عندما كنا طلابا ندرس الصحافة بالجامعة كانوا يقولون لنا انه (اذا عض الكلب رجلا فليس ذلك بخبر, ولكن اذا عض الرجل كلبا فهذا هو الخبر) اي ان الخبر هو الشاذ وغير العادي وغير المألوف. وربما كانت الصحافة الامريكية والبريطانية هي اول من اطلق هذه القاعدة الفجة, والتي انتقلت الى بعض صحفنا العربية فحققت رواجا, واثارت سؤالا: ماذا يريد القارىء العربي؟.. وهل يحتاج فعلا الى صحافة مثيرة وماجنة.. صحافة تحكي قصة رجل يعض الكلب, او يقص ذيله؟ في تجربة الصحافة الخليجية وقد تابعتها عن كثب, لا اظن ان قاعدة (الكلب والرجل) كانت سارية المفعول. لقد نشأت هذه الصحافة, وتطورت كأسرع ما يكون التطور دون البحث عن الشاذ والمثير.. ولكن كانت لها أدوات أخرى, بل سياق مختلف.. يبدأ من السياسة وينتهي في الصحافة. يبدأ من حركة رأس المال.. وينتهي في سوق التكنولوجيا التي شهدت انقلابا كاملا في مجال الطباعة والصحافة والمعلومات خلال الثلاثين عاما الماضية, وهي نفس الاعوام التي ازدهرت فيها صحافة الخليج. * * أقول: ان البداية سياسية, والسؤال الذي يطرحه الحديث عن الصحافة الخليجية: اين كان موقعها من المجتمع؟.. وما هو نوع التأثير المتبادل بين الوعاء الاكبر (الدولة والمجتمع).. وبين الوعاء الاصغر (الصحافة والاعلام)؟ في هذا السياق ايضا يأتي السؤال: هل كانت الصحافة ـ بشكل او بآخر ـ أداة رئيسية لتطور المجتمع واكتمال الدولة.. هل كانت قاطرة تجذب المجتمع للامام.. ام كانت للتسلية والترفيه والامتاع؟ وهي وظائف غير بعيدة عن المهمة الصحفية ايضا, بل انها وظائف مشروعة كذلك. نلاحظ هنا: 1) إن ظهور الصحافة الخليجية بشكلها الحديث لم يرتبط دائما بظهور الدولة الخليجية الحديثة والمستقلة قبل الاستقلال وعلى سبيل المثال ـ ظهرت مجلة (العربي) في الكويت قبل ان تصبح الكويت دولة مستقلة, وكانت بمثابة طلقة رصاص تؤكد عروبة المنطقة وانتمائها للكيان الاكبر.. جاء اسم المجلة تعبيرا عن ذلك (العربي) وجاء غلاف العدد الاول وصفحاتها الاولى لتنقل ما هو في الواقع العربي: صناعة التمور في العراق, وصناعة الثورة في الجزائر, وقضية القات في اليمن, والليل في القاهرة, وحضارة البحرين.. وجوائز العدد بالجنيه المصري! ولا اظن ان هذه اللمسة العربية العميقة قد غابت في اي صحيفة خليجية بعد ذلك فالصحف الخليجية تعلن كل يوم ان الجزء لا يمكن ان ينفصل عن الكل وان قضية الهوية واضحة, بل ان عروبة الصحافة في الخليج وعلى ما اظن ـ اكثر بروزا من الصحافة في بلدان عربية يزداد فيها عدد السكان وعدد القراء وتغلب فيها الهموم المحلية. في صحافة الخليج: يبرز التوجه العربي والدولي ولا يطغى الطابع المحلي ليكون وحده هو البطل فوق مسرح الجريدة. ربما كان ذلك نوعا من التمسك بالهوية.. وربما كان ايضا استجابة للواقع الذي جعل للجاليات العربية مكانا ملحوظا في التركيبة السكانية. اعود فأقول ان الصحافة قد بدأت قبل الاستقلال, لكنها ازدهرت وباتت ـ كالعلم والنشيد ومحطة الاذاعة والعملة من علامات الدولة المستقلة الراغبة في النهوض, ولا يمكن للعين ان تخطىء ذلك التزامن بين تطور الدولة نحو الحداثة, وتطور الصحافة في نفس الوقت. 2) ثم جاءت ثورة النفط في السبعينيات بما أعطته من احساس باستقلال القرار وامتلاك القوة, وبما اعطته من امكانات مالية خلقت اقتصاد وصحافة الوفرة. كانت القاعدة الاقتصادية متاحة.. سواء في شكل اموال تتجه لانشاء الصحف.. او في شكل نشاط اقتصادي وتجاري وسوق للاعلان يضمن للصحف حياة واستمرارا. وفي ظل هذا الظرف المتميز تسابقت الصحف وتنافست على (الكم) فزاد عدد الصفحات, وانتشرت الملاحق, وسرقت الصحيفة اليومية مكان المجلة الاسبوعية وبات القارىء امام ما يسميه علماء الطب والصيدلة (Over - dose) أي انه قد اصبح متخما.. تساعده قدرته على ان يشتري ثلاث او اربع صحف كل يوم لكن قدرته على القراءة في النهاية محدودة بالوقت والاهتمام. وهنا ثار سؤال جديد: هل تعطي صحافة الخليج اكثر مما ينبغي ... اكثر من حاجة القارىء؟ واظن ان الاجابة نعم.. لكن السبب واضح وهو شدة التنافس ومحاولة اجتذاب القارىء, وهو ما جعلني اقترح ـ حين كنت مديرا لتحرير جريدة الوطن الكويتية ـ ان يتم اتفاق ودي بين الصحف على تخفيض مشترك ومتزامن للصفحات. ولم يلق الاقتراح حينذاك قبولا, ربما لصعوبة تنفيذه وربما لأن بعض الصحف تحتاج مساحات كبيرة للاعلان, وهو المورد الرئيسي للصحيفة. 3) ومع هذين المحددين: انفتاح الصحف عربيا ودوليا, وامتلاكها قدرة مالية نسبية بالقياس لصحف الاقطار العربية الاخرى.. مع هذين المحددين جاء محدد ثالث هو ان صعود الصحف الخليجية جاء متزامنا مع التقدم الهائل في فنون الطباعة والمعلومات.. وهو ما انعكس على هذه الصحف التي سرعان ما امتلكت (الاحدث والاكثر تقدما) بصرف النظر عن الاستفادة القصوى من الطاقات المتاحة. باتت الطباعة هي الافضل بالقياس لدول عربية اخرى كثيرة وباتت المطبوعة اكثر اغراء وربما اكثر ثراء. ** اعود للسؤال وقد استغرقني الجانب المهني: هل كانت الصحافة قاطرة للتقدم؟ وابادر بالقول: نعم.. كانت كذلك. إننا نطلق كلمة مجتمع على جماعة تتواصل, وتتحد في العادات والتقاليد. جماعة تربطها قيم وافكار.. و.. ليس افضل من الاعلام اداة للاتصال الجماهيري الذي يخلق الذوق العام والعرف العام اداة لتوثيق عرى مجتمع من المجتمعات وهو ما حدث بالفعل في الخليج. ايضا, وحين نتحدث عن بناء المجتمع وبناء الدولة ونقول ان الديمقراطية سمة اساسية للدولة الحديثة. حين نقول ذلك فإننا لابد ان نعترف ان الصحافة قد سبقت بالالحاح على حرية الرأي بقية المسارات الاخرى مثل البرلمانات ومجالس الشورى. قد نأخذ على صحافة الخليج انها عكست التميزات السكانية وقضية الجاليات بأكثر من اللازم.. لكننا لا يمكن ان ننكر ان صحفا كثيرة قد خاضت معركة الحرية.. حرية الرأي, وحرية المعلومات وحرية اصدار الصحيفة ذاتها. وكان لذلك كله اثره على تقاليد اصبحت راسخة, ولا يمكن التراجع عنها حتى ان العرف في قضية حرية الصحافة يسبق الآن القوانين التي تتيح وضع القيود لكن السلطات تتردد في استخدام هذه القيود. ان الصحافة هي اداة التخاطب مع الرأي العام واداة التأثير فيه والتعبير عنه بل ان آثارها قد امتدت لخارج الخليج, للدائرة العربية الاوسع. وقد استطاعت الصحافة الخليجية الى حد كبير ان تلعب هذا الدور بل انها كانت البديل لصحف بيروت حين انتكست بسبب الحرب الاهلية. ** اقول: ان صحافة الخليج قد جاءت في معظم البلدان تعبيرا عن روح العصر فأشاعت الاهتمام بالتطورات العلمية وربطت القارىء بما يحدث في العالم من تقدم. ولكن.. هل كانت الصحافة ـ على هذا النحو ـ صفحة بيضاء, وبراء من أي سوء؟ كشأن كل الصحافة العربية لابد ان نعترف ان الخطوط الحمراء قد تواجدت هنا ايضا.. وقد زادت قسوة هذه الخطوط او قلت طبقا لطبيعة كل مجتمع.. حتى إن بعض البلدان قد باتت تملك صحافتين: صحافة متطورة ومستنيرة تصدر في هذه العاصمة الغربية الاجنبية او تلك.. وصحافة محافظة ومتخلفة في داخل الوطن!.. أي اننا نعطي الوجه المضيء للخارج, والوجه المعتم للداخل؟! يفاجأ القارىء بهذا التناقض.. وتفاجئه صدمة الاقمار والاطباق التي تجعل الاسوار التي تضعها بعض المجتمعات على صحفها اسوارا وهمية. صحيح ان الكلمة المطبوعة رهن بالزمان والمكان لأنها صحافة مادية تخرج على الورق.. ولكن ماذا عن صحافة اخرى يحملها الاثير وتنقلها شاشات لا تتحكم فيها الحكومات؟ أظن ان هذه القضية قد تجعل البعض يفكر مرتين, فيلغى خطوطه الحمراء والصفراء. ** خلاصة القول: نحن امام شىء ايجابي.. ولنتصور الخليج محذوفا منه هذه المئات من الصحف والمجلات. قد تكون لنا ملاحظة هنا او ملاحظة هناك.. قد نتحفظ على ما بعض ما يجرى.. قد نتحمس او يفتر حماسنا لما يجري على الساحة الصحفية والتي لا تنفصل عن الساحتين: السياسية والثقافية.. قد ... وقد.. وقد.. لكن مجتمعا بلا صحافة هو نوع من الصحراء الجرداء. وقد استطاع الخليج ان يخرج من عصر الصحراء, الى عصر المدينة دون المرور على حقبة (الكلب والرجل).. حقبة الصحافة المثيرة والخادعة. بقلم: محمود المراغي