اصبحت حمى الهجرة والسفر الهم الاول لدى قطاعات كبيرة من الشعب العراقي, دونما استثناء لفئة عمرية او اجتماعية دون اخرى, فالجميع اصبح يلتقي حول هذه الرغبة شابا كان ام شيخا رجلا كان او امرأة. وهم السفر لم يعد للاستجمام او للاستطلاع او المتعة او حتى الدراسة كما كان في السابق بل اصبح المتنفس الاقرب للهروب من الواقع المر الذي فرضته ظروف الحظر والحصار. البعض نجح في تجربته ولكن الفشل كان مصير الآخرين الذين فضلوا العودة الى بلادهم لتنفس هواء الوطن مهما كانت الظروف التي يعاني منها. مراسل (البيان) في بغداد حاول الاقتراب من هؤلاء (العائد منهم) او القراءة في بريدهم للتعرف على حقيقة عدوى الاغتراب بين الاحلام الوردية والواقع الحقيقي. الحاجة قبل كل شيء ربما الحاجة في هذا الزمن الصعب, هي التي تدفع الشاب خصوصا, لوضع كل ما استطاع جمعه من مال في مشروع اسمه (السفر) فلماذا يا ترى لا يستغل هذا المال كبداية لمشروع صغير .. ثم يكبر, او يخسر كل شيء ويعاود احلامه بالسفر .. وربما يخسر كل شيء ايضا. يقول الشاب العائد من السفر قريبا (محمد كاظم): عندما عبرت الحدود, ووجدت نفسي مسافرا لم اكن اصدق ان ذلك الحلم بدأ يتحقق, وانني سأكون نفسي, وسأعود (مليونيرا) كما نرى في الافلام. وضعت كل ما املك من مال, وبعت اشياء كثيرة, ووعدت عائلتي بالتعويض. وذقت لوعة الغربة لمدة سنتين, لاعود بعدها وقد حملت تجارب كثيرة وخبرات مريرة في الحياة, لكثرة ما تعرضت له هناك من خداع, في الغربة .. اما موضوع المال, ومشروع (المليونير), فان ماجلبته معي ساعدني فقط على شراء سيارة اجرة, تأخذ اجرة تصليحها مني اكثر مما تمنحني نفعا. استقرار عائلي اثناء زيارتي لاحد اقاربي, وهو رجل كبير في السن, تلقى رسالة من ولده المسافر, وسرعان ما فضها, والتهم السطور بسرعة, ولاحظت الدموع تترقرق في عينيه .. ففزعت .. وسألته ان كان قد حدث مكروه .. ؟ لم يجبني, لكنه اعطاني الرسالة لأقرأها. كم تأثرت من كلمات الابن, الذي يقول في رسالته : (تطالبني يا ابي بالعودة .. و(الحصار) اخذ مني كل شيء .. استقراري, عائلتي, والتمتع برؤية اطفالي والجلوس معهم, اما الآن فانا اعيش كما الموظف قبل الحصار .. اعود ظهرا لاجالس اطفالي, ولدي بعض الفراغ استطيع من خلاله ترتيب وضعي العائلي, اضافة الى ان الراتب يكفيني, وان كان لا يجعلني من الاثرياء .. انه يكفي لسد احتياجاتنا, فلا تطالبني بالعودة الآن, ولا تعتقد ان الغربة شيء عادي .. انها اثقل من جبل على صدري .. احن لكل صوت عراقي, وكل شارع وزقاق في بلدي). تتضمن سطور رسالة هذا الشاب بعض التعريف بدمار الحصار, الذي شمل الدفء العائلي, ومتعة مجالسة الاب والام. الهروب من الثراء ربما من اغرب الحكايات التي سمعتها عن السفر, حكاية الشاب (بهاء رسول), الذي قال: انهكني الثراء .. فسافرت بحثا عن الشفاء .. وكيف ذلك؟ وجدت جميع اقراني يسافرون ويفكرون بالسفر, تدفعهم ظروف مختلفة .. اعجبتني هذه (الموضة) وقررت ان اسافر مع انني من الذين ولدوا وفي افواههم ملعقة من ذهب, كما يقولون , لم اعرف طعم ركوب الحافلة يوما, او الحرمان, لذا فقد نشأت عديم المسئولية, لا تهمني سوى متعتي .. وعندما بلغت الثامنة والعشرين وجدت ان السنين قد مرت وانا مجرد (انسان تافه), وفكرت .. فيما لو ذهبت ثروة والدي, فكيف اعيش انا؟ لم اذق شيئا من متاعب الحياة لكي اواكبها, لذا قررت السفر, والاعتماد على النفس, ولم اسمح لوالدي بارسال النقود لي .. عملت ليل نهار ومختلف المهن, وجربت النوم على الرصيف وتناول الاطعمة الرخيصة. وكم ضعفت واردت العودة, الا انني اثرت البقاء كي اتعلم من الحياة, والآن, وبعد ثلاث سنوات في الغربة, عدت محملا بتجارب كثيرة, اعتقد انها تمكنني من مواجهة اقسى الظروف, حتى انني قررت البدء بانشاء مشروع صغير خاص بي, بما جلبته من مال, ليس ترفا, بل رغبة في التكيف مع الواقع. الزواج خارج البلد رسالة اخرى من مغتربة في كندا .. انها السيدة (صبا عدنان) التي سافرت قبل سنتين, لتتزوج احد اقاربها, المغترب من سنين هناك, ارسلت رسالتها لتقص حكايتها قائلة: صبرت طويلا بدون زواج, ورفضت كثيرين في سبيل ان يكون النصيب في الخارج, كنت مبهورة بالعالم الخارجي, بكل مافيه من جمال وتقدم, كنت اريد اكتشاف الكثير, احببت السفر, واردته لاهرب من واقعي, لم اكن اريد الزواج في بلدي, لان الرجل في العراق مشغول طوال الوقت في السعي وراء لقمة العيش, في ظل الظروف الصعبة, وعندما تزوجت خارج البلد, ودامت الفرحة مدة شهرين, تخللتها رحلات مختلفة, وكم انبهرت بما رأيت, ولكن بعد ان انتهت شهور الزواج الاولى, وجدت نفسي وحيدة ابحث عن جارة عراقية فلا اجد .. اريد شخصا عربيا اتحدث معه دون جدوى, كما انني لا اتمكن من الاختلاط مع الموجودين, لان زوجي يرفض ذلك, انا اليوم, وبعد سنتين اجد نفسي حبيسة الجدران الاربعة, انظر الى العالم من خلال النافذة واتوق الى رؤية اي مكان في العراق, وكم ندمت ولمت نفسي .. فلو تزوجت في بلدي, لكنت قريبة من عائلتي واقربائي وجميع من احببتهم ..اما الآن, فلا احد معي سوى الصمت والوجوه الغربية ..! حياتهم عملية اما الآنسة (فرح مصطفى) التي جربت السفر, رغبة في تحقيق طموحها, فقد سافرت الى ماليزيا .. وكالعادة بهرتها الحياة هناك, الا انها عادت بعد اشهر من سفرها, برغم انها كانت مصرة على عدم العودة حيث قالت: في البدء اعجبني اسلوب الحياة هناك, وسبب سفري هو البحث عن المتعة وتحقيق الطموح .. لان المرأة في المجتمع الشرقي مقيدة, وغير قادرة علي تحقيق طموحاتها, لذا ناضلت حتى اقنعت عائلتي بضرورة السفر, بعد ان رفضت كل فرص الزواج لاجله, وسافرت .. عشت كالآلة, اخرج صباحا الى العمل, واعود مساء وقد انهكني التعب .. تسعة اشهر كانت طويلة للغاية, اخذت مني كل شيء, حياتهم عملية حتى انهم لا يعرفون الضحك او التسلية او وقت الفراغ, ولم يكلف احد منهم يوما نفسه بالقاء تحية الصباح او المساء, وكم حاولت الاختلاط بهم, الا انهم (يعملون فقط) ويحسبون الوقت بالنقود, انهم كالآلات يتحركون كما لو كانوا دمى, ويعاملون المرأة كمعاملتهم للرجل, لذا اخذ الشوق مني مأخذا الى كل ماكنت عليه قبل سفري .. اشتقت حتى لدخول المطبخ وطهي الأكلات العراقية, لان معدتي تورمت من (الساندويتشات) والفطائر المستعجلة لذا عدت هاربة من هناك, الى حضن امي, ولن اسافر مرة اخرى. بشر .. لا يطاقون اما (نبيل حسني) فقد عاد توا من بلد عربي, وطلب عدم ذكر اسم ذلك البلد, الا انه تحدث عن تجربته قائلا: لم احتمل البقاء هناك اكثر من اربعة اشهر, عدت بعدها الى هنا, وفضلت حفر التراب, واستخراج (المال) بدلا من السفر, لانهم هناك (لا يطاقون), فليس لديهم كرم العراقي ونبله, ولو وجودني ميتا على الرصيف لما سأل احدهم من الذي مات, او ما الذي مات!؟ اشخاص لا تهمهم سوى مصالحهم الشخصية. يحبونك اذا خدمتهم, ويكرهونك ان حاولت الحصول على حقك منهم .., لقد استغلوني ابشع استغلال, وسرقوا ثمرة اتعابي, وعدت خاسرا .. ووجدت ان التعامل مع ابناء بلدي (المحاصرين) افضل واسهل بكثير من التعامل مع (الغرباء)!! بغداد ـ البيان