يبدو ان التصاعد في الاحساس بمعاناة الشعب العراقي والمطالبة برفع العقوبات الدولية المفروضة على بغداد منذ نحو عشر سنوات, قد رفع درجة الحرارة في اسرائيل ازاء الوضع في العراق, حتى ان صحافيا مثل تسفي برئيل يرى في مقال كتبه لصحيفة (هآرتس)، ان الولايات المتحدة (بدأت تسلم رويدا رويدا بفوز صدام حسين عليها وتخضع للضغوط الدولية والعربية المتزايدة, الامر الذي سيؤدي الى رفع العقوبات في نهاية المطاف) . وهذا ما كتبه برئيل: تعريف النجاح والفشل في كل ما يتعلق بالعراق اصبح في السنوات الاخيرة احد التعريفات الاكثر مرونة في مجال العلاقات الدولية, البحث الذي نشره معهد راند في الشهر الماضي تضمن تقريرا بان من الافضل للولايات المتحدة ابقاء العقوبات على حالها, باحثو المعهد يعتقدون ان هذه الطريقة وحدها هي التي تضمن منع تطوير قدرات العراق في مجال اسلحة الابادة الجماعية. على حد قولهم لو كان صدام حسين متعاونا مع وفود الرقابة لتمت ازالة العقوبات, ولكانت لديه اليوم قدرة هامة في مجال اسلحة الابادة الجماعية, من هنا يتوجب على كل من انتابه القلق من صدام ان يبذل قصارى جهده حتى تفشل مهمة وفد هانس بليكس رئيس فريق المراقبين الجديد في العراق, ووفقا لهذا التوجه سيكون هذا الفشل نجاحا للولايات المتحدة. الا ان قضية العراق التي تمت لتصحيح مشكلة عامة من مجال فلسفة السياسة تطرح امام الولايات المتحدة عدة تحديات مثيرة اخرى. اهم هذه التحديات هي الدرجة التي تستطيع فيها دولة عظمى طأطأة رأسها في مواجهة دولة من دول العالم الثالث والتنازل عن مبادئها وترك زعيم هذه الدولة الذي يشك في سلامة عقله تملي ليس فقط السياسة تجاه بلاده وانما تتجاوز ذلك الى حد املاء السياسة الاقليمية بل والعالمية. عدا عن كل ذلك تضطر الولايات المتحدة لمواجهة السؤال: هل تستطيع دولة ديمقراطية اتخاذ قرار بطريقة ديمقراطية في استخدام وسائل غير ديمقراطية لازاحة طاغية خطير حتى اذا تسببت هذه الوسائل في الوقت الحالي بموت الاف والقضاء على جيل كامل, كما قال هانس فون ـ سبونك منسق شئون حقوق الانسان في العراق. ثمن المكانة الاعتبارية حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا بقيتا القوة الدافعة بقوة لمواصلة فرض العقوبات وهما لا تنشغلان في الوقت الحالي في هذه المسائل, مثل اي هيئة سياسية, قضية المكانة الاعتبارية اهم في نظرهما بكثير وبدرجة معينة من الحق ـ مكانة المجلس الاعتبارية هي عنصر ضروري في قدرته الردعية, ولكن الادارة الامريكية اكتشفت مع السنوات ـ عشر سنوات تقريبا ـ ان للمكانة الاعتبارية ثمنا سياسيا باهظا: تسرب روسيا والصين وفرنسا ودول اوروبية اخرى من التحالف السياسي الاوسع وضغوط الدول العربية المستعدة منذ الآن لقبول العراق في صفوفها (حتى الكويت وافقت في هذا الاسبوع على تقليص مطالبها من العراق) والثمن الاقتصادي المترتب من خسارة الاستثمارات ومن النفقات الهائلة لوضع قوة عسكرية في الخليج والاضرار الواسعة في حقوق الانسان التي تنسب بشكل متزايد الى من يفرض العقوبات بدرجة تفوق من تسبب فيها, كل هذه العوامل تزج بالولايات المتحدة في موقف تبريري ودفاعي عن النفس. والولايات المتحدة اضطرت بناء على ذلك لتقديم بضع تنازلات, فقد وافقت على توسيع اطار مبيعات النفط العراقية المخصصة لتغطية الاحتياجات الانسانية, كما قبلت واشنطن اقتراح تشكيل فريق جديد للمراقبين يكون خاضعا لمجلس رقابة تشارك فيه دول ذات مصالح مغايرة لمصالح الولايات المتحدة, ايضا قبلت الولايات المتحدة بدون رد باشتراك العراق في المؤتمرات والاجتماعات العربية, وفي الاسبوع المقبل سيكون وزير الخارجية العراقي محمود الصحاف شريكا في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي سينعقد في بيروت. الاملاء العراقي الادارة الامريكية وافقت ان يدرج مراقبو الامم المتحدة في قائمة موظفي الامم المتحدة وليس ممثلين عن الدول التي سيأتون منها, واضطرت ايضا الى قبول الاملاء العراقي بشطب اسم رولف اوكايوس من رئاسة الفريق. الا ان هذه التنازلات قد تكون في اقصى الاحوال دلائل على مرونة الولايات المتحدة كما يقول الناطق بلسان الخارجية الامريكية عندما يطلب منه الرد على اتهامات منسق شئون حقوق الانسان في العراق, ولكن من الناحية الواقعية تجد الادارة الامريكية نفسها هدفا للهجمات المتزايدة لانها تقوم بـ (ابادة شعب) كما قال دنيس هاليداي المنسق السابق لشئون حقوق الانسان الذي استقال غاضبا من منصبه بسبب