إيدن: هذا الرجل لابد من سحقه مهما كان الثمن ، هكذا نجا ناصر من مسلسل الاغتيالات في عام 1956 ينتمي هذا الكتاب إلى نوعية نادرة من الكتب, تضرب ندرتها جذورها في صعوبة تأليفها التي تصل إلى حد الاستحالة, فهو يقدم خمسين عاما من تاريخ العمليات السرية لجهاز المخابرات الخارجية البريطانية (ام 16) الذي يعمل فيه اليوم طاقم مؤلف من 2303 أشخاص يسدل ستاراً من السرية المطلقة على كل ما يقومون به. ويحار القارئ أين يضع الخطوط تحت سطور هذا الكتاب. هل عند محاولة المخابرات البريطانية اغتيال عبدالناصر في 1956 التي تروى أسرارها هنا لأول مرة؟ أم عملياته في ألمانيا الشرقية وعلى رأسها حفر النفق الشهير؟ أم في السويس؟ وماذا عن عدن؟ وهل أدى هذا الجهاز دورا حقيقيا في محاولة بريطانيا منع انهيار حضورها العالمي منذ عام 1992 في الشرق الأوسط ومعظم افريقيا؟ هذا الحشد من الأسرار, الذي يشبه غابة يتعين علينا أن نمضي فيها بيقظة وحذر, يقدمه لنا ستيفن دوريل, المحاضر بجامعة هدرسفيلد ورئيس تحرير مجلة (لوبستر) والخبير المعروف في تاريخ أجهزة المخابرات. على الرغم من الاطار الصارم من السرية الذي يحيط بجهاز المخابرات الخارجية البريطانية (ام. أي. 6) , إلا ان العديد من الكتب صدرت عنه في محاولة للتسرب عبر هذا الاطار. ومن حق القارئ العربي أن يتساءل: ما الذي يميز هذا الكتاب عن غيره؟ لماذا نهتم به بهذا الشكل الاستثنائي؟ وهل له من القيمة ما يبرر هذا الاهتمام؟ وهل يقدم مؤلفه ستيفن دوريل جديدا يصلح أرضية لكل الضجة التي واكبت هذا الكتاب لدى صدوره قبل أيام؟ لسوف نترك للقارئ نفسه أن يحاول الرد على هذه الأسئلة, بعد أن يقرأ المناقشة التي نقدمها على امتداد صفحات هذا العرض للكتاب, ولكن من المهم بداية أن نتعرف عن قرب على المؤلف, فهو يعمل في الوقت الراهن محاضرا في جامعة هودرسفيلد, ويعد من أبرز الاختصاصيين البريطانيين في أنشطة أجهزة المخابرات وتاريخها, وهو رئيس تحرير مجلة (لوبستر) ومؤسسها وقد تمت الاستعانة به في العديد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية والأعمال الوثائقية التي تدور حول أجهزة المخابرات. وإلى جانب كتابه موضع المناقشة هنا والذي يقع في 907 صفحات من القطع الكبير, فقد سبق له إصدار ثلاثة كتب هي: (المؤامرة الصامتة: أجهزة المخابرات في التسعينيات) و(التشويه: ويلسون والدولة السرية) و(الفخ: عوالم ستيفن وارد السرية) . هذا هو, باختصار شديد, الرجل. فما الذي يقدمه لنا بالضبط عبر صفحات كتابه الذي أوشكت على التحليق إلى الألف صفحة لولا تدخل المحررين في دار فورث استيت اللندنية التي نشرت الكتاب؟ يتعين علينا أن نلاحظ ان جهاز الـ (ام. أي. 6) الذي عرف رسميا باسم خدمة المخابرات السرية قد رأى النور في عام 1911 للقيام بأنشطة التجسس عبر البحار ودوره الآن يحدده رسميا قانون خدمات المخابرات الصادر في عام 1994 باعتباره يتمثل في (الحصول على وتقديم المعلومات المرتبطة بالعمليات أو بالنوايا الخاصة بالأشخاص خارج الجزر البريطانية, وأداء مهمات أخرى تتعلق بالمعلومات من حيث العلاقة بمصالح الأمن القومي) . وعلى الرغم من ذلك فإن المؤلف يوضح منهاجيا انه لن يتناول إلا عمليات الجهاز عبر نصف قرن أي منذ الحرب العالمية الثانية. وإذا كان المؤلف قد قام بعملية جراحية بتر خلالها من اهتمامه المرحلة من ابتداء عمل الجهاز في 1911 إلى الحرب العالمية الثانية, فإننا بدورنا سنقوم بعملية جراحية هي أن نقصر هذه المناقشة التي نتصدى لها هنا على ما يهم القارئ العربي من الصفحات التسعمئة والسبع التي يضمها الكتاب بين دفتيه. ولكن قبل القيام بذلك دعنا نحاول القاء نظرة سريعة على المعمار الهيكلي للكتاب الذي يشبه قلعة شاهقة قبل أن نقوم بدخول القاعات التي تهمنا, وهي القاعات الخاصة بالشرق الأوسط. نظريات وأسرار كل من تناولوا هذا الكتاب من قريب أو بعيد, ومن بينهم الناشر, حرصوا على التركيز على تاريخ عمليات جهاز (ام. أي. 6) وكيف انه كشف جانبا من أسرار هذه العمليات على نحو لم يسبقه إليه أي مؤلف آخر. وربما كان هذا صحيحا, فالمؤلف نفسه في السطور الأولى من المقدمة يشدد على أن كتابه يركز على أنشطة الجهاز أي جانب العمليات فيه, أكثر من أي شيء آخر, وبالتالي فإن الجوهرة التي يعتز بتقديمها للقراء هي أسرار هذه العمليات, أو بالأحرى ما استطاع المؤلف وضع يده عليه من هذه الأسرار. مع ذلك ففي اعتقادي ان أهم ما في هذا الكتاب هو انه يطرح مجموعة من النظريات يجتهد المؤلف على امتداد صفحاته ليؤكد صلابتها وتماسكها وقدرتها على الصمود في وجه محاولات التحطيم. وفي مقدمة هذه النظريات ما يلي: * ان رؤية العالم لجهاز الـ (ام. أي. 6) قد شوهها إلى حد بعيد التركيز من جانب المؤسسات الرسمية وأجهزة المخابرات على امتداد العالم وأجهزة الاعلام على أنشطة الخونة الذين شقوا عصا الطاعة وتمردوا على الجهاز في اطار قصص أقرب إلى التراجيديات الاغريقية منها إلى أي شيء آخر, بما في ذلك ما أقدم عليه كيم فيلبي, وجورج بليك وغيرهما والمطاردة الاستحواذية من جانب الجهاز للجواسيس المزروعين داخله سواء أكانوا حقيقيين أم من صنع الوهم والخيال. * انه خلاف للاعتقاد السائد فإن المواد والوثائق المتعلقة بهذا الجهاز متاحة ومتوافرة على نحو علني بشكل يفوق ما يتصوره الكثيرون, وبصفة خاصة في أرشيفات الدوائر المعنية وفي الوثائق التي كشف عنها بحكم القانون في الولايات المتحدة, ولا يتردد المؤلف في الاشارة إلى ان دائرة الأمن التابعة للخارجية البريطانية قد فوجئت قبل سنوات باكتشاف ان مصادر عديدة متاحة للرأي العام تكشف النقاب عن هوية عدد من ضباط المخابرات, وعلى الرغم من اقتراب عدد صفحات الكتاب من الألف صفحة فإن المؤلف لا يجد ذلك كافيا لاستيعاب المادة المتاحة له فيشير إلى اعتزامه إصدار كتاب آخر مكمل للكتاب الماثل بين أيدينا يتناول الأسرار المتعلقة بجهاز (ام. آي. 