريطانية قد واصل اتباع أجندة عمل قائمة على نزعة التدخل بعد حرب السويس, وأن (الطبخة) إياها قد أعقبها الكثير من العمل القائم على التدخل واقتحام الخطوط. ويعزو دوريل هذا التوجه إلى صميم تقاليد المخابرات البريطانية ذاتها, ويشير إلى ان ضباط (ام. آي. 6) في المنطقة كانوا بمعنى من المعاني من الحالمين, وهو يقتطف في هذا الصدد عبارة من كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) لـ (تي. اي. لورنس) يقول فيها: (كل الرجال يحلمون, ولكن ليس بدرجة متساوية, فمن يحلمون ليلا في مفازات الأذهان المتربة يستيقظون نهارا ليجدوا أن ذلك كان باطلا وقبض الريح, ولكن الحالمين نهارا هم رجال خطرون, ذلك انهم قد يجسدون حلمهم بعيون مفتوحة ليجعلوه شئيا ممكنا...) . وحتى عندما أعرب ديك وايت, رئيس الـ (ام. آي. 6) صراحة عن استهجانه للعمليات الخاصة فقد أجبر جناح يميني يدور في فلك رئيس الوزراء البريطاني الجديد هارولد ماكميلان جهاز الـ (ام. آي. 6) على خوض غمار حرب محدودة النطاق في جنوب الجزيرة العربية. وأوجد استخدام رجال جهاز الـ (اس. ايه. اس) التابع للجيش كقوة مناهضة لحرب العصابات وكقوة شبه عسكرية في عمليات تسند عادة إلى عناصر المرتزقة ونشر أصول المخابرات لتجنب التورط المباشر لرجال الـ (ام. آي. 6) وبالتالي توفير ما هو أقرب إلى امكانية نفي الضلوع في العمليات - أوجد نموذجا سوف يقتدي به منفذو العمليات البريطانية على امتداد الأعوام الثلاثين اللاحقة. إنها منطقتنا يشير ستيفن دوريل إلى واقعة لها أهميتها البالغة من حيث دلالتها التي يمكن أن تساعد كل من يهتم بالمنطقة في تفسير الكثير مما يجري على أرضها, ففي أول اجتماع يعقده مجلس وزراء خارجية دول الحلفاء في أكتوبر 1945 رفض وزير الخارجية البريطانية المطالب السوفييتية بمعاملة على قدم المساواة مع الدول الأخرى في الشرق الأوسط, ونقل الدبلوماسي سير موريس بيترسون عن ارتست بيجن إلى جوزيف ستالين القول ان (الشرق الأوسط منطقتنا... وقد أنجزنا ولا نزال ننجز عملا كبيرا فيها... وبصراحة, وفيما يتعلق بالدول العربية, فإننا نعرف الكثير عنها, بينما الروس لا يعرفون شيئا على الاطلاق) . هذا الذي قاله رئيس الدبلوماسية البريطانية في مواجهة ستالين لم يأت من فراغ, ولا انطلق من عدم, وإنما من تاريخ بأسره كانت بريطانيا تمضي فيه تفعل ما تشاء على امتداد الشرق الأوسط. ولم تكن فلسطين على وجه التحديد استثناء من هذه القاعدة. غير ان المشكلة الحقيقية في فهم ما فعلته أجهزة المخابرات البريطانية في فلسطين وعلاقتها بالأجهزة الاسرائيلية المناظرة تنبع من ان هناك قدرا مروعا من الخلط والتجهيل والغموض المتعمد حول هذا الجانب, ومع ذلك فإن المرء يستطيع أن يضع يده على التناقضات بين ما يزعمه البريطانيون وما جنته يداهم على أرض فلسطين. والصورة التي يروج لها البريطانيون هي انهم قاوموا الكثير من الجهود والعمليات الصهيونية في فلسطين وخارجها, ولكن مؤلفنا ستيفن دوريل سيوضح لنا في السطور الأولى من الفصل السادس والعشرين الذي يعقده عن فلسطين انه في العام الأخير من الحرب العالمية الثانية كان هناك ضابطان من ضباط جهاز الـ (ام. آي. 6) هما كولونيل هارولد جيبسون وميجور