يستعيد الكثير من المراقبين وقائع حرب الشيشان الاولى كدليل على مدى عمق تدهور الجيش الروسي, ووجهة النظر السائدة في هذا الصدد هي ان الوحدات العسكرية الروسية بدت خلال ادائها سيئة التدريب والتنظيم واطلقت في ميدان المعركة تحت قيادة جنرالات لا يتسمون بالكفاءة، ولا يتحلون بروح المسئولية على نحو يليق بمؤسسة عسكرية كبرى وسترتبط تلك الحرب دائما بصور الدبابات وعربات الجند المحترقة بمن فيها من الجنود الروس في شوارع جروزني صباح اول يوم من عام 1995. وبعد تكبده الخسائر والتكاليف الفادحة ومقتل الآلاف من المدنيين تمكن الجيش الروسي من احتلال جروزني والمدن الكبرى في الشيشان ليعود ويخسرها واحدة اثر الاخرى حينما شن المقاتلون الشيشانيون هجماتهم المضادة القوية في اغسطس 1996, وحينما رفض الشارع الروسي مواصلة التأييد للحملة الفاشلة اضطرت الحكومة الروسية للتفاوض على السلام الامر الذي اعطى الشيشان استقلالا غير واضح الملامح. ومنذ اغسطس الماضي بدأت حرب جديدة في الشيشان ومرة اخرى استولى الجيش الروسي على جروزني ومعظم الاراضى الشيشانية, وبالتأكيد حققت الحرب الثانية مكاسب سياسية ليلتسين وخلفه فلاديمير بوتين, الذي خرج من قلب سحب الغموض ليصبح الرجل المفضل للناخب الروسي, كما اصبح التأييد الشعبي للقوات المسلحة اعلى من اي وقت مضى خلال العقد الماضي. ولكن هناك اسئلة تظل تفرض نفسها بقوة, فإلى اي مدى يعد النصر العسكري الروسي في الشيشان نصرا حقيقيا؟ لم قاتل الجيش الروسي بشكل افضل من قتاله في حرب الشيشان الاولى؟ هل ستنجح روسيا وفي نهاية المطاف في تهدئة الاوضاع في شمال القوقاز؟ الوقت هو وحده الكفيل بالاجابة عن مثل هذه التساؤلات ولكن تحليلا للحملة الروسية الراهنة يمكن ان يوفر بعض المؤشرات عن نقاط القوة في الموقف الروسي وعن مكامن الضعف ايضا. وعلى الرغم من ان الحرب الحالية بدأت بعد اختراقات للمقاتلين الشيشانيين لحدود داغستان وسلسلة من التفجيرات في المدن الروسية, اتهمت موسكو الشيشانيين بتدبيرها إلا انه من الواضح ان الاستعدادات الروسية لعمليات عسكرية جديدة في الشيشان كانت قد بدأت منذ انتهاء الحرب الاولى, والقيادة العسكرية الروسية العليا لم تعترف ابدا بهزيمتها في حرب 1994 ـ 1996 مدعية بأنها تلقت طعنة في الظهر على يد السياسيين الروس. لكن هذه القيادة اعترفت على كل حال بعدد من نقاط الضعف وبدأت منذ عام 1997 بتطبيق بعض الاصلاحات, وكانت لدى القادة السياسيين والعسكريين اهداف مختلفة يرمون الى تحقيقها من وراء تنفيذ هذا البرنامج. كان السياسيون يريدون تخفيف العبء العسكري على الاقتصاد الروسي, اما الماريشال ايجور سيرجييف وزير الدفاع فقد حاول رفع تمويل وجاهزية السلاح الذي خرج منه ويترأسه, ألا وهو قوات الصواريخ الاستراتيجية على حساب القوات الاخرى. وفي المقابل تشير الاحداث منذ اواسط العام الماضي الى ان الجنرال اناتولي كفاشنين وبعض الضباط حوله كانوا يركزون على هدف رئيسي هو تطوير مقدرة القوات الروسية المسلحة على خوض حرب محلية, وفي الحقيقة فإن هدفهم الحقيقي كان خوض هذه الحرب المحلية بذاتها ومسح