5) في العالم وبأنشطة مكافحة الجاسوسية التي قام بها جهاز (ام. بي. 6) في العالم الثالث وشبكات الجهاز على امتداد العالم المعروفة باسم (جلاديو) . * انه حتى الآن قام جهاز (ام. أي. 6) بخوض معارك ناجحة لحماية نفسه والحفاظ على أسراره, ولكنه لا يمكنه القيام بذلك إلى الأبد, ويشدد المؤلف على ان عصر المخابرات مفتوحة المصادر يوشك أن يطل على العالم والأسرار تتزايد صعوبة حمايتها ولن يكون من قبيل الاغراق في المبالغة الاشارة إلى انه لم تعد أسرار هناك بالمعنى الحقيقي اليوم. * ان الحرب العالمية الثانية شكلت انقطاعا, هو بمثابة الاستثناء من القاعدة في تاريخ جهاز (ام. أي. 6) فقبلها كان جهده الرئيسي هو القتال في اطار معركة تقليدية ضد البلاشفة, وبعدها عاد هذا القتال ليستمر ويتواصل ويأخذ شكل العمليات الخاصة شديدة الضراوة والبطش. لماذا استهدفوا ناصر؟ يقسّم المؤلف كتابه بعد المقدمة التي صافحنا, قبل قليل, سطورها الأولى إلى سبعة أجزاء, يدور الأول حول الانتقال من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة, والثاني حول خط المواجهة بما في ذلك المواجهات في ألمانيا والنمسا وعمليات الخداع واستخدام الصواريخ والقنابل والخداع. والثالث يتناول الامبراطورية السوفييتية مع التركيز على التكتل المناهض للبلاشفة والصراعات في بولندا وبيلاروسيا ودول البلطيق. والرابع حول البلقان وروسيا والخامس حول التغير في عمل الجهاز, والسادس حول الشرق الأوسط, والسابع حول العصور الحديثة. هذه المناقشة, من الناحية المنهاجية, تشق طريقها الى الجزء السادس من الكتاب المتعلق بالشرق الأوسط, ونبدأ في هذا الاطار بالفصل التاسع والعشرين, الذي يتألف من إحدى وخمسين صفحة ويحمل عنوان (السويس: رجال الاغتيال وعمليات البلطجة) . ولست أشك في ان القارئ يوافق على ان هذا الفصل قد وفق المؤلف في اختيار عنوانه, فجانب ليس باليسير منه يدور حول محاولات اغتيال الزعيم العربي جمال عبدالناصر سواء على يد جهاز (ام. أي. 6) أو على يد الاسرائيليين والفرنسيين, وعلى وجه التحديد في عام 1956 وعلى دور الجهاز الموازي للعدوان الثلاثي على مصر. هنا يثور سؤال محدد لست أشك في ان القارئ سيطرحه على نفسه: لماذا محاولة اغتيال عبدالناصر بهذه المدة وبذلك الالحاح منذ هذه البداية المبكرة لمسيرته؟ سيبادر المؤلف إلى تقديم رد واضح, وهو ان محاولات اغتيال عبدالناصر تضرب جذورها في أكثر من بعد, ومن أبرز هذه الأبعاد ادراك جهاز (ام. أي. 6) منذ وقت مبكر من مسيرة ثورة 1952 انه أيا كان ما ستقوم به بريطانيا حيال القيادة المصرية الجديدة, وأيا كان ما ستقدمه من (تنازلات) فإنها ستظل عدوا تحيطه الكراهية الشديدة في مصر إلى الأبد. هذه هي الأرضية العامة, ولكن على هذه الأرضية كانت هناك الإرادة السياسية التي وصلت إلى حالة أقرب إلى الاستحواذ من جانب رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن الذي لم يتردد