أرثر ويتال يعقدان من مقرهما في اسطنبول أواصر صلات مهنية وثيقة مع (آلبابية) وهو الجد الأعلى للموساد والذي كان رجاله يكرسون كل دقيقة من وقتهم للقيام بعمليات نقل للألوف من المتسللين الصهاينة إلى فلسطين. ويوضح لنا المؤلف ان هذين الضابطين اللذين ساعدا الاسرائيليين بتأشيرات السفر بشكل خاص قد تكبدا جهودا مذهلة للمساعدة في العديد من السرية الصهيونية ولم يترددا في تحذير رجال المخابرات الصهيونية من المخاطر التي يتعرضون لها. هذا المثال, وغيره كثير, كان يحدث على الرغم من ان جهاز الـ (ام. آي. 6) لم يكن معنيا بفلسطين في المقام الأول, لانه في ظل ما يعرف باسم (مبدأ أتلي) كانت عمليات فلسطين من مسئولية جهاز الـ (ام. آي. 6) وذلك مع انه بسبب صعوبات تتعلق بعمليات تجنيد العناصر كان عدد من ضباط وزارة الدفاع البريطانية قد حشدوا في القدس بمن في ذلك عدد من ضباط الـ (ام. آي. 6) , وقد انضم كبير ضباط وزارة الدفاع إلى هؤلاء, وهو سير جايلز إيتام إلى الـ (ام. آي. 6) في أواخر ,1946 وذلك على الرغم من انه في تلك الفترة كان مسئولا أمام القسم (اي-2) في جهاز الـ (ام. آي. 6) في لندن الخاصة بعمليات ما وراء البحار. حرب السفن ربما كجزء من التناقض الذي أشرنا إليه حالا والذي تتضارب في اطاره الروايات حول طبيعة العلاقات بين الأجهزة السرية البريطانية ونظيرتها الصهيونية, يشير المؤلف في صفحة 544 من كابه الى أنه في هذه المرحلة كان جهاز الـ (ام. آي. 6) يخوض غمار ما يسميه بـ (حرب استنزاف) ضد الصهاينة, ولا يتردد في القول ان الجهاز دفع ثمنا غاليا في هذه الحرب المزعومة. ما الحكاية بالضبط؟ وكيف كان ذلك؟ وكيف نشبت هذه الحرب بينما نعرف ان الأجهزة الصهيونية قد نشأت على أعين الأجهزة البريطانية وبرعايتها وبالتعاون معها خاصة خلال الحرب العالمية الثانية؟ يقول ستيفن دوريل انه في السادس من سبتمبر 1946 ألقيت قنبلة يدوية على شرفة دار ميجور ديزموند دوران ضابط الأمن في المنطقة وكبير ضباط الـ (ام. آي. 6) في تل أبيب, فلقي مصرعه وجرح اثنان من زملائه. وينقل عن نايجل وست قوله: (من المعتقد ان مصرعه يشكل حالة الوفاة الوحيدة التي تكبدها الضباط العاملون في (ام. آي. 6) في هذه المرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية) . ولا ينسى المؤلف أن يشير هنا إلى ان دوران كان قد خدم في نهاية الحرب في التنظيم الذي يشكل غطاء للـ (ام. آي. 6) في الشرق الأوسط وهو دائرة الارتباط بين الخدمات في القاهرة حيث ربما عرف في صفوف العناصر الصهيونية المسلحة الناشطة هناك, ويتكهن بأنه ربما عرف في صفوف رجال عصابة شترن بأنه (محقق ماهر) . وبعد ذلك بسعبة أسابيع, قام عملاء منظمة الارجون زفاي لئومي الصهيونية بوضع حقيبتين تضمان قنبلتين أمام واجهة السفارة البريطانية في العاصمة الايطالية روما, التي يصفها المؤلف بأنها أصبحت رمزا للمقاومة البريطانية للهجرة اليهودية غير المشروعة إلى فلسطين. وقد شعر كينيث بنتون, ضابط الـ (ام. آي. 6) في السفارة بالانفجار ولكنه نجا منه من دون أن يصاب بجروح. المدهش هنا هو ان المؤلف يتوقف عن المضي في سرده لكي يقول لنا, وكأنه يهمس في آذاننا, ان من قبيل المفارقة ان بنتون كان