عار الهزيمة ولاعادة ترسيخ وضع روسيا كقوة عسكرية يعترف العالم بها. وليس من السهولة بمكان محاولة تلخيص اسباب الاخفاق العسكري الروسي في حرب الشيشان الاولى, فالهزيمة كانت متجذرة عميقا في كامل هيكلة ومعنويات القوات المسلحة لكن الاركان العامة الروسية ركزت على خمسة مجالات في عملية التطوير وهي: ـ القيادة والسيطرة: اعترف جنرالات الجيش بأن مشكلات التنسيق مع قوات الوزارات الاخرى مثل القوات العسكرية التابعة لوزارة الداخلية اضافة الى تبعية الجيش لهذه القوات في الحرب كانت نقاط ضعف قاتلة. ـ نظام التجنيد والحشد لم تكن الوحدات العسكرية التي خصصت لحملة الشيشان إلا اكثر بقليل من مجرد مجموعات عادية من الشباب وكان يجب رفع كفاءتها وقوتها عبر التفاعل مع التشكيلات المقاتلة الاخرى التي تمرست بالقتال, ولهذا فقد خاض الجيش الروسي الحرب كمجموعة من الكتائب بجانب بعضها من دون اي فرصة للافراد للتدريب معا قبل ان يروا انفسهم داخل المعمعة. ـ التدريب العام: لم يكن جنود المشاة الروس مدربين على خوض معارك المدن او الجبال وأدت تكتيكاتهم الساذجة لتزايد الخسائر في صفوفهم. ـ التجهيزات: بدرت الكثير من الشكاوى بشأن نوعية التجهيزات الروسية والحاجة لاحدث الاسلحة المتوفرة في روسيا وعلى الرغم من وجود بعض نقاط الخلل الخطرة مثل اجهزة اللاسلكي القديمة, فإن من بين المشكلات المهمة الحقيقية ايضا استخدام هذه التجهيزات. ـ حرب المعلومات: كل نقاط الضعف تلك اصبحت عارية ومكشوفة امام الشارع الروسي والاعلام العالمي واخذ يتساءل الجنرالات الروس لماذا لم تعد صحافة وتلفزيونات بلادهم تقف الى جانبهم كما فعل الاعلام السوفييتي خلال الحرب في افغانستان, وقد اعترف هؤلاء عموما بأن الجيش الروسي خسر حرب المعلومات التي كسبها المقاتلون الشيشانيون. ويبدو هذا التحليل كونه جوهر العديد من الاصلاحات التي بدأها الجيش الروسي عام 1997, وفي هذه المجالات بالذات ظهر التحسن في اداء القوات الروسية وكان التحسن الابرز في ميدان القيادة والتحكم لأنه يخضع للسيطرة المباشرة من هيئة الاركان العامة اكثر من غيره. ومن الواضح ان الجنرالات الروس لم تكن لديهم الثقة في مقدرة جنودهم على الوقوف ندا لند في وجه المقاتلين الشيشان في القتال المتلاحم وهناك امثلة كثيرة على هزيمة الوحدات الروسية خلال خوضها معارك عن قرب معهم. وقد وضعت القيادة الروسية هذه الناحية ضمن خططها وخططت منذ البداية لتجنب اي التحام مع المقاتلين. ولهذا السبب وظف الجيش الروسي قوة نيران هائلة بكل ما لديه من مقدرة, واتبع القادة الروس اسلوب تطويق القرى ثم امطارها بقذائف المدفعية والقصف الجوي حتى يتأكدوا من ان الوضع اصبح آمنا لدخول قواتهم اليها, وحين احتمال مواجهة اي التحام مباشر مع المقاتلين الشيشان, كانوا يوقفون تقدمهم الى حين الانتهاء من جولة قصف مدفعي وجوي جديدة. وتقدر المصادر الاستخباراتية الغربية بأن 80% من عمليات القصف نفذت عبر الطائرات النفاثة والمروحية فيما 25 الى 48% منها باستخدام المدفعية. وعلى الرغم من شكاوى الجيش الروسي من عدم كفاية الاسلحة في الحرب الاولى فإن