في أكثر من اجتماع رسمي في الحديث عن ضرورة القضاء على عبدالناصر, لا بالتعبيرات التي درج السياسيون على استخدامها مثل (التصفية) و(التنحية) و(التخلص) و(التجاوز) وإنما بتعبيرات مثل (السحق) و(التهشيم) . وينقل المؤلف عن ايدن تأكيده لعضو البرلمان المحافظ روبرت بوثبابي في معرض حديثه عن عبدالناصر (علينا أن نسحق هذا الرجل بأي ثمن) . وعلى الرغم من ان المؤلف يروي قصة المواقف الأمريكية والبريطانية من ثورة 23 يوليو بالتفصيل منذ مرحلة ما قبل الانطلاق الفعلي لثلاثة آلاف جندي ومئتي ضابط في 23 يوليو 1952 لتنفيذ الثورة, إلا ان تركيزه سوف ينصب على محاولات اغتيال ناصر وعلى العمليات التي قام بها الجهاز بالتوازي مع العدوان الثلاثي. من الشيكولاتة إلى الضفادع يوضح المؤلف كيف ان المخابرات المصرية انقضت على وكالة (ايه. ان ايه) التي تشكل الواجهة لعمل جهاز (ام. أي. 6) واقتحمت مكاتبها وألقت القبض على قياداتها واستولت على وثائقها بضربة بارعة واحدة, وبالتالي ترك الجهاز من دون (أصول) تابعة له مباشرة في مصر يمكن أن تقوم بعملية خطيرة من نوعية محاولة اغتيال عبدالناصر. ما العمل إذن في مواجهة موقف على هذا القدر من التعقيد؟ لقد بادر الجهاز إلى البديل الوحيد المتاح له وهو استخدام العملاء الموجودين على أرض مصر حتى ولو كانوا من خارج صفوفه, وهكذا تم اللجوء إلي جيمس موسمان, وهو مراسل شهير لبرناج (بانوراما) في الـ (بي. بي. سي) كان قد عمل لحساب (ام. أي. 6) خلال الحرب العالمية الثانية, وقد توجه إلى مصر باعتباره مراسلا لصحيفة (ديلي تلجراف) في عام 1956. وهكذا توجه أحد ضباط الجهاز والذي يعمل تحت ستار وظيفته الدبلوماسية في السفارة البريطانية بالقاهرة للقاء موسمان وطلب منه مساعدة الجهاز, فرد على الفور قائلا: ان أيام عمله في أنشطة المخابرات قد انتهت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية, ولكن ضابط الجهاز خاطب فيه وطنيته. وقال له: (ينبغي عليك القيام بهذه المهمة لاننا نوشك على الدخول في حرب مع مصر) . أما المهمة المشار إليها فلم تكن إلا استخراج رزمة من حقيبة سيارته من طراز موريس ماينور عند الكيلو 12 عند مشارف القاهرة وتسليمها إلى شخص أعطى له رقم هاتفه. وقد اكتشف موسمان انه قد اتصل بالشخص الخطأ. وقد احتوت الرزمة على عشرين ألف جنيه استرليني قصد بها أن تكون رشوة لطبيب عبدالناصر للقيام بدس السم له) . والواقع ان عملية دس السم هذه قد نظمها رئيس قسم العمليات بجهاز (ام. أي. 6) وهو القسم الذي يرمز له بالرمز (كيو) وكان شاغل هذا المنصب في ذلك الحين هو ميجور فرانك كوين, حامل وسام ضابط الامبراطورية البريطانية, حيث طلب منه أن يحقن مجموعة من قوالب الشيكولاتة المصرية الرائجة المعروفة باسم شيكولاتة (كورونا) بالسم. ولم تكن تلك بالعملية السهلة فقد تم الحصول على اثنتي عشرة علبة من هذا النوع من الشيكولاتة مباشرة من القاهرة. ولكن الصعوبة تمثلت في فتح قاعدة هذا النوع من الشيكولاتة لدس السم فيه حيث ان عملية الدس هذه من شأنها أن تتلف علامات ماركة الشيكولاتة الموجودة على القاعدة, مما يقتضي اعادة وضع هذه العلامات من جديد بطريقة لا تثير الشبهات, ويتعين على من يقوم بهذه العملية الوصول إلى درجة الحرارة الدقيقة لتسخين القاعدة وإلا تعرضت الشيكولاتة للتلف. وهكذا بعد سلسلة طويلة من العمليات وفق منهاج المحاولة والخطأ, تم اتلاف ست علب في اطارها توصل كوين إلى الصيغة السليمة, ولكن القلق ساوره حول الجانب الأخلاقي من العملية برمتها. ويقول كوين في هذا الصدد انه أعرب لرئيسه المباشر عن مخاوفه من أن يقوم من يتلقى هذه الشيكولاتة إلى أشخاص أبرياء فقد يفقدون حياتهم في غمار هذه العملية, ولكن رئيسه طمأنه إلى ان هذا الخطر مستحيل التحقق في اطار الترتيبات الدقيقة التي أعدت لتقديم الشيكولاتة والتخلص من البرهان على الكيفية التي ستتم بها عملية الاغتيال. ومن الواضح ان هذه العملية قد شقت طريقها إلى الخطأ في موضع ما من مسار التنفيذ, حيث امتد العمر بعبدالناصر ليلقى وجه ربه, كما نعلم جميعا, في عام ,1970 ولكن الشيكولاتة لم تكن الوسيلة الوحيدة التي تم اللجوء إليها لمحاولة اغتيال الرجل الذي تعاظمت خطورته من منظور الغرب مع رده على سحب عرض تمويل بناء السد العالي بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية, وامتدت هذه المحاولات لتشمل كل المقصورة في ذلك الوقت ابتداء بعمليات الضفادع البشرية وليس انتهاء بالقتل بالغاز السام. خليها على الله ربما قدر لعبدالناصر أن يمتد به العمر إلى عام 1970 لانه في المقام الأول كان يحيا حياة رجل بسيط من أواسط الناس في شعبه, ومع اتخاذه الاجراءات الضرورية التي تفرضها المواقف المعقدة على رجل سياسة مثله فقد كان شعاره الذي لا يتخلى عنه هو (خليها على الله فالعمر واحد) . والمؤلف ينطلق بنا في مسار أقرب إلى المتاهة أو إلى نفق يمتد بلا انتهاء يستعرض في اطاره محاولات الاغتيال التي أعدت لعبدالناصر وقدر له أن ينجو منها بشكل أو بآخر, وإن كانت تلفت نظرنا فيها جميعها تلك الدرجة من الضراوة التي تكمن في صميم عمليات التخطيط والاعداد لها. ومن خطط الاغتيال هذه تلك التي وضعها جون هنري وبيتر ديكسون من ضابط الخدمة الفنية في محطة لندن التابعة لجهاز (ام. آي. 6) حيث ناقشا تفاصيلها مع بيتر رايت الخبير في جهاز (ام. آي. 5) والذي قال لهما: (من الواضح ان غاز الاعصاب يشكل الامكانية الأفضل حيث انه يمكن السيطرة عليه بأفضل السبل) وقد جاء هذا التعقيب بعد أن أبلغ ديكسون وهنري الخبير رايت بأن لديهما عميلا في مصر يمكنه الدخول إلى أحد المقار التي يستخدمها عبدالناصر. وقد تمثلت خطة الرجلين في وضع حاويات مشحونة بغاز الأعصاب في نظام التهوية في هذا المقر التابع لعبدالناصر, غير ان الخبير أشار إلى ان تنفيذ الاغتيال بهذه الطريقة يقتضي كمية كبيرة من الغاز, فضلا عن ان من شأنه أن