في بداية الحرب العالمية الثانية قد تلقى تكريما واشادة من الوكالة اليهودية في دبي لمساعدته للمهاجرين اليهود على الانطلاق إلى فلسطين. ويقول المؤلف ان تنظيم الهاجاناة الصهيوني الذي تدرب الكثير من أعضائه خلال الحرب اما على يد الـ (ام. آي. 6) أو على يد الهيئة التنفيذية للعمليات الخاصة المعروفة بالاسم الرمزي (اس. أو. اي) قد تمكن في تلك المرحلة على تنظيم الهجرة اليهودية غير الشرعية سرا إلى فلسطين باستخدام سلاسل من السكك الحديدية التي عرفت باسم (خطوط الفئران) عبر النمسا أو إلى موانئ في ايطاليا ويوغسلافيا ومنهما بحرا إلى فلسطين. وهو يشدد على انه في النمسا كان الفوج اليهودي في الجيش البريطاني, وجميع رجاله أعضاء في الهاجاناة, ينسقون ارسال المتسللين اليهود بحرا إلى فلسطين تحت أنوف قادتهم البريطانيين على حد تعبير مؤلفنا, وصولا من النمسا إلى ايطاليا حيث توجد شبكة من المعسكرات اليهودية تتولى نقلهم إلى جنوا ومنها بحرا إلى فلسطين. ويوضح المؤلف ان العلاقات الودية بين جهاز المخابرات الاسرائيلي في ذلك الوقت (المعهد بي, موساد) والشرطة السياسية اليوغسلافية كانت ودية للغاية بحيث لم تكن هناك حاجة لتأشيرات دخول, وفي الفترة من نهاية الحرب حتى صيف 1946 تم نقل ما يزيد على 73 الف مهاجر يهودي غير شرعي إلى فلسطين على متن مجموعات هائلة من السفن الصغيرة. الطريق إلى فاماجوستا على ذمة المؤلف, كانت معلومات المخابرات المتوافرة للبريطانيين حول تدفق الهجرة اليهودية غير المشروعة إلى فلسطين محدودة وذات مستوى متواضع في الوقت الذي استمر هذا الدفق البشري بلا انقطاع. وكانت السياسة البريطانية المعلنة ـ دع جانبا بواطن الحقائق والنوايا ـ تقوم على شعار (الرصد والاحتجاز) بمعنى تصدي البحرية البريطانية المزعوم لحركة نقل اليهود بحرا إلى فلسطين, ويشير دوريل إلى ان الاعداد الكبيرة قد مثلت مشكلة ملحة لحكومة اتلي, وفي مواجهة هذا الموقف كان التحقيق مع اليهود من المشتبه فيهم ومن الاسرى مصدرا مهما للمعلومات, ويؤكد جون براينس وهو ضابط تولى رئاسة قسم الشئون اليهودية في الفرع السياسي لشرطة فلسطين التابعة لسلطة الانتداب والذي وصل إلى منصب كبير في (إم أى. 6) يؤكد ان عمليات التحقيق التي قامت بها الشرطة قد شملت على حد تعبيره (الصبر والاستعداد) . وقد كان لدى مركز الخدمات المشتركة والتحقيق التفصيلي الذي تم تأسيسه في عام 1940 للقيام بتحقيقات مفصلة والذي اداره ميجور دبليو. بي سيرجوبيك ثلاثة ضباط فقط غرقوا حتى آذانهم في العمل, كما كان هناك مقر للتحقيقات في منطقة فايد قرب الاسماعيلية بمصر, حيث تم افتتاح قسم خاص للتصدي للهجرة اليهودية غير المشروعة إلى فلسطين من خلال ادارة عمليات لجمع معلومات المخابرات وعمليات خاصة ميدانية, وقد تحدث موريس اولدفيلد الذي وصل إلى منصب رئيس ال (ام.