العقوبات, الآن تضطر الادارة الامريكية لمواجهة ادعاءات بديله فون سيونك الذي استقال في هذا الشهر بغضب عارم, وكذلك استقالة بوتا بورغ هاردت من خطة الغذاء العالمية التي قررت ان العقوبات المفروضة على العراق قد تسببت في موت آلاف الاطفال. ايضا عندما تهاجم الدول العربية الولايات المتحدة بسبب سياستها تجاه العراق, تقوم بذلك بواسطة الادعاء بوجود مساس في حقوق الانسان, على هذا النحو تشعر الدول العربية بالحرية في مناكفة سياسة الولايات المتحدة ايضا في كل ما يتعلق بعملية السلام وسياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها الادارة الامريكية تجاه اسرائيل وتجاه الفلسطينيين وعدم تحريكها ساكنا عندما تقوم اسرائيل بـ (قتل المواطنين العزل والابرياء في لبنان) . (ولماذا يتوجب علينا ان نقبل الهجمات الامريكية على العراق, وكأنها مسألة بديهية واعتبارها حؤولا دون سيطرة دولة عربية على جارتها والسكوت على الوجود الامريكي في الخليج العربي باعتباره قوة دفاعية واقية في الوقت الذي لا يحرك فيه جنودها ساكنا للدفاع عن المواطنين العرب من الهجمات العدوانية الاسرائيلية) تساءل باستغراب احد الصحفيين المصريين. وتساءل صحفي لبناني آخر: لماذا يتوجب ان تكون مكانة الاطفال العراقيين خصوصا والعرب عموما اقل من مكانة الاطفال الاسرائيليين, وعندما يهدد وزير خارجية اسرائيل بان بلاده ستقتل طفلا لبنانيا مقابل الطفل الاسرائيلي لا يثور عليه اي احد في الولايات المتحدة وفي ذات الوقت الذي يموت فيه في كل يوم مئات الاطفال العراقيين من سوء التغذية ومن نقص الادوية دون ان يكترث احد لذلك؟ هذا اتجاه متكرر في مداولات الدول العربية: الادارة الامريكية قد تواصل اتهام صدام حسين وحتى لو كانت ادعاءاتها صحيحة في اساسها الا ان قادة الدول العربية لا يقتنعون بذلك. في آخر المطاف وظفت مستشفيات العراق مختصين اجانب قدموا افضل المعالجة الطبية للاطفال في ظل صدام حسين ذاته في السابق. اطفال العراق يتحولون الى الثقل المضاد لسلاح الابادة الجماعية, الولايات المتحدة تدرك ذلك والامم المتحدة قد ادركت ذلك ولم يتبق الآن الا صيغة تسوية للموازنة بين حقوق الانسان وبين الحاجة لمنع تطوير سلاح ابادة بيولوجي وكيماوي ومن اجل ايجاد هذه الصيغة المتوازنة وجه امين عام الامم المتحدة كوفي عنان لهانس بليكس الدعوة لرئاسة فريق المراقبين الجديد. ليس قرار عالم بليكس لم يكن الاختيار الاول لامين عام الذي يأتي لتطبيق قرار الامم المتحدة الصادر في سبتمبر والذي كان قد فوضه بتشكيل فريق المراقبين الجديد بعد عام ونصف من تعليق عمل الطاقم الاستفزازي برئاسة ريتشارد باتلر ومغادرته لبغداد. في البداية طلب عنان من اوكايوس الذي سبق باتلر ان يعود لتشكيل طاقم المراقبين الجديد, اوكايوس وافق الا ان العراق اعلن انه لن يتعاون معه, صدام حسين يرى في شخصه الشرور التي انزلها الغرب على بلاده. في سنوات العقوبات الاولى اعتقد العراقيون انهم سينجحون في الحصول على المصادقة لرفع العقوبات من اوكايوس, الا ان هذا الاخير الذي كان قريبا من التوقيع على هذه المصادقة حصل في اللحظة الاخيرة تماما على كنز من الوثائق بعد ان فر صهر صدام الى الاردن وادلى بالمعلومات التي بحوزته . وهكذا تحولت الرقابة الى عملية مطاردة بدلا من ازالة العقوبات وادرك عنان ان لا جدوى من تشكيل طاقم لا يستطيع الدخول الى العراق حتى. بليكس لم يحصل بعد على موافقة العراق, الا ان بغداد لم ترفض تعيينه على الفور, امامه الآن اربعون يوما لتشكيل طاقمه الذي لن يكون مختلفا كثيرا عن الطاقم السابق. ومحاولة الدخول للعراق, هذه هي المهمة الاولى المطروحة عليه, بعد ذلك سيضطر ايضا لمراقبة قدرة العراق على انتاج اسلحة الابادة الجماعية والتشاور مع اعضاء المجلس الذي شكل من اجل الاشراف على عملية الرقابة واخيرا التقرير اذا كان العراق قد لبى شروط مجلس الامن واصبح مستحقا للاعفاء من العقوبات. عنان يأمل ان تساعد شخصية بليكس المريحة ومرونته وكونه خاضعا لمجلس دولي في تجاوز العقبة التي افشلت اوكايوس وباتلر. في الواقع يتضح بشكل متزايد ان هذا ليس مجرد قرار يصدر عن عالم مختص او باحث في مواقع السلاح. وانما هو يصدر عن السياسيين الذي سيضطرون لاتخاذ قرار بشأن الحدود التي تبدأ فيها تصرفات دولة عظمى غربية ديمقراطية تصبح شبيهة بتصرفات الدكتاتور, وهكذا في هذا المسار ايضا سيتبين ان المبادرة تنتقل الى ايدي صدام بدلا من ان يقوم الغرب باملاء انماط السلوك عليه.