حرب الشيشان الثانية لم تشهد استخدام الروس لاسلحة جديدة بكميات ذات اهمية وهذا امر متوقع بالنظر للمشكلات المالية والقيود التي تضعها الحكومة الروسية على المشتريات العسكرية. على كل حال فإن الحرب الحالية ميدان لاختبار بعض الاسلحة الجديدة, حيث استخدم الروس مروحيات (كي ايه 50) و(ام آي 24 إن) الهجومية الجديدة مع ان المروحيات القديمة حملت العبء الاكبر من المعركة, كما استخدمت في الشيشان عربة الجند المدرعة بي. ام. بي 3 لاول مرة وقد طلب الجيش مزيدا من هذه العربات. ويبدو ايضا ان التجارب التي اجراها الجيش على نظام طائرة الاستطلاع بدون طيار ستروي بي تكللت بالنجاح حيث طلبت وزارة الدفاع شراء النظام. واظهرت التقارير المصورة سلاح تي أو. اس في معركة حقيقية لاول مرة, وهر راجمة صواريخ تحمل قذائف الوقود مركبة على شاسيه دبابة تي 72, ويعتبر نموذجا مطورا قاذفة اللهب المضادة للمشاة آر بي. أو ايه التي استخدمت في حرب الشيشان ايضا, واشارت الصحافة الى ان نظام تي او اس 2 كان يحمل رؤوسا حربية ذات قنابل فراغية. ومع ان الجيش الروسي رفض هذه الادعاءات, إلا ان القنابل الفراغية ذات التأثير الكبير على الأهداف الحية داخل التحصينات تناسب جدا التكتيكات التي اتبعها الروس. وشأن كل الحملات الروسية فإن النجاح على المدى الطويل هو المشكلة, وإذا ما بدأت القوات الروسية تتكبد خسائر بشرية مماثلة لما حدث خلال حرب الشيشان الأولى وهو ما أخذت بوادره تظهر حاليا, فإن الاعلام الروسي سيشعر بأنه خدع من القيادة العسكرية ولن يتستر على ما يجري. وعلى الرغم من كل صيحات النصر التي يطلقها القادة في موسكو فإن حرب الشيشان الثانية أبعد ما تكون عن نهايتها وربما تكون قد دخلت مرحلتها الأصعب بالنسبة لروسيا, والاحتفاظ بالأرض التي احتلتها سيكون أصعب على القوات الروسية من عملية احتلالها, وكان الروس قد فقدوا السيطرة على الشيشان عام 1996 لأنهم قبعوا في ثكناتهم المحصنة بشكل سمح للمقاومة الشيشانية بحرية الحركة في كل الشيشان إلى حين تنظيم انفسهم وامتلاك الجاهزية للهجوم. أما فيما يتعلق بالحكم على نجاح الحملة الروسية الحالية في الشيشان, فصعوبة ذلك تكمن في عدم معرفتنا للأهداف الروسية الحقيقية بعد, وكل ماقالته القيادة الروسية هو انها تريد اعادة النظام للشيشان, لكن أي نظام؟ هل سيبقى الشيشان جمهورية داخل الاتحاد الروسي؟ وان كان كذلك فهل هناك قيادة شيشانية مقبولة من موسكو والشعب الشيشاني على السواء تستطيع ابقاء الشيشان كذلك؟ وإلى أي مدى يستطيع الروس الاعتماد على الحكم العسكري المباشر في الشيشان؟ وهل ستعمد موسكو لتقسيم الشيشان وفرض دمجها مع الاقاليم الروسية المحيطة بها؟ ومن المؤكد ان نشر هذا العدد من القوات (57 ألف جندي) في الشيشان سيصبح استنزافا متزايدا للقوات المسلحة الروسية, ودفع تكاليف الحرب سيكون على حساب مستوى التدريب والتسليح لكامل القوات الروسية, لكن جنرالات موسكو يقولون إن الجيش الروسي سيولد من جديد في جنوب روسيا أي شمال القوقاز, وسيبقى التاريخ الحكم النهائي فيما إذا كان ذلك سيكون ولادة جديدة أم اجهاضا حقيقيا.