أي. 6) بمزيد من المرح عن عمليات ضرب المعتقلين وغمر رؤوسهم في الماء لحملهم على الادلاء بمعلوماتهم. وعلى ذمة المؤلف ايضا كانت المخابرات البريطانية في المانيا مسئولة عن اختراق الجماعات اليهودية ورصد العناصر القيادية المنتمية إلى المنظمات اليهودية السرية وقد تدفقت المعلومات من المانيا والنمسا وايطاليا إلى قاعة خاصة في وزارة الحرب لهذا الغرض, كما اقيمت محطات في مناطق متفرقة على ساحل البحر المتوسط وخاصة في جنوا وتريست واثينا لمنع المهاجرين اليهود من الوصول إلى نقطة ركوب السفن إلى فلسطين, واقيم مركز القيادة لهذا النشاط كله في بورتوفينيز عند طرف خليج سبيزيا الذي كانت معظم عمليات اقلاع السفن الايطالية المقلة للمهاجرين اليهود تتم منه. وفي مواجهة هذا النشاط البريطاني في ايطاليا كان هناك فريق يهودي هائل على رأسه يهودا ارازي الذي قاد فريق تخريب تابع للهاجاناة خلال الحرب العالمية الثانية عمل بالتعاون مع هيئة (الاس أو. إي) البريطانية في دول البلقان, وقد وصل نجاحه في مواجهة البريطانيين إلى حد تمكنه من زرع عملاء له ضمن فريق العاملين في مقر القيادة البريطانية في بورتوفينيز. وخلال صيف 1947 اثار ميجور جوردن ليت وهو ضابط سابق في هيئة (الاس. أو. إي) ضجة كبرى في لندن عندما بعث بتقرير من بورتوفينيز يحذر فيه من ان معهد بي الموساد سيعمد إلى استخدام سفن اكبر حمولة الواحدة منها اربعة آلاف طن لنقل عشرات الالوف من المهاجرين غير الشرعيين إلى فلسطين على متنها. اكسودس هنا, بالضبط, سيبرز الاسم الذي سيتردد بعد ذلك طويلا, ويتحول إلى عناوين للروايات والافلام في اطار آلة الدعاية الصهيونية الجهنمية وهو (اكسودس) وهو اسم سفينة استخدمها الصهاينة لدفع الآلاف من المهاجرين اليهود غير الشرعيين إلى فلسطين تحت وهم انها بلاد بلا شعب منحتها معجزة ما لشعب بلا بلاد. ويشير المؤلف إلى أن الاجهزة البريطانية حشدت كل مواردها بحيث تمكنت من اعتراض السفينة (اكسودس) واجبرتها على العودة بحمولتها المؤلفة من 4500 يهودي إلى معسكرات اللاجئين في المنطقة التي تسيطر عليها القوات البريطانية من المانيا. كانت تلك, بالضبط, هي الخطوة التي انتظرها خبراء الدعاية الصهاينة, حيث انطلقوا على امتداد العالم يقرعون كل الاجراس, ويصرخون بان الانجليز يكررون المحرقة التي ارتكبها النازي ولكن بشكل اخر, ووصلت الامور إلى حد ان عناوين الصحف الامريكية خرجت على قرائها صارخة ان الحكومة البريطانية (إما انها قد جنت أو اصبحت معادية للسامية على نحو خبيث) . وتكاملت حلقات اللعبة الصهيونية مع انتهاز رجال معهد بي الموساد, لهذا كله واتخاذهم قرارا بإرسال عشرين الف مهاجر غير شرعي من يهود اوروبا عبر البحر في محاولة لاكتساح المعسكرات البريطانية في فاماجو ستا في قبرص, الامر الذي من شأنه في نهاية المطاف ان يجبر السلطات البريطانية على التخلي عما تقوم به والسماح لليهود بالانطلاق حسبما يريدون إلى فلسطين. وهكذا قام رجال الموساد بشراء سفينتين كل منهما حمولتها 4500 طن ترفعان اعلاما بنمية, الاولى هي (بان بورك) , والثانية هي (بان كريسنت) . وبدا واضحا للعيان ان هاتين السفينتين اذا شقتا طريقهما عبر المتوسط من شأنهما ان تحسما امر ورقة القوت البريطانية, اي السياسة التي تزعم لندن انها تتبعها بمحاولة الوقوف في وجه الطوفان الذي ينظمه الصهاينة من الهجرة غير الشرعية لليهود إلى فلسطين. وهكذا لجأ جهاز (ال. ام. آي. 6) إلى كولونيل هارولد بيركنز في اكبر محطة تابعة للمخابرات البريطانية الخارجية في اوروبا, وهي المحطة التي تتخذ من روما مقرا