مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت الحالية او (الخيصة) كما كانت تسمى سابقا, وتعني المكان الآمن لحماية القوارب والسفن الشراعية من الرياح والعواصف, تعد من المدن حديثة التكوين مقارنة بالمدن الحضرمية القديمة مثل (شبام) و (الشحر) ، وجاءت شهرة المدينة الواسعة بفضل مرفئها ـ ميناء المكلا ـ واثناء عهد النقيب صلاح الكسادي اليافعي الذي اسس اول امارة يافعية بالمكلا عام 1115 هـ الذي يعتبر عام انطلاق مدينة المكلا الى النجومية في سماء المدن اليمنية الرئيسية والهامة .. والتساؤل هنا كيف جاءت هذه الانطلاقة وماهي الاحداث الهامة في التاريخ القريب للمدينة؟ مدينة آمنة الاجابة ـ كما يرويها بعض الباحثين الحضارمة نسبة لحضرموت ـ ان النقيب صلاح الكسادي فور وصوله الى المكلا (حاليا) (الخيصة) سابقا مطلع القرن الثاني عشر الهجري قادما من يافع احدى المشيخات اليمنية المعروفة ـ وتأسيسه اول امارة يافعية هناك دعا اهالي المناطق المجاورة, وتحديدا منطقة دوعن القريبة للاستيطان في (الخيصة) التي كانت عبارة عن عشش صغيرة للصيادين, مقدما لهم كافة اشكال المغريات الحياتية المعروفة حينها. وعقب دعوة الكسادي مباشرة تدفقت مجاميع كبيرة للاستيطان في الخيصة التي اخذ سوقها ينهض تدريجيا وينشط مع ازدياد التجار القادمين من دول الخيلج العربي عاما بعد عام, ويتطور ميناؤها بفعل تزايد حركة القوارب والسفن التجارية الشراعية الواصلة للميناء والمغادرة, وقد عرف عن ميناء المكلا في فترة الخمسينيات القرن المنصرم (الـ 20م) منافسته الشديدة الملاحية والتجارية لميناء عدن الذي كان خاضعا حينها لسلطة الاستعمار البريطاني بعدن. ومن العوامل الاخرى الرئيسية المساهمة في تبوؤ (الخيصة) المكلا حاليا مكانة طيبة على خارطة المدن اليمنية, والدافعة في تطور المكلا تميزها بالبعد عن مناطق الصراعات التي احتدمت بين القبائل والامارات والمشيخات في سيئون ودوعن وتريم ودمون .. فقد اوضح الباحث حسين الجيلاني رئيس منتدى (الخيصة) الثقافي ان كافة مناطق حضرموت الداخل (المعروفة بالوادي والصحراء) كانت ملتهبة بالصراعات والحروب القبلية والمشيخية, فوجد الناس من المكلا الامن والامان, ناهيك عما اشتهر به النقيب صلاح الكسادي من نزاهة وعدل وحرصه ان يكون عهده عهدا ميمونا لكافة السكان. ويقول الباحث الجيلاني عن النقيب الكسادي انه قدم كتاجر الى المكلا من منطقة (الحامي) بالشحر برفقة اخوانه وابناء عمومه, حيث كان يتاجر بالسمك والمجفف منه والشقيف وغيره وقد احبه الناس كثيرا لعدله واخلاصه في تقدم وبناء مدينتهم, كما حاول التقرب من قبيلة العكابرة المشهود لها بالقتال والانتصار على خصومها حتى تزوح من العكابرة فآزروه في تأسيس دولة يافعية كبرى بساحل حضرموت. ... وبقيت المكلا وبغرض تأسيس دولة يافعية بحضرموت ارتبط الكسادي بعلاقة حميمة بالشيخ عمر بن عوض القعطبي من منطقة دوعن وابرم معه اتفاقية تنص على دحر كل المشيخات والسلاطين غير اليافعيين الذين كانوا يحكمون مناطق الساحل بهدف تأسيس الدولة اليافعية عليها وكما تنص على اقتسام تكاليف الحملة العسكرية بالنصف بين الكسادي والقعطبي ونتيجة لظروف الكسادي المالية اقرضه القعطبي الذي كان حينها يعيش في مدينة حيدر اباد الباكستانية المال اللازم لتنفيذ الحملة. وبالفعل استطاعت حملة الكسادي والقعطبي العسكرية دحر الكثير من الشحر الساحلية و(العولقي) من الصداع وغيل باوزير حتى وصلت الى مدينة سيئون .. لكن لم تدم الحملة طويلا, حيث انهزمت من (العولقي) الذي عاد واسس نواة لدولته الجديدة بسيئون ودحر الكسادي والقعطبي منها .. وبعد فشل الحملة واقامة الدولة اليافعية الكبرى بدأ القعطبي يطالب بامواله ويشكل ضغطا على الكسادي للموافقة على اقتسام المكلا وعائداتها بالنصف. وعقب وفاة النقيب صلاح لجأ القعطبي لبريطانيا للتدخل في الضغط على ابناء المتوفى ـ الكسادي لتنفيذ احد الشروط التالية: بيع المكلا بـ 370 الف ريال فرنسي (عملة ذهبية متداولة باليمن الى قبل ثلاثة عقود ماضية) , تسديد الديون للقعطبي, استلام نصف المكلا .. وازاء رفض آل الكسادي لهذه الشروط سمح لهم مغادرة المكلا بـ 11 سفينة متوجهين الى مدينة زنجبار الافريقية وبذلك انتهت دولة الكسادي اليافعية وبقيت المكلا لتكون عاصمة حضرموت.