لم يكن العنف ضد الزوجات وانتحار المراهقين والرؤى الثقافية التي تحلق إلى آفاق الشرق والغرب من المواد الاعتيادية على شاشات السينما الايرانية, هذا على الأقل هو الوضع خلال العشرين سنة الماضية. لكن فيلم (رائحة الكافور وعطر الياسمين) الحاصل على مجموعة جوائز سينمائية تطرق إلى قضايا سياسية واجتماعية كانت حتى وقت قريب تخضع لمقص الرقيب. ويقول بوهمان فارمانارا مخرج هذا الفيلم, الكئيب, الساخر, الهازل, في وقت واحد, والذي يعتبر سيرة ذاتية له إنه لم يكن من الممكن انتاج فيلمه قبل ثلاث سنوات فقط. ويعزو تمكنه من اطلاق فيلمه للرئيس محمد خاتمي, الاصلاحي, الذي انتخب رئيسا للبلاد عام 1997. في المشهد الافتتاحي للفيلم تستذكر الشخصية المحورية, التي يؤديها مخرج الفيلم نفسه رؤية جوهرية قائلة: (حينما لا يصنع المخرجون الأفلام ولا يكتب المؤلفون فهذا هو الموت) . ليبدأ بسرد قصة جنائزية عن موته وجنازته هو. وهذا الفيلم هو أول نتاج للمخرج منذ قيام الثورة الاسلامية في عام 1979. وأحسب فارمانارا الذي اختار المنفى في كندا طواعية بعد الثورة بالبهجة لكون فيلمه قد نجا من الرقابة من دون أن يمسه أي اسقاط. وكان آخر أفلامه التي أخرجها أواخر السبعينيات قد حظر من قبل نظام الشاه. وأثناء العرض الأول لفيلم (رائحة الكافور وعطر الياسمين) في طهران انطلق المشاهدون في تصفيق عفوي, حينما ظهر الرئيس خاتمي في مقطع أدخل على الفيلم وهو يدافع عن الحرية. كما كانت طوابير الشباب الايرانيين المصطفين للحصول على تذاكر مشاهدة عروض مهرجان طهران السينمائي في فبراير الماضي لا تقل عن طول طوابير الناخبين الذين انتظروا دورهم أمام المراكز الانتخابية بعده بأسبوع. وهؤلاء الشباب أنفسهم هم الذين يشكلون أكثر من نصف تعداد سكان ايران البالغ 63 مليون نسمة وهم من اختاروا التغيير. والآن يطلق بعض المثقفين اسم (الثورة الصامتة) على التغيرات الثقافية والسياسية التي تزحف على إيران. ويمضي تحول المجتمع الايراني قدما بسرعة يتوقف عندها الكثيرون ومن بينهم بعض الاصلاحيين, وهو المجتمع الذي أخذ يتجه للديمقراطية بشكل متزايد ويطالب بالمزيد من الحرية الشخصية. وأصبح أولئك الذين قاتلوا ضد الشاه دفاعا عن المساواة والمبادئ التي رفعتها الثورة يشعرون بعدم الارتياح وهم يرون الطبقة الوسطى تنبعث من جديد وترفع صوتها. ولا يمضي يوم إلا وهو يحرك (الخطوط الحمراء) كما تعرف في إيران. ومنذ الانتخابات عبر البرلمانيون الاصلاحيون الذين يقودهم شقيق الرئيس خاتمي عن نيتهم في محاولة انهاء الحظر على أطباق التلفزيونات الفضائية, كما قالت سيدتان منتخبتان حديثا انهما لن ترتديا (الشادور) وهو العباءة السوداء التي تغطي كامل الجسم حينما تجلسان في البرلمان. أما مجلس بلدية طهران فقد أعلن انه سيسمي إحدى ساحات المدينة باسم محمد مصدق, وهو رئيس الوزراء القومي الذي أطيح به في انقلاب دعمته الولايات المتحدة ووصفه رجال الدين بأنه علماني ليبرالي. أيضا أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما خلال الاسبوع