لها, حيث تصب المعلومات المجمعة عن المنظمات اليهودية السرية قادمة من المحطات الموجودة في فيينا وباريس وميلانو وتريست. وشمر كولونيل بيركنز عن ساعديه ليضع خطة للحد من التدفق الذي ينفذه الصهاينة باصرار يصل إلى حد الضغط على الجماعات اليهودية الراغبة في الهجرة إلى مناطق اخرى غير فلسطين, وكان من عناصر هذه الخطة وضع الغام في مواجهة السفن التي تقل المهاجرين هجرة غير شرعية لمنعهم من الوصول إلى فلسطين, وهو الامر الذي كان يقتضي موافقة رئيس الوزراء البريطاني. على ذمة المؤلف فان جهاز ال (. آي. 6) قد سعى بالفعل إلى الحصول على موافقة أتلي على تدمير السفن التي تقل مهاجرين غير شرعيين من ايطاليا إلى فلسطين, في اطار ما يبدو انه اول استخدام لـ (فرع العمليات الخاصة) الذي انشىء حديثا, على الرغم من انه كان في واقع الامر يطور عمليات سبق ان وظفها جهاز (الاس. أو. اي) البريطاني من قبل. وكان الرجل الذي اختير للاشراف على هذه العمليات الحساسة في ايطاليا هو الكونت فربدريك فاندن هوفيل الذي عمل طويلا رئيسا لمحطة ال (إم. اي. 6) وقد كانت لديه تعليمات سرية بشن حملة مضادة للهاجاناة وذلك بالتعاون مع بركنز ورجاله. وقد عمل الكونت فاندن هوفيل على اختراق شبكة الهاجاناة التي نشطت في اطار جهود مسعورة على امتداد العالم تقريبا, واعتمد في القيام بذلك على ممثلي الـ (ام. آي. 6) في ميلانو بايطاليا وفي مقدمتهم لانسلوت دي جارتسون الذي خدم طويلا في لوكارنو ولوجانو, وكذلك على (تيدي) دي هان, وكان الأمر الصادر لهما مباشرة هو اكتشاف الموانئ المطلة على البحر الأورياتيكي المختارة لابحار سفن المهاجرين غير الشرعيين منها إلى فلسطين. ووظف رجال الـ (ام. آي. 6) وكيلا بحريا يونانيا للحصول منه على تفاصيل عن السفن التي تم شراؤها لخدمة فيضان الهجرة غير الشرعية اليهودية إلى فلسطين والتي اتبعت بأموال أمريكية في المقام الأول, ولدى التعرف على السفن المعنية كان من المفترض أن يقوم بيركنز ورجاله بجلب المعدات الضرورية ثم زرع المتفجرات في جانب السفينة المعنية تحت خط الماء. رسالة للعزيز بيجن في صيف 1947 وصلت السفينة (يورك) إلى مرسيليا ورست السفينة (كريسنت) في البندقية. وبينما كان العمال الايطاليون يضعون اللمسات الأخيرة على (كريسنت) هز فيها انفجار مدو وتدفق الماء إليها بحيث مالت على جانبها بشكل سيىء, وأنقذتها المضخات من الغرق, وعزا تحقيق أولي أجراه رجال الموساد الانفجار إلى مجموعة عربية, ولكن التحقيقات اللاحقة قادت الموساد إلى متفجرات بريطانية الصنع. وهكذا زعم الجهاز الاسرائيلي في تقرر له ان (التنظيم الذي يتصدى للهجرة غير المشروعة يلجأ إلى اجراءات مانعة بشكل أكثر مباشرة) وفي ضوء هذا تقرير اتخاذ اجراءات أمنية صارمة في كل ما يتعلق بسفن المهاجرين, وحشد الجهاز الاسرائيلي كل قدراته بحيث يتم ضمان قدرة السفينتين على الابحار, وهكذا أقلعتا في سبتمبر من العام نفسه من ميناء كونستانزا الروماني المطل على البحر الأسود. استبد الغضب ببعض المسئولين البريطانيين لان منظمات أمريكية خاصة - لا يكشف المؤلف النقاب عن هويتها بالضبط - تساعد المهاجرين اليهود المنطلقين بصورة غير مشروعة إلى فلسطين على التدفق من