كان قرار احتمال مجلة (لايف) الامريكية عن الصدور مفاجئا لكنه لم يكن غير متوقع تماما. فالمجلة التي رافقت عمليات اقتحام شاطئ نورماندي قرب نهاية الحرب العالمية الثانية, وتغلبت على كل خصومها في نقل مقتطفات من رائعة همنجواي (العجوز والبحر)، والصور الحصرية لاغتيال جون كينيدي كانت معرضة للخطر منذ بعض الوقت. وتعتبر (لايف) العنوان الاكثر جذبا للقراء في العالم في كل العصور, حيث وصل عدد قرائها في اوج مجدها الى 8.5ملايين قارئ. ومؤخرا اقدمت الشركة التي تحمل اسم واحدة من منافساتها العصرية وهي (تايم انك) على ايقاف نبض الحياة في المجلة, وحكمت عليها بالالقاء في سلة نفايات التاريخ الذي نقلت اخباره بنشاط كبير. وهكذا, فإن (لايف) ستظهر فقط للاحتفال (بمناسبات خاصة) . وقد اقر مدير التحرير في الشركة هنري مولر بأن المجلة كانت مربحة بشكل بسيط (ولكنها كانت) تتمتع بآفاق نمو ضعيفة للسنوات المقبلة) . ويسود الانقسام اوساط صناعة الصحافة في ردود افعالها. فماري الين مارك, وهي واحدة من اعظم المصورين الصحافيين في مجلة (لايف) , تعيش حالة من الحداد. وتقول ماري: (لقد صورت عائلة مشردة في عام 1987 ثم صورت ذلك ثانية عام 1994, وتلك الصور تعني بالفعل شيئا لي واعتقد انها ستدوم) . اما ماثيو فيلينج من (نيوزواتش. اورج) وهي مؤسسة اعلامية وثائقية على الشبكة, فيبدي انزعاجا اقل. وهو يصف (لايف) بأنها (مجرد الفيلم الصامت لجيلنا. فقد استهدفوا جمهورا استبعد نفسه من السوق) . لقد سبق ان تم ايقاف مجلة (لايف) من قبل. فبفعل الهجمة التي تعرضت لها ببروز التلفزيون وارتفاع اجور نقل المواد المطبوعة, تم اغلاق النافذة الاسبوعية على العالم في عام 1972, ثم اعيد اطلاقها كمجلة شهرية شاملة في عام 1978, وقال مولر انها اعيدت الى الحياة (لاسباب تتعلق بالحنين الى الماضي بدلا من ان يكون ذلك بادراك واضح لطبيعة الجمهور) . وعلى الرغم من مرور عشرين عاما على (لايف الجديدة) الا انها لم تكن ابدا المطبوعة نفسها. وبالنسبة لجيل من الامريكيين, فانها مثلت عصرا ضائعا كانت فيه الصور والموضوعات التي اثارتها ابيض واسود ـ وهو عصر تميز بالثقة الاخلاقية وبأمريكا عرفت مكانها في العالم. ويباع الان عدد 21 ديسمبر عام 1942 من المجلة مقابل 12 دولارا في سوق السلع المستخدمة في الحارة السادسة في نيويورك. ويظهر على غلاف هذا العدد امرأة تجلس على كرسي مع طفلها. وتقول العبارة المكتوبة على الغلاف: (والدك لن يكون هنا ليشهد عيد الميلاد الاول لك. فالحرب قد ابعدته عنا لكن حبه يضفي الدفء على بيتنا. انت ابن رجل تمثل مبادئه عنصر قوته) . لقد وقعت مجلة (لايف) ضحية لحركة فكي كماشة. فمن جهة, استعادت المجلات بهية الطلعة مثل (فانيتي فير) و(هاربرير) تألقها بينما تتحرك بذكاء واناقة نحو منطقة نفوذ (لايف) المتعلقة بالقضايا الراهنة المرفقة بالصور والقضايا المحلية. ولكن المشكلة الرئيسية كانت تتمثل في الفك الاخر من الكماشة. هنالك مشرب عند اسفل بناية شركة تايم في وسط مدينة منهاتن يقدم المحار والطعام البحري. وفي مساء يوم الجمعة الماضي, جلس طاقم موظفي مجلة (لايف) على كراسي حول طاولة مع مجموعة من موظفي مجلة (تايم الام التي تم باسمها التضحية بمجلة (لايف) . كان موضوع النقاش, الذي تميز بعدم الاحترام, يدور حول مجلتين داخليتين جديدتين. الاولى هي (ريل سيمبل) التي سيقدم العدد الاول منها النصائح حول كيفية تنظيف غرفة الحمام وتخفيض دين البطاقة الائتمانية. اما المجلة الثانية فستكون طبعة استرالية لمجلة (ان ستايل) وهي بديل يهتم بالاشاعات حول المشاهير لمجلة (بيبول) المملوكة ايضا لشركة (تايم) وهذا, بالمقابل, ينظر اليه باعتباره تحديا لمجلة شهرية منافسة تهتم بالمشاهير تدعى (يو اس مجازين) والتي من المنتظر تحويلها الى مجلة اسبوعية تحت مسمى (يو اس ويكلي) . ويقول مراسل لمجلة (تايم) انه (حتى المراسلون في المجلتين الاخريين المنافستين لـ (لايف) وهما تايم ونيويوزويك, يعترفون بأن (لايف) لم تقع ضحية للجودة العالية لمنافساتها. وانما ما حصل هو العكس تماما, فلايف هبطت شعبيتها لأننا جميعا تراجعنا. وعلى امتداد اكثر من عام, غيرت مجلتا (تايم) و(نيوزويك) تبويبهما ومحتوياتهما على نحو كبير. فموضوعات الغلاف تعرض عددا اقل من الاحداث الاخبارية وعوضا عن ذلك اخذت تستهل الصفحات بموضوعات تحظى باهتمام عام مثل القضايا المتعلقة بانتصاف العمر. وقد قدمت الالفية عذرا لسباق حول (الافضل) في كل المجالات والقصة المطولة الحافلة بالبطولات التي قدمتها مجلة تايم تحت عنوان (رجل الالفية) . وكانت المجلتان ـ الى جانب منافساتهما ـ غير مستعدتين للعودة الى القليل الذي تبقى من الاجندة الرئيسية التي استنزفتها الاحتفالات. ويعتبر الفضاء الافتراضي من موضوعات الغلاف التي تحقق مبيعات جديدة بالاضافة الى الازمات المتعلقة بالاجيال حول اسئلة من قبيل (ما الذي يفكر فيه الشباب حقا؟) . وتحتل الموضوعات الصحية مساحة اكبر, حيث تجعل القراء يواكبون احدث ما تم التوصل اليه في مجال سرطان القولون او امراض القلب. وعندما يتم اختيار احداث اخبارية لتصدر المجلات, فإنها تكون محلية على نحو ثابت. وقد احتلت احداث مروعة كحادثة اطلاق النار في مدرسة كولومباين مكان الصدارة في المجلات كما جرى مع حادثة اطلاق النار على تلميذ بالغ من العمر ستة اعوام من قبل زميله في الصف في ميتشيجان. لكن كوسوفو اعتبرت موضوعا مأساويا حقق حجم مبيعات كبير لدرجة ان ازالة جروزني من الوجود والحروب المستمرة والمجاعة والفيضانات في افريقيا لم تحظ بمكان بارز في اكشاك بيع الصحف والمجلات. لقد اصبحت صفحة الفهرس في المجلات مجرد انعكاس لقائمة الموضوعات التي ترد في تلفزيون الكوابل. لقد سلمت محطتا (سي ان ان) و (ام اس ان بي سي) , وهما القناتان الاخباريتان الشاملتان الرئيسيتان, نفسيهما لـ (الاخبار العاجلة) على الجبهة المحلية ولكن نادرا ما يحدث ذلك مع الاخبار الخارجية, وتحتفظ الشبكات الكبيرة الثلاث ببرامج تتعلق بالشئون الراهنة والتي نادرا ما تخرج عن نطاق الولايات الخميسن. والافتراض السائد هو ان الجمهور فقد الاهتمام بما يجري وراء البحار وان المزاج الانعزالي انعكس في سياسة جورج بوش والى حد اقل في سياسة آل جور. غير ان احدى الدراسات التي لم تحظ بانتشار واسع ترى ان هذا الافتراض خاطئ. فقد اجرت جامعة ميريلاند العام الماضي استطلاعا للرأي العام اظهر ان امريكا اكثر وعيا وتطلعا للخارج على الصعيد العالمي, من اي وقت اخر منذ الحرب العالمية الثانية. فقد ايدت اغلبية ساحقة من الامريكيين التدخل في كوسوفو. واغلبية اقل من الامريكيين تصر على وجوب قيام الولايات المتحدة بدفع التزاماتها المالية للأمم المتحدة وعلى وجوب شطب ديون العالم الثالث. ان ماري الين مارك, من قدامى العاملين في لايف, لا تستطلع آراء جمهور الناخبين وانما عالم المجلة الذي تبتعد عنه مجلتها المحكوم عليها بالموت. وتقول ماري: (اعتقد ان المشكلة اليوم هي اننا لا نملك صورا تمتاز بالديمومة. فالمجلات اليوم تدور حول التجارة بحيث تبيع الافلام السينمائية او تروج للملابس. لا شك انها جميلة جدا, ولكنني افتقد المضمون واعتقد ان معظم الناس يوافقونني الرأي) . ترجمة: ضرار عمير