الماضي يحرم الشرطة بعد الآن من حق مداهمة المنازل والسيارات بحثا عن أشرطة الفيديو والموسيقى والكتب وغيرها من المواد التي قد توصف بأنها لا تتماشى مع الأخلاق العامة. ويقول المحامون ان هذا الحكم قد فرض حقوق الخصوصية للمواطنين, وكان تطورا مهما في السجال المحتدم حول ما يمكن اعتباره أمرا شخصيا يتمتع بالحماية أو عاما يخضع بالتالي لسيطرة صارمة. يقول نكاهانج كوسار أشهر رسامي الكاريكاتير الايرانيين الذي اعتقل ووضع قيد الحجز قبل الانتخابات مباشرة: (أعتقد اننا منذ تولي خاتمي للسلطة قد وسعنا الحدود المتاحة لنا بأكثر مما كنا نظن أننا قادرون عليه. نحن نحاول المضي قدما. ونحن فعلا لا نريد الرجوع إلى الوراء. وقد أظهرت الانتخابات ان الناس أيضا لا يريدون العودة للوراء. وقد أعطتهم الانتخابات الشجاعة للتحرك) . ويأتي ذلك في معرض حديثه عن الحرية الحالية التي تتمتع بها الصحافة الايرانية, والتي يعتبرها بمثابة المعجزة. ومن الممكن أن يواجه كوسار, أو التمساح داندي كما يلقبه أصدقاؤه, حكما بالسجن لثلاثين عاما. وكان قد رسم كاريكاتيرا يصور تمساحا يخنق صحافيا بذيله بعد هجوم شنته على الصحافة شخصية سياسية بارزة يتشابه اسم صاحبها مع تمساح بالفارسية. والسخرية من مثل هذه الشخصية العامة تعتبر جريمة في ايران, وقد أثار الكاريكاتير احتجاجات قوية من شخصيات بارزة فلي مدينة قم طالبت باستقالة وزير الثقافة, وهو أحد أقرب الأنصار للرئيس خاتمي. ويقول كوسار البالغ من العمر 30 عاما والذي خرج من السجن بكفالة وينتظر المثول أمام المحكمة: (بالتأكيد لن أرسم تماسيح بعد الآن. لكني فوجئت بردة الفعل في قم وبعضهم طالب باعدامي. لكن أي صحافي يطالب باعدامه على هذا النحو سيعتبر ذلك وسام شرف له) . وفعلا كان رد فعل التيار المحافظ المتشدد من القوة بحيث شكل تهديدا لكوسار أيضا. وعلى سبيل المثال نشرت مجلة (جبهة) التي تحمل مكاتبها ديكورات على شكل تحصينات من زمن الحرب العراقية الايرانية مقالا تطالب فيها رجال الحرس الثوري والشرطة باتخاذ موقف متشدد ازاء الشئون الاخلاقية والثقافية خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة. ويقول كاتب المقالة حسين باناه: (ان التطبيق الصارم للعقوبات الاسلامية سيجعل الطبقة الوسطى الضحلة تفقد الأمل بدعاة التغيير) . كما حدد مسعود دنماكي محرر المجلة وهو من مخضرمي الحرب الطبقة الوسطى بأنها تشكل الداعمين الأساسيين لدعاة التغيير وهي التسمية التي يطلقها الجناح المتشدد على الاصلاحيين. ويقول بخطه في المجلة: (طبعا يجب ألا يتحول العنف إلى ممارسة يومية, وفي المقابل يجب أن يكون سريعا وفاعلا, ولا يستخدم إلا في أوقات معينة فقط) . وبعد ذلك مباشرة أطلق مسلحون من على متن دراجاتهم النارية الرصاص على سعيد حجاريان وجرحوه, وهو من المساعدين المقربين للرئيس خاتمي ويعمل أيضا في مجلس بلدية طهران ومدير تحرير إحدى الصحف الاصلاحية البارزة. وأنكرت مجلة (جبهة) أي علاقة لها بالهجوم. لكن الصحف الاصلاحية اتهمت ما أسمته (أوساطا داخلية من بين المتشددين