البلقان باستخدام سيارات تحمل علامات أمريكية وبمعرفة أشخاص يرتدون الزي العسكري الرسمي الأمريكي, واحتجت لندن, لكن واشنطن تجاهلت الأمر تماما, على الرغم من ان الحكومة البريطانية لعبت على حساسية واشنطن تجاه الشيوعية وقدمت للخارجية الأمريكية ما وصف بـ (أدلة مقنعة) على أن الحكومة الرومانية وبموافقة السلطات الروسية ترسل عشرة آلاف شيوعي مختارين بعناية إلى فلسطين على متن السفينتين (بورك) و(كريسنت) . في أول يناير 1948 أفلحت البحرية البريطانية في اقتياد السفينتين إلى قبرص حيث تم انزال خمس عشرة ألف مهاجر يههودي غير شرعي في خاماجوستا, في اطار ما يصفه ضابط بريطاني متقاعد بأنه أسوأ صفحة في تاريخ ما بعد الحرب بالنسبة للـ (ام. آي. 6) . ويبدو ان صاحب هذا الوصف كان يملك موهبة فذة هي التي مكنت من أن يرى هذا المشهد في فاماجوستا ويتجاهل الجرائم الوحشية التي ينفذها الصهاينة ضد عرب فلسطين تحت سمع وبصر سلطات الانتداب البريطاني هناك. ويشير المؤلف هنا إلى انه بقدر ما هو معروف حتى الآن فإن الـ (ام. آي. 6) لم ينفذ أي عمليات تخريب ضد السفن اليهودية غير تلك التي أشار إليها ويقول حرفيا: (يبدو ان هذه العمليات تم ايقافها بصورة مفاجئة عندما هددت الهاجاناة بالانتقام. وكان اعلان بيجن للانسحاب الرسمي من فلسطين في 14 مايو 1948 بيانا بأن البريطانيين لن يحاربوا حتى النهاىة) . ويشير المؤلف كذلك إلى ان هذا الاعلان قد نظر إليه على انه تراجع من الامبراطورية (بلا مجد) على حد تعبيره كما كان ايماءة لمناحم بيجن قائد تنظيم الارجون زفاي لئومي الارهابي بأن المخابرات البريطانية ليست (كلية الحضور ولا معصومة من السقوط) على حد تعبير المؤلف. وماذا بعد؟ على الرغم من ان القارئ العربي ينبغي أن يأخذ كل ما يطرحه المؤلف على أرضية معرفته المؤكدة والموثقة من جانب وثائق الخارجية البريطانية نفسها حول الضلوع البريطاني شديد العمق في تحويل اسرائيل من وهم إلى واقع يستنزف الأمة العربية بأسرها, فإن من المهم أن ترصد ما يقوله في صفحة 549 من الكتاب من انه بعد قيام اسرائيل بدا انه لا وجود لارتباط رسمي بين الموساد وجهاز الـ (ام. آي. 6) وانه أطيح بغطاء نايجل كليف من الـ (ام. آي. 6) ونائبه بمجرد فتح مكتبيهما في القدس, واضطرت بريطانيا إلى ترحيلهما, وبدلا منهما أرسل ديفيد بلفور, الذي قام بالتدريس في جامعة أثينا حتى الغزو الألماني لليونان وأمضى جانبا من الحرب كعميل للجهاز متنكر في هيئة الأب ديمتري القس الارثوذكسي اليوناني, لكي يعمل رئيسا لمحطة الـ (ام. آي. 6) في اسرائيل تحت غطاء منصب دبلوماسي هو السكرتير الشرفي للسفارة البريطانية في تل أبيب, حيث بقي تحت رقابة عدائية من الموساد إلى أن تم نقله إلى سميرنا في 1951. والأمر الذي يهمنا حقا هنا هو تأكيد المؤلف انه بعد أربع سنوات ومع بروز قيادة الزعيم العربي جمال عبدالناصر الذي رأى فيه الموساد خطرا على وجود اسرائيل وكرهه بالدرجة نفسها رئيس الوزراء البريطاني انطوني ايدن تمكن الـ (ام. آي. 6) من تحقيق اتصال فعال مع الموساد... سيقدر له أن يستمر طويلا ويزداد عمقا بأكثر مما يخطر على بال الكثيرين. تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين