تحرص مصر باعتبارها اول دولة عربية عقدت معاهدة سلام مع اسرائيل على ان ينظر اليها كوسيط في عملية السلام في الشرق الاوسط. وقد زار الرئيس المصري حسني مبارك واشنطن مؤخرا, كما استضافت القاهرة قمة اوروبية افريقية لبحث قضايا الديون التي تثقل كاهل الدول الافريقية, والعلاقات الاقتصادية المشتركة. لكن الاشارات التي لا تتسم بالوضوح بالضرورة الصادرة عن الحكومة المصرية هذه الايام يراها المراقبون شديدة التناقض بحيث انها تثير الحيرة حتى لدى الاختصاصين في دراسة الاهرام الذين يأتون الى مصر في اوقات معينة من كل عام. وباختصار فإن السؤال الاكثر الحاحا هو هل يصبح مجتمع مصر واقتصادها اكثر انفتاحا تماشيا مع باقي مجتمعات واقتصاديات العالم ام انهما يتجهان الى الانغلاق؟ ان جزءا من هذه الاحجية له طابع هيكلي. فمصر تحرص على صورة الدولة الديمقراطية, وذلك على الرغم من انها تخضع لحكم النخبة السياسية ذاتها منذ ثورة عام 1952 وهي بحسب نص الدستور جمهورية, لكن الدستور نفسه يمنح الرئيس صلاحيات واسعة النطاق, وتقول الحكومة انها تتبنى مبدأ السوق الحرة, وتفصل الدين عن السياسة, لكن الدستور المصري يتبنى كلا من اشتراكية الدولة والشريعة كمصدر اساسي للتشريع, ويتباهى المسئولون باستقرار البلاد في منطقة عاصفة. لكن مصر من الناحية الفعلية عاشت في ظل حالة طوارىء رسمية طوال الـ 61 عاما الماضية, باستثناء ثمانية اعوام لاغيرها تشكل الاستثناء من القاعدة. وقد تراكمت بعض المشكلات, مؤخرا فعلى الرغم من نجاح الحكومة بشكل قاطع في التغلب على تيار متشدد من تيارات المعارضة في صراع أودى بحياة 1300 شخص في منتصف التسعينيات, الا انها قامت لتوها بتحديد العمل بأحكام الطوارىء لمدة ثلاث سنوات اخرى. والقانون يسمح عمليا بالاحتجاز غير محدود المدة للمتهمين ويسمح بالتصنت على المكالمات الهاتفية من دون تفويض قضائي ويقيد عقد الاجتماعات. وقد وعد الرئيس المصري حسني مبارك بأن الانتخابات البرلمانية المزمع اجراؤها في نوفمبر المقبل ستكون اكثر نزاهة من سابقتها. وقد لا يكون هذا بالطموح البالغ, اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان الانتخابات التي اجريت في عام 1995 اسفرت عن حصول الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على 94% من مقاعد مجلس الشعب وخلفت 70 قتيلا ودفعت بالمرشحين في نصف الدوائر الانتخابية للاعتراض على النتائج في ساحة القضاء. وكعلامة على النوايا الحسنة, عين مبارك مؤخرا بعض الوجوه الشابة في قيادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ومن بينهم بعض الاقباط. لكن الشخصيات القوية المتنفذة في الحزب الوطني الديمقراطي لم تتحمس كثيرا لخطط اعدت لادخال نظام التمثيل النسبي ورفضت الدعوات لاصلاحات دستورية من شأنها ان تقلل التحيز ضد احزاب المعارضة القانونية الخمسة عشرة في مصر وقد رفضت اللجنة التي يسيطر عليها الحزب الوطني الديمقراطي والتي تدقق كل الطلبات التي قدمت لها لتشكيل احزاب جديدة منذ عام 1977 وحتى مارس الماضي عندما وافقت على جماعة من اشتراكيي المدرسة القديمة التي سيؤدي انفصالها عن حزب العمل الى تضييق آمال الحزب الانتخابية. ومن جانب آخر فإن الحكومة تبدو مفتقرة للوضوح فيما يتعلق بمواقفها حيال قضايا حقوق الانسان. وكانت وزارة الداخلية قد اطلقت سراح 840 سجينا من الاسلاميين المحكومين بفترات طويلة مع حلول عيد الاضحى في مارس الماضي وهو ما خفض عدد السجناء السياسيين المحتجزين بصورة ملموسة, الا ان المحاكمة التي تجري في محكمة عسكرية بحق حوالي 20 عضوا بارزا في جماعة الاخوان المسلمين الاقل تطرفا لا تزال مستمرة. وكان اعضاء آخرون في التنظيم قد واجهوا محاكمة مماثلة قبل انتخابات عام 1995 من اجل وضعهم على ما يبدو بعيدا عن عملية الانتخابات. ومعظم المصريين اكثر انشغالا بهموم اخرى مثل انظمة الصحة والتعليم الفاشلة من ان يعبروا عن دهشتهم ازاء التقلقلات السياسية. اما ما اثار الدهشة مؤخرا فهو التباين النسبي لسياسات الحكومة الاقتصادية. وتقول الحكومة انها ملتزمة بالاصلاح خاصة خصخصة الشركات الحكومية وقد تم بالفعل تحقيق الكثير في هذا المجال وقد ساعد تراخي الضوابط الاقتصادية على الحفاظ على النمو في حدود 5% واوجد شريحة متنامية من المستهلكين. غير ان رئيس الوزراء المصري دكتور عاطف عبيد لم يثر حماس المستثمرين مؤخرا باعلانه تعليق المبيعات لمصانع الاسمنت المملوكة للدولة على خلفية ان الشركات الاجنبية تحصل على سيطرة كبيرة على صناعة (استراتيجية) وعلى نحو مماثل قال وزير الاعلام دكتور صفوت الشريف ان الوقت قد حان للتفكير في دعوة الاستثمار الخاص في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ثم اوضح ان العرض محدود ببرامج الاقمار الصناعية (المحطات الفضائية) وذلك تحت رقابة حكومية. ان مثل هذه العلامات على المقاومة لتحرير الاقتصاد والتي تزامنت مؤخرا مع مخاوف حول سيولة محدودة وسعر صرف صارم للجنيه المصري مقابل العملات الاجنبية قد تحجب اسواق التجزئة والاسهم وكذلك الاستثمار الاجنبي الذي تعتبر مصر بأمس الحاجة اليه. وبالنسبة لبعض المراقبين في القاهرة, فإن سياسات الحكومة تشير الى وجود حوار ساخن وراء الكواليس بينالليبراليين والمحافظين ويعتقد المتفائلون ان المحافظين يخوضون معركة خاسرة وينفي اخرون ان تكون العصبة الضيقة من المسئولين عن الاعلام والانضباط في الحزب الحاكم تتعرض لأي خطر بفقدان قبضتها على الحزب. ومع فإن تردد الحكومة يوحي بوجود ما هو اكثر من حوار محترم في اوساط المسئولين من العيار الثقيل في المؤسسة الحاكمة. ترجمة: ضرار عمير