عادت المخيمات الفلسطينية في لبنان لتشكل نقطة الضوء والاستقطاب, لكن هذه المرة من زاوية اكثر تركيزا على (الفصائل والتنظيمات) وتدريب المتطوعين على استخدام الاسلحة, وان كانت تبقي خطا عريضا واساسيا ضمن اللوحة الام المتعلقة بمصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بعد اقرار التسوية او من ضمنها. التدريب على السلاح فقد عاد الانشغال الفلسطيني واللبناني بتلك الزاوية منذ ان اعلن العقيد منير المقدح (المنشق سابقا عن حركة (فتح) في مخيم عين الحلوة) عن تدريب متطوعين على السلاح في المخيم, تحوطا للقيام بما يلزم من عمليات ضد اسرائيل انطلاقا من اراضي لبنان, في حال انسحبت منه من دون الاعتراف بحق عودة اللاجئين الى فلسطين. واوضح المقدح لقد جاءنا عشرات المتطوعين من المخيمات الفلسطينية في لبنان من اجل ان يتدربوا او يكونوا بكامل جهوزيتهم بعد التطورات التي حصلت في الجنوب, لكننا لم نتخذ قرارا نهائيا باستقبالهم, فهذه المسألة لا تزال قيد الدرس والتقويم, لان المخيم (عين الحلوة) لايستوعب الاعداد التي تأتي من المخيمات الاخرى. يضيف: ان ما يحصل الآن ماهو الا اعادة تأهيل لمجموعات موجودة في المراكز, علما ان مثل عملية التأهيل هذه مسألة روتينية بالنسبة لنا. واشير هنا الى ان آخر دورة خرجناها كانت منذ نحو ستة اشهر وضمت حوالي 250 مقاتلا, كما اننا اعدنا, خلال الاشهر الستة هذه, تأهيل نحو 1200 مقاتل. ويربط المقدح ذلك بالظروف القائمة, بقوله: مادام الفلسطيني لاجئا خارج ارضه, فهو في خطر دائم نتيجة الضغوط المستمرة والمعاناة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في شتاته. وهذه المعاناة تنطبق على الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها في ظل الغطرسة والهيمنة ووجود الاحتلال الاسرائيلي على ارضنا, واننا نعد بانه بعد تنفيذ القرارين 425 و 194 الصادرين عن مجلس الامن سنقدم سلاحنا هدية للبنان ولشعبه. ثم يستدرك قائلا: انني اطمئن جميع اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان انه لايمكن ان تقع اي مشكلة في المخيمات, او بين المخيمات والجوار, فبنادقنا موجهة نحو الاحتلال الاسرائيلي مع حرصنا الكامل على الحفاظ على الامن في لبنان وعلى الامن القومي, ونكرر بالقول ان هذه البنادق التي نملكها تبقى اولا واخيرا ضد المحتل الاسرائيلي, حتى يقر بحقنا في العودة الى وطننا فلسطين. الانقسامات (السلاح) الاخطر تعكس تلك التصريحات الهادئة للمقدح حقيقة تقول ان المشكلة الحقيقية ليست في التدريب على السلاح في المخيمات, فهو من قبيل تحصيل الحاصل, فالاسلحة موجودة في المخيمات, والمسلحون ينتمون الى فصائل وتنظيمات, يقوم كل منها بتدريبات يومية لعناصره, وهذا اضعف الايمان ايضا في ظل الظروف القائمة نتيجة الاحتلال وعدم التوصل الى السلام العادل والشامل المطلوب. بل لعل تلك المشكلة تكمن في حقيقتها الصارخة في الانقسامات القائمة بين تلك الفصائل والتنظيمات والتي تشكل (السلاح) الاخطر سواء على الفلسطينيين ام على اللبنانيين على حد سواء, حسب ما يؤكد مصدر سياسي فلسطيني محايد. والدليل العملي على ذلك في قضية التدريب والتطوع تلك ان امين سر حركة (فتح) في لبنان العميد سلطان ابو العينين رد على ما يقوم به (رفيق الاخوة) في الحركة قبل انشقاقه (المقدح) فنفى من مقر اقامته في مخيم آخر (الرشيدية) وجود اي قرار فلسطيني على المستويين السياسي والعسكري بتدريب المقاتلين او تطويع عناصر جديدة. مشيرا الى ان لدى فتح ومنظمة التحرير ما يكفي من هؤلاء ولافتا الى ان الفلسطينيين في لبنان لن يتخلوا عن سلاحهم طالما ان قضيتهم لم تجد طريقها الى الحل. ويتابع قائلا: ان هذا السلاح يرتبط ارتباطا عضويا بمصيرنا السياسي كفلسطينيين وبحق العودة لنا استنادا الى قرار الامم المتحدة الرقم 194. وعن نوعية هذا السلاح يقول: بطبيعة الحال انه سلاح خفيف لانه سبق لنا ان سلمنا اسلحتنا الثقيلة والمتوسطة الى الدولة اللبنانية, اما ما يحصل في مخيم عين الحلوة (المقدح والتطوع) فهو مجرد همروجة اعلامية. يشكل ذلك التناقض في التعاطي مع ما يحصل جانبا من الخلافات في ظل تشرذم التنظيمات الفلسطينية العاملة على الساحة اللبنانية فكيف تتوزع؟ وماهي الاسس التي تحكم ذلك؟ يقول احد المراقبين انه: في السبعينيات سطع نجم (ايلول الاسود) وانطلقت (الجبهة الشعبية الثورية لتحرير فلسطين) و (المنظمة العربية لتحرير فلسطين) واعلنت ولادة (نسور الجليل) لكنها اختفت تدريجيا. ومع تطور مسار الاحداث الفلسطينية واللبنانية على حد سواء بعد العام 1975, ووصولا الى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982, ومن ثم احداث طرابلس 1985, ومن بعدها حرب المخيمات في بيروت عامي 87 و 1988, توالت الانشقاقات وبرزت الى الواجهة تنظيمات جديدة, تبلور دورها بحكم انكفاء دور منظمة التحرير, وعمادها الاساسي حركة (فتح) وما عرف لاحقا بـ (الدور العرفاتي) وبحكم علاقاتها مع دمشق. وبنتيجة المستجدات السياسية الاقليمية مع بداية التسعينيات, بدا ان الوضع الفلسطيني يراوح مكانه لكنه استمر مرآة تنعكس فيها كل التطورات, فينشق المقدح مثلا في عين الحلوة, فيما انضوت الجبهات المعارضة لاتفاق اوسلو في ما سمي (فصائل التحالف) وضمن عشر جبهات, واصبحت لاحقا ثماني بانسحاب الجبهتين (الشعبية) و (الديمقراطية) لتحرير فلسطين. ويتابع المراقب السياسي قائلا: جغرافيا تبدو المخيمات الفلسطينية الآن على مساحة كل لبنان, يتوزعها انعكاس واضح للحال السياسية التي تحكم الوضع الفلسطيني, فالمخيمات عانت فرزا واضح المعالم منذ خروج عرفات من بيروت, ولاحقا من طرابلس, فمن البديهيات القول ان مخيمات الشمال اللبناني والبقاع وبيروت, ليست ساحة عرفاتية على عكس مخيمات الجنوب والتي يدين القسم الاكبر من سكانها بالولاء لعرفات, واذا كنا نعرف ان 50 في المئة من فلسطينيي لبنان موجودون في الجنوب, لادركنا ان (فتح) مع ماتمثله من انعكاسات لعرفات وسلطته, لا تزال التنظيم الاكبر والاكثر استقطابا وتأثيرا في صفوف الفلسطينيين مهما تنوعت, الاعتراضات على سياسة عرفات واختلفت. وثمة مقارنة اخرى تضاف الى التوزع الجغرافي هي الوجود العسكري لتلك التنظيمات, فمخيمات الشمال والبقاع وبيروت مناطق (منزوعة السلاح) وهي وان تكن ساخطة عسكريا الا ان سلاحها الفردي موجود في يد بعض التنظيمات في حين ان الترسانة في مخيمات الجنوب لاتزال في (حال جيدة) . فكيف تتوزع خريطة تلك التنظيمات في لبنان؟ فصائل منظمة التحرير يبلغ عدد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية العاملة في لبنان ستة, منها ثلاثة رئيسية, وثلاثة اخرى تعتبر امتدادا لحركة (فتح) وتستمد وجودها منها, وتاليا, فان لا تأثير عسكريا او سياسيا لها منفصلا عن الحركة خاصة وان لها ممثلين في السطلة الفلسطينية, وهي (حزب الشعب الفلسطيني) (سليمان نجاب), (جبهة النضال الشعبي) (سمير غوشة), و (جبهة التحرير الفلسطينية) (ابو العباس), اما الفصائل الثلاثة الرئيسية فهي: اولا: (فتح) التي تعتبر اقوى التنظيمات انتشارا في لبنان خاصة في مخيمي الرشيدية والبص (منطقة صور الجنوبية), وعين الحلوة (في شرق صيدا), تمتلك امكانيات عسكرية ملحوظة, وكذلك مالية حيث يمولها الصندوق القومي الفلسطيني. ويقول امين سرها العام في لبنان العميد سلطان ابو العينين ان الحركة تعتبر ايضا الاكثر حضورا وتأثيرا وفعالية ضمن الاتحادات والمؤسسات التابعة لمنظمة التحرير, وانها, كذلك, التنظيم الاكثر قدرة على (التجنيد) واعداد