يؤدي إلى القضاء على حياة الكثيرين إلى جوار الزعيم المقصود بمحاولة الاغتيال. وقد رفض رايت الخطة باعتبارها (خطة من خطط (ام. آي. 6) غير الواقعية على نحو يائس) ولم يدهش رايت عندما أبلغه هنري في وقت لاحق بأن ايدن قد تراجع عن تنفيذ هذه العملية. وأكد صحة هذه الرواية موريس أولد فيلد رئيس جهاز (ام. آي. 6) الذي روى لاصدقاء له قبيل وفاته في عام 1981 تفاصيل هذه الخطة, وأشار إلى ان ايدن كره على صعيد شخصي فكرة الاغتيال بالغاز السام وانه خلال الحرب العالمية الثانية كان يعارض بشدة ما وصفه بأنه (شغل جرائم الحرب) . ولكنه في عام 1956 بدا وكأنه لا يعترض على أساليب غامضة في الاغتيال أعد الجهاز لتوظيفها سياسيا. وبدورها أعدت دائرة أبحاث المتفجرات وتطويرها التابعة لوزارة الدفاع البريطانية أداة اغتيال جهنمية, عبارة عن علبة سجائر معدلة, تطلق سهما مسموما, وقد تم اختبار هذا السلاح على خروف في منطقة بورتون داون على يد دكتور لادل الذي كان يتعامل شخصيا مع طلبات جهاز (ام. آي. 6) والـ (ام. آي. 5) وعندما تم اطلاق السهم من العلبة على الخروف موضع التجربة تهاوت قوائمه وشرعت عيناه في الدوران في محجريهما وعلت افرازات بيضاء خطمه, وتهاوى على الأرض والحياة تنزف منه في موت بطيء ومؤلم. وحتى بيتر رايت ساوره الشعور بالاشمئزاز من هذا المشهد, ويبدو انه منذ عام 1953 كان هناك تعاون وثيق بين الخبراء البريطانيين ونظرائهم الأمريكيين في فورث ديتريك حيث يوجد مقر قسم العمليات الخاصة الأمريكي في انتاج أنواع من السموم, مثل سم السمك النجمي, وقد برع خبراء بورتون داون بصفة خاصة في تطوير السموم فور اكتشافها والمضي بها إلى أقصى قدرتها على الفتك بضحاياها. الفرنسيون على الخط يبدو ان الانجليز لم يكونوا وحدهم في هذه المرحلة هم الذين يعكفون على وضع خطط لاغتيال عبدالناصر بتوجيه مباشر من القيادة السياسية, حيث ان مؤلفنا ستيفن دوريل يوضح لنا ان الفرنسيين بدورهم قد دخلوا على الخط ولحق بهم الاسرائيليون. وقد قام بيير بورسكو, رئيس جهاز التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس في فرنسا, والذي كان من أبرز الشخصيات الضالعة في التخطيط للعدوان الثلاثي على مصر في اطار عملية (الفارس) بدور الوساطة بين المخابرات البريطانية والمخابرات الاسرائيلية. وأعد فرع العمليات الذي كان بورسكو معنياً مباشرة بنشاطه محاولة في أول سبتمبر 1956 وهو الموعد الأصلي لخطة (الفارس) , وشملت المحاولة قيام مجموعة من رجال القوات الخاصة الفرنسية بالانطلاق بقوارب مطاطية في النيل من مقر السفارة الفرنسية, وذلك لنسف مقر مجلس قيادة الثورة في الطرف الشمالي من الجزيرة خلال وجود عبدالناصر في المبنى, وقد تم تغيير موعد التنفيذ, وألغيت العملية في وقت لاحق. وأدلى الاسرائيليون بدلوهم أيضا, حيث عمدوا إلى تحريك نادل يوناني الجنسي يعمل في إحدى شركات تقديم خدمات الفندقة, وكان على الرجل أن يدس قرصا