كانت بغداد منذ تأسيسها تجمع بين الذين يريدون الزهد في الحياة, والانقطاع للعبادة وبين الذين يريدون الاستمتاع بملذات الحياة الدنيا, وتوفر لكل فئة من الفئتين ما تحتاج من اماكن, وما تتطلب من وسائل. فقد كان المسجد مركزاً من مراكز بغداد, وكان على الدوام شامخاً, مرتفعاً, معلوماً, مسموع الصوت في كل ارجاء المدينة, ولكن الذين يوهمون انفسهم بما هو دنيوي وممتع من اللذائذ كانوا يجدون في بعض الاماكن, وفي عمق البساتين, وداخل بعض البيوت والقصور ما يريدون من متعة, وما يطلبون من لهو..! وقد انجبت بغداد أبا العتاهية وافذاذ المتصوفين, ولكنها انجبت ايضاً ابا نواس والعديد من الشعراء الذين اتجهوا الى الخمر ووصف النساء الجميلات, والملذات الدنيوية. ولأن ابا نواس شاعر كبير, ومن الذين رسموا على خارطة بغداد الادبية والاجتماعية بصمات وآثاراً خالدة, وذات وقع خاص, فقد طبع اسمه على شارع من اجمل شوارع هذه المدينة, ومن اكثر الاماكن انفتاحاً على ما عرف به صاحب هذا الشارع من احتفاء بالملهيات وانشغاله بها, وافتخار (بمصاحبتها), والذين كرسوا حياتهم لها. دجلة ابي نواس بين شارع ابي نواس (المعاصر) والاماكن التي كان يلهو فيها في حياته, الكثير من الوشائج, فقد كان في بغداد العصر العباسي اكثر من عشرين ديرا, ورد معظمها في قصائد ابي نواس, وكان اغلبها كما تصف المصادر (في احسن موقع, وانزه موضع, تحف بها الاشجار وتكتنفها الكروم, ولها منظر جميل, تبتهج له القلوب, وتنشرح له الصدور) . وكانت حسب مصادر اخرى (من اكثر المواضع مياها وزرعا واشجارا) وهذا الوصف يكاد ينطبق على شارع ابي نواس الذي يعتبر من اكثر شوارع بغداد اخضراراً, اذ تمتد مع امتداده حديقة طويلة بأشجار عالية, تتراصف متشابكة ومتداخلة من رصيف الشارع الى ضفاف نهر دجلة, كما تكثر في هذه الحديقة الممرات الاسمنتية التي تعلو جانبيها الازهار والاعشاب, وتكثر فيها المصاطب الخشبية والاسمنتية المعدة للذين يرغبون في الجلوس والتأمل. والاديرة التي كان يرتادها ابو نواس في حياته كانت تقع على نهر دجلة, وشارعه (المعاصر) يقع على نهر دجلة ايضاً, فكأن الشارع يشكل امتداداً لهذه الاديرة, وكأنها خلعت ما كانت ترتديه من مظاهر (دينية) لتظهر كما هي شارعا نواسياً دون رتوش ودون مظاهر ودون اسوار, اذ كانت في زمانها لا تقف عند ارتداء المظاهر (الدينية) وحمل اسماء (الاديرة) وحسب, وانما كانت تحيط نفسها بأسوار وسياجات عالية ايضاً. واذا كان ابو نواس قد وجد في الاديرة السالفة مكاناً يجمع بين اللهو والشعر, بين اصدقاء اللهو واصدقاء الشعر, فإن شارعه النواسي (المعاصر) كان في فترات زهوه يمارس (الجمع) نفسه, وقد شهدت مقاهيه الكثير من التجمعات واللقاءات الادبية والثقافية, وخاصة مقهى (ياسين) الواقع في وسط شارع ابي نواس, اذ بدأت ونمت فيه الاتجاهات الادبية والفنية الجديدة في الخمسينيات, واستمع الى القصائد الاولى للسياب والبياتي والحيدري, وابصر الومضات الاولى لأفكار جواد سليم, الفنان العراقي الرائد والبارز. ولكن شارع ابي نواس (المعاصر) يختلف عن (الاديرة) السالفة في بعض الجوانب, فالاديرة متباعدة عن بعضها, وابو نواس عندما وجد كان على امتداده.. عبارة عن سلسلة من المطاعم المتلاصقة والمعلنة والمقاهي الواسعة. وكانت الاديرة معزولة عن المدينة منقطعة عنها ولكن شارع ابي نواس يقع في منطقة حيوية ومهمة في بغداد, فهو يشكل امتداداً لشارع الرشيد اعرق شارع في بغداد وقد وصفه البعض على انه الامتداد الليلي لهذا الشارع باعتبار ان جلساء مقاهي الرشيد في النهار ينتقلون الى حانات ومقاهي ابي نواس في الليل, وشارع ابي نواس يتصل بشارع السعدون الذي تقع فيه عدد من دور السينما وقاعات العروض المسرحية ويطل على ساحة التحرير اوسع واهم ساحة في بغداد وتطل عليه ايضاً عدد من افضل واكبر الفنادق السياحية في العراق. واذا كان ابو نواس قد عرف بارتياد الاديرة بشخصه فإن شارعه (المعاصر) قد اكتفى بالاسم والتمثال والشهرة فصاحبه معروف عربياً وعالمياً, وقد يكون من علامات بغداد المميزة ولم يكن التمثال بعيداً عن صاحبه اذ وضع فيه ابو نواس على قاعة طويلة حيث ظهر في اعلاها في جلسة شراب وهو يرفع الكأس من المائدة الى الشفتين دون ان يصلهما. ولم يكن ابو نواس في حياته كذلك اذ كان شغوفاً بالكأس مندفعاً اليه بشغف وبكل كيانه وكان يحمله بيديه وكأنه مسكوب في شفتيه ولكن الفنان الذي صنع التمثال اراد لابي نواس جلسة نواسية ابدية.. فلم يضع الكأس في شفتيه وظل فيها حاملاً للكأس وظامئاً له على امتداد الازمان والاجيال وكان الفنان على صواب.. فالذي يريد الخلود ينبغي ان يظل ظامئاً الى ما كان محور حياته وطموحه. شارع وظروف رغم ركونه الى السكون والهدوء فإن شارع ابي نواس لا يزال مهيباً ولا يزال محافظاً على اخضراره وعلى امتداده الطويل, وعلى اسمه النواسي. ولا يزال هذا الشارع يضم الى جانب العمارات العالية بيوتاً وعمارات تشير الى ازمنة بغدادية سابقة, وتشير الى نماذج من التراث المعماري العراقي. ذلك ان هذا الشارع المترف الجميل الباذخ الثراء والاريحية لابد وان يتأثر بظروف الحصار وان تضع عليه هذه الظروف بصماتها وآثارها. وذلك ما حصل فالذي يزور شارع ابي نواس هذه الايام لا يجد فيه ذلك الصخب المتوازن اذ ليس من المعقول ان يستمر الشارع على عادته (القديمة) في ظروف الحصار وان يظل (ابو نواس) متجسداً في الآلاف من النواسيين المنتشرين في عشرات الاماكن. ومع ان ابا نواس لا يزال واقفاً على قاعدة تمثاله ولا تزال يده قابضة على الكأس الا انه ما زال ايضاً متألقاً مع السائرين في شارعه او الجالسين على تخوت مقاهيه متذكراً معهم ما عاشوا فيه, وما عاش من ذكريات دون ان يشاركوه حمل الكؤوس ومعاقرتها.. فهذا الشارع الاخضر الجميل الطويل كان موضع عناية واهتمام رغم امتلاكه سماته الجميلة في المراحل السابقة, وكانت اعمال التطوير والصيانة متواصلة معه, معززة فيه مظهره الجميل ومشاهده المبهجة واخضراره الدائم. ومع هدير المدافع وقصف الطائرات وضجيج الرصاص في جبهات القتال في سنوات الحرب بين العراق وايران وما بعدها عقدت عدة ندوات وحلقات نقاشية لتطوير شارع ابي نواس ومن ابرزها الندوة الدولية حول احياء وتطوير شارع ابي نواس. وكان المطلوب في شارع ابي نواس عند تطويره ان يكون معرفاً نشاطاً وشكلا بأبي نواس نفسه وان يعرف الزائر ان هذا الشارع عباسي وان يكون حالة ملائمة للصورة التي تدل على روحية الانسان الحالي ابن الماضي العريق, وتدل على ولادة اصيلة من الماضي العريق للعصر الراهن.. وان يكون دالا على الخصوصية البغدادية في الفن المعماري البغدادي داخل الفن المعماري العربي الاسلامي العام. ومن التساؤلات التي طرحتها هذه الندوة: هل ينبغي انشاء منشآت تنسجم مع فعاليات ومنشآت موجودة في الشارع نفسه.. ام احياء هذا الشارع؟ واذا كان المطلوب احياء هذا الشارع.. فما هي الامور المطلوب احياؤها فيه.. هل يعاد تشكيله وفق اعتبارات تاريخية؟ هل ينبغي ان يكون دالاً على مرحلة تاريخية كبرى؟ هل ينبغي ان تنشأ فيه منشآت بسيطة بما تتوازن وتتجانس وتتناغم مع واجهات شارع ابي نواس؟ ذلك ان شارع ابي نواس مؤهل لطرح هذه التساؤلات ولا يزال يساعد على طرح المزيد منها, فهو شارع الحدائق الواسعة والشارع الذي يضيف له النهر كل عام مساحة جديدة من الاراضي الشديدة الخصوبة, وهو الشارع الذي يمتد على دجلة الخالد ويمكنك ان تكون فيه في ألف ليلة وليلة وتكون في افضل كورنيش وافضل جولة على نهر دجلة الرائع, وهو الشارع الذي يكاد ان يرسم في مخيلة الناس جانباً من بغداد على امتداد مراحلها حيث يقف ابو نواس في البداية في مقدمة سلسلة من الشعراء اللاهين لتعقبه اسماء واسماء من الشعراء والادباء او حيث تتوالى وتتعاقب الذكريات بين دجلة الخالد والاخضرار المترف الحافل بالمولعين بالحب والثقافة.. وقد نسمع في شارع ابي نواس نداءات ابن المعتز سليل الخلفاء وصديق ونديم الصعاليك الشعراء وقد نسمع فيه هارون الرشيد وهو يستعيد مع ابي نواس مع جلساته من الشعراء والادباء افضل ما قالت العرب من ابيات في الغزل والحكمة. وذلك ما كان عليه الناس في منتديات شارع ابي نواس فقد كانوا يغتنمون ما يعيشون من لحظات وكانوا يعبرون عن اغتنامها في حكمة نفيسة او نادرة او علاقة حميمة او اصداء تستعاد على امتداد الايام وتتواصل بالذكريات. بغداد ـ رزاق ابراهيم حسن