داخل السلطة باصدار أمر قتل حجاريان وغيرها من الهجمات على المثقفين المنشقين خلال العقد المنصرم. الفكرة الجوهرية السائدة بين المحافظين, والذين ينقسمون بدورهم إلى متشددين ومعتدلين, هي ان الحريات الثقافية يساء استغلالها في اطار مؤامرة تدعمها الولايات المتحدة واسرائيل وتهدف إلى دفع ايران نحو العلمانية. ومن جانبها دعت صحيفة (جمهوري إسلامي) وإحدى صحف الجناح المتشدد كلا من الاصلاحيين والمحافظين للتوقف عن التناحر فيما بينهم. وتقول إحدى مقالات الرأي فيها: (ان لم نعمل بسرعة فإن الأمر سينتشر حتى البلدان والقرى الصغيرة. والمجموعات المختلفة لم تتمكن من سماع خطى العلمانية وهي تقترب منا أكثر فأكثر وتخبرهم بأن عهدهم قد انتهى) . ويحذر علي أكبر ناطق نوري الرئيس المحافظ السابق للبرلمان من ان (العدو) ويقصد به القوى الغربية وحلفاءها قد شن هجوما ثقافيا ضد ايران. ويضيف: (انهم لا يستطيعون تدبير انقلاب عسكري لكنهم يديرون بصبر نخرونهم الثقافي) . والسؤال الذي أخذ يطرح علنا في طهران هو عما إذا كان المحافظون الذين يسيطرون إلى حد واسع على قيادة قوات الامن سيشنون انقلابهم لايقاف اجتماع البرلمان الجديد أواخر الشهر المقبل. وينفي معظم الدبلوماسيين والمحللين الايرانيين احتمال حدوث مثل هذا السيناريو, ويقولون ان انتخابات عام 1997 وانتخابات العام الحالي قد أظهرت ارادة الشعب على نحو نهائي, كما أظهرت التحقيقات الداخلية ان 70% من رجال الحرس الثوري قد صوتوا للرئيس خاتمي. وبالتالي فإن ولاءهم لقادتهم المتشددين لأمر مشكوك فيه. لكن فالاشياء تظهر قبل أيام حينما قال محمد ذو النور قائد اللواء الثالث والثمانين في الحرس الثوري ان الشعب قد يخطئ في الحكم عند صناديق الاقتراع. وأشار خلال حديثه له أمام طلاب الشريعة في قم إلى ان (أبو الحسن بني صدر) انتخب رئيسا لايران عام 1980 لكنه وقف أمام المحكمة بتهمة الخيانة وفر من البلاد في العام التالي. ولا يمكن استبعاد القلاقل بل والاغتيالات في هذه الفترة الحرجة التي تسبق اجتماع البرلمان الجديد. ويقول أكبر خاتمي الصحافي الذي حقق في عشرات من حوادث القتل المشتبه في دوافعها السياسية منذ 1996 - يقول انه تلقى تهديدات بالقتل. وخلال الاسابيع الأخيرة صعدت جهات متنفذة مضايقاتها للشباب الذين يخرقون القواعد التي تآمرت بالفصل بين غير المتزوجين في العلن. وألقي القبض على أكثر من 40 شابا وفتاة وهم يحضرون حفلة عيد ميلاد في أحد المطاعم وفرضت بحقهم الغرامات. كما ازدادت المداهمات على الحفلات وعلى المنازل التي يشتبه في اخفاء أصحابها لاطباق التلفزيونات الفضائية. وتقول مريم وهي في العشرينيات من عمرها ومحبة لحضور الحفلات بأنها تعرضت للاعتقال عند موقف للحافلات حينما كانت في سن 16 عاما ووضعت في الحجز ليلتها قبل أن تجلد لعدم التزامها بقواعد السلوك السائدة وقتها, وتضحك مريم وهي ترقص على أنغام الموسيقى الغربية في شقة خاصة محتشدة بالشبان وتقول: (كانت تلك بداية لاهتمامي بالسياسة) . ويعترف آية الله عميد زنجاني الذي يصف نفسه بالمعتدل بأن المحافظين منقسمون حول المدى المسموح به للحريات الشخصية وبأن ايران تحتاج لنهج وسط. ويقول: لا يمكننا اتباع سياسات منفتحة في كل مكان ولا ابقاء الابواب مغلقة في كل مكان, في الدول الغربية هناك قضايا تعتبر شخصية مطلقة ولا تدخل ابدا ضمن صلاحيات الدولة مثل العلاقة بين الرجال والنساء والزي والاكل ليست هناك قوانين بهذا الشأن لكن بالنسبة للاسلام فإن معظم هذه الامور تدخل ضمن نطاق الصالح العامة ويجب على الحكومة ان تتدخل فيها. ويتذكر انه خلال زيارته مؤحرا للفاتيكان قال له احد الكرادلة القلقين من تدهور الاخلاقيات في الغرب بأن ايطاليا تحتاج فعلا لبعض الاسلام. ويقول زنجاني مشيرا الى خطر الكنيسة الكاثوليكية للزواج بين اصحاب الاديان المختلفة بأنه رد عليه قائلا نعتقد بأن بعضا من الفتيات النصرانيات سيكتسبن مزيدا من الاخلاقيات فيما لو تزوجن برجال مسلمين, فالرجل المسلم اكثر انضباطا في الناحية الاخلاقية من المسيحي, شأن اولئك غير المخلصين لزوجاتهم. ويرفض زنجاني بقوة اي ايحاء بفصل تدريجي للدين عن الدولة في ايران, وهي العملية التي يتحدث عنها قادة الاصلاحيين سرا لكن نادرا ما تظهر للعلن, وقد لعب خامنئي دور الكابح للاصلاحات لكنه ضبط ايضا المتطرفين النزاعين للعنف ويظل سماحه من عدمه للرئيس خاتمي ذي الشعبية بالمعني قدما في التغيير بسرعة كافية لارضاء الشارع الذي يتوقع منه الكثير الاختبار الاكثر اهمية امام متقلدي السلطة. ويشير حسين عظيمي البروفسيور في علوم الاجتماع والاقتصاد الى ان في ايران الان مليونا ونصف طالب جامعي اي اكثر بعشرة اضعاف مما كان عليه الوضع ايام الثورة ويقع مكتبه في جامعة آزاد الاسلامية التي ما زالت قيد الانشاء في بلدة حصارك على اطراف طهران المصمممة لتستوعب 40 الف طالب. يقول عظيمي (تشكلت على مدى السنوات العشرين الماضية طبقة وسطى نتيجة لتوسع الجامعات والبلدات, وهذه الطبقة قوية جدا وحينما تكون في صف المعارضة فإنها تعبر عن نفسها في صناديق الانتخابات. لكن على عكس الطبقة المتوسطة في الغرب فإن هذه الطبقة في ايران فقيرة ولا يتجاوز معدل الفرد فيها 600 دولار سنويا. يضيف عظيمي (لكن نريد لابنائنا ان يدرسوا في الجامعات لكن حينما يتخرجوا منها بعد سنوات يجدون انفسهم بلا عمل. وهذا التناقض هو الذي سيشكل قاعدة الاحداث في ايران, اقتصاد البلاد لا يستطيع توفير الحياة الكريمة لهؤلاء, مهما كان الشخص الموجود في السلطة. ويعتقد عظيمي ان الادارة الاصلاحية يمكن ان تفي بالحاجات العقائدية للمجتمع بتوفيرها مزيدا من الحريات الاجتماعية والسياسية, لكن اذا ما استمر الاقتصاد بالجمود كما كانت حاله طوال السنوات الاربع الماضية فإن الفقر والاحباط سيتزايدان. ويقول عظيمي بتخوف يرتسم على محياه (حينها يجب ان نتظر نوعا ما من الديكاتورية سنعود للوراء, والناس سيقبلونها, لكن اذا ما بدا الاقتصاد بالتحرك للامام فهو لن يفي بمتطلبات الطبقة الوسطى لكنه سيعطيها الرؤياء والامل بأن ابناءهم على الاقل سيحظون بحياة افضل) . ترجمة: جلال الخليل