مسموما في قدح قهوة يقدمه لعبدالناصر, وكان يمكن لهذه المحاولة أن تتم بسهولة بالغة لولا ان النادل ارتعشت يداه وهو يقدم القهوة لعبدالناصر, فألقي القبض عليه, واعترف مدليا بكل التفاصيل التي يعرفها. وقد زعم رجل المخابرات الأمريكية الشهير مايلز كوبلاند بأنه كان على علم بالعديد من محاولات اغتيال عبدالناصر, ومن بينها محاولات جهاز (ام. آي. 6) لاغتيال وهو يدعي انه قال لعبدالناصر ضاحكا: (التفت لخطة بعيداً يا سيدي الرئيس ودعني أقدر ما إذا كان بمقدوري أن أدس السم في قدح قهوتك!) فأشار عبدالناصر إلى الحراس القريبين منه قائلا ان مثل هذه المحاولة لن يقدر لها النجاح. ومع احتدام الأحداث في ذلك الخريف الوحشي من عام 1956 لم يعد لجهاز (ام. آي. 6) أي (أصول) على الاطلاق يمكن الاعتماد عليها في مصر, وهكذا تقرر ارسال فريق ثلاثي ضارب من لندن لمحاولة اغتيال عبدالناصر, وقد نجح هذا الفريق بالفعل في دخول مصر, ولكن الضوابط التي وجدوها داخل مصر حالت دون قيامهم بأي تحرك لتنفيذ ما قدموا لانجازه. وفي الوقت نفسه تقريبا تلقت المخابرات المصرية من مصادر صديقة لم يكشف المؤلف النقاب عنها معلومات عن وجود أحد المرتزقة الألمان في القاهرة, أرسله جهاز (ام. آي. 6) في محاولة لاغتيال عبدالناصر كذلك, ومن هنا اتخذت اجراءات أمنية مشددة وتم شن حملة مطاردة لاعتقال الرجل, ولكنه بادر بالهرب في اللحظة الأخيرة قبل أن تطبق الشبكة المصرية عليه. وبعد الاعتداء الثلاثي وضعت لندن خطة تقوم على ارسال عناصر من رجال الجهاز العسكري (اس. ايه. اس) لاغتيال عبدالناصر أو خطفه, وأكد ضباط كبار في هذا الجهاز للقيادة السياسية ان العملية ستنفذ بحيث يتم التخلص من أي خيوط تفضي إلى الجهاز, الأمر الذي يتيح للندن انكار أي علاقة لها بالعملية, ولكن جهودهم وصلت فيما يبدو إلى طريق مسدود. في الشبكة المصرية جرب الفرنسيون الاعتماد على رجال الضفادع البشرية, ولكن الفريق الذي أنيط به محاولة اغتيال عبدالناصر لم يكن لديه ما يكفي من معلومات حول الطوق الأمني المصري المضروب حول الزعيم العربي, وهكذا فإن هذه المحاولة بدورها وصلت إلى طريق مسدود. وفي نوفمبر 1956 أصدرت محطة فرع العمليات التابعة للمخابرات الفرنسية في قبرص أوامرها لفريق من المحترفين بمحاولة اغتيال عبدالناصر, لكن هذا الفريق كان أقل حظاً حيث نجح المصريون في القاء القبض على جميع أفراده حتى قبل أن يشرعوا في التحرك لتوجيه ضربتهم, وهكذا سقط الصيادون في الشبكة المصرية. هكذا قدر للقائد العربي الكبير أن يعيش حتى يلقى وجه ربه في 1970. ولكن ماذا عن الوجه الآخر من عمليات جهاز المخابرات البريطاني الخارجي الموازية للعدوان الثلاثي؟ ما الذي قام به رجاله بالضبط وهل كان يمكن لشحنة من الأسلحة دفنها رجاله في ضواحي القاهرة أن تغير مسار التاريخ المصري الحديث كما يزعم البعض؟ تأليف: ستيفن دوريل عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين