الصحافة الخليجية أو الاعلام بشكل عام في منطقة الخليج يمر بمرحلة تطور هامة على الصعيد التقني وعلى صعيد الخطاب الاعلامي الموجه للرأي العام. والصحافة في المنطقة عبرت على مدى العقود الثلاثة الأخيرة عن التطور التنموي الذي عاشته دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست. وفي حقيقة الأمر فإن الصحافة الخليجية قد ساهمت بلاشك في ايصال عملية التنمية ودورانها ليس فقط لشعوبها ولكن تخطتها الى دائرة أوسع على الصعيدين العربي والدولي حيث لعبت التقنية والوفرة المالية دورا هاما في خلق صحافة متطورة من الصعيد الفني والشكلي, اما على صعيد المضمون او الرسالة الصحفية للرأي العام فهذا أمر آخر لم يتحقق فيه الكثير وهذا يعود بالدرجة الاولى الى مسائل رقابية والى بقاء الحريات في ادنى مستوياتها مع بطء العملية الديمقراطية حتى في اطار شكلها الخليجي ـ إن صح التعبير ـ رغم ان هناك تطورا لا بأس به في هذا الاطار من خلال مجالس الشورى والمجالس النيابية الاخرى ومن خلال اصوات جمعيات الكتاب والصحفيين والمثقفين في المنطقة. والصحافة في المنطقة امامها مشوار طويل للوصول الى القارىء في المنطقة بشكل ايجابي, خاصة على صعيد ابراز ومناقشة القضايا الحياتية وقضايا المجتمع المدني بشكل مريح ونقد مباشر للسلطات بشكل واقعي هدفه الاصلاح وتبيان مكامن الخلل وهذا دور اي صحافة في العالم. ولا شك ان التطور التقني والتكنولوجي الذي تشهده الصحافة في المنطقة قد حقق طفرات كبيرة حيث أصبحت المعلومة متوفرة, علاوة على الاشكال الجذابة لصفحات الصحف وزيادة الصفحات والمسابقات وما الى ذلك من خلال طغيان الألوان وجذب القارىء اعلانيا. ومع هذا التطور التقني والفني ومعالجة المعلومات والصور بواسطة الحاسوب فإن جانبا من طرف المعادلة يكون قد تحقق وهو مسايرة العالم تقنيا. وهنا يبقى سؤال مهم وهو مسألة المضمون أو الرسالة الصحيفة التي تستهدف المواطن الخليجي ومسألة التوطين على صعيد هذه المهنة الشاقة. آفاق الحاضر ... وتطلعات المستقبل في ضوء التطور الهائل في وسائل الاعلام وخاصة الصحافة المقروءة فإن الصحافة في المنطقة أصبحت أمام مفترق طرق وهذه حقيقة, حيث اصبح القارىء أمام كم هائل من المطبوعات الوافدة سواء على الصعيد العربي أو الاقليمي والدولي, كما ان شبكة المعلومات الدولية المعروفة باسم (الانترنت) ساهمت في جذب الكثيرين وهذا يعطي تساؤلا مهما حول مستقبل الصحيفة المطبوعة في مقابل الصحيفة الالكترونية. وبصرف النظر عن هذه المقارنة فإنني ارى بأن الصحيفة في شكلها الحالي يمكن ان تواصل بريقها ولكن في اطار من التجديد والتغيير ليس في الجانب التقني والفني, ولكن في جانب المضمون ومخاطبة العقول بشكل موضوعي وجاد بحيث يجد المواطن ان قضاياه وهمومه الحياتية تبرز بشكل حر ومفصل بحيث يصبح التفاعل كبيرا بين القارىء وصحيفته كما هو موجود في دول الغرب بصرف النظر عن هامش الحرية الموجودة هنا أو هناك. ان آفاق الصحافة الخليجية حاليا لي هو بالطموح الذي يتعرض اليه كل مواطن خليجي ولا يعبر عن واقع الأمر عن تطور المجتمعات فكرا وتنمية. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة اصبح هناك جيل على قدر كبير من الثقافة والاختلاط بفكر الآخرين من خلال الاحتكاك المباشر اثناء الدراسة ومشاهدة نمط المجتمعات المتقدمة على صعيد الطرح الحقيقي للقضايا والتصدي بكل حزم لكل السلبيات المعوقة لمسيرة ونهضة المجتمعات. والمواطن الخليجي بعد كل هذه السنوات وهذه التنمية الكبيرة التي تحققت علاوة على التعقيدات التي تواجهها المجتمعات بسبب تناسيها وتشعب قضاياها يتطلع الى صحافة جادة ويطمح الى صحافة يستطيع من خلالها ان يتفاعل مع قضاياه. ولعل الصحافة الخليجية بحاجة ماسة الى استراتيجية متكاملة سواء على صعيد الرسالة والمضمون أو على صعيد تأهيل الكوادر البشرية حيث يتضح من خلال الاحصائيات ان هناك عزوفا كبيرا من ابناء دول المنطقة للعمل في الصحافة والاعلام بشكل عام عدا بعض الدول التي قطعت شوطا كبيرا في مجال توطين الكوادر الاعلامية ولعل نموذج سلطنة عمان واضح في هذا الاطار ومع التقدم التقني والعولمة فإن الصحفي والاعلامي اصبح انسانا مختلفا عن الصحفي التقليدي حيث اصبحت التقنية من خلال الحاسوب والانترنت هي المحرك الاول لتوفير المعلومات بالاضافة الى اللغات وخاصة اللغة الانجليزية خاصة اذا ادركنا ان معظم المعلومات المتواجدة في الانترنت هي باللغة الانجليزية. إن الصحافة الخليجية بحاجة الى اعادة نظر في تركيبتها الحالية وبحاجة الى رسم سياسات جديدة, وبحاجة الى تأهيل كوادر وطنية تتماشى وهذه الثورة المعلوماتية, كادر يستطيع ان يتفاعل مع عصره ومع مفردات العالم والقرن الجديد. إن المؤسسات الصحفية والتيتقع عليها عبء المسئولية في تطوير الصحافة فإن هناك العديد من السلبيات التي لابد وان تحاول التغلب عليها لعل في مقدمتها البيروقراطية والمركزية في اتخاذ القرار وعدم الشفافية وعدم وجود نظام اداري وتحريري يسمو بالعمل ويعطي زخما للكادر الصحفي الذي هو اساس تلك المؤسسات ونجاحها. قضية اخرى ذات ارتباط بنجاح المؤسسات الصحفية وهي مسألة الحوافز والاجور, حيث ان العمل الصحفي يعد من الاعمال التي لا ترتبط بوقت محدد ولا بساعات معينة, فالصحفي في عمل وتفكير دائم من الخبر والمعلومة والتحليل, وفي حين ان العاملين في اجهزة اخرى لديهم الكثير من الوقت للاستمتاع الا ان الصحفي ليس لديه وقت ما اذا كان بالفعل صحفيا يدرك مغزى المهنة خاصة وان هناك تقاليد صحفية محفزة كالسبق الصحفي وما الى ذلك من اعمال الصحافة اليومية التي تتطلب حضورا ذهنيا من الصحفي. ولعل الحافز المادي يعد من العوامل الهامة في الابداع وزيادة الانتاج خاصة وان الصحفي في المنطقة لديه محاذير ورقابة تحد من ابداعاته, كما انه مطالب بالالتزام بالخطوط العامة للسياسة الاعلامية وهذا عبء نفسي آخر يضاف الى هموم الصحفي الخليجي. وأخيرا فإن مستقبل الصحافة الخليجية وتطورها يبقى مرهونا بقرارات سياسية في المقام الأول سواء على صعيد وزراء الاعلام أو على صعيد قادة دول المنطقة حيث ان العالم وتطوره وسرعة انتقال المعلومة سوف يجعل الصحافة في المنطقة في مجال تحد وهذا بدوره يفرض على المؤسسات الصحفية والقائمين عليها رسم خطط عريضة للنهوض بوضعهم ليس فقط على صعيد الشكل ولكن اساسا على صعيد مضمون الرسالة الصحفية التي تستهدف الرأي العام, كما ان الصحافة الخليجية اصبحت في كثير من الاحيان متشابهة في الطرح وهذا يقلل التنافس بينها, علاوة على ان المواطن في الخليج اصبح امام خيارات عديدة ومن هنا فإن التطوير والتغيير في مجال السياسة الصحفية والاعلامية اصبح امرا ملحا للتواصل مع العالم المحيط بنا, فالعالم اصبح قرية كبيرة ولابد من اتخاذ قرارات حاسمة تتماشى وتطورات المجتمعات والافراد على حد سواء. بقلم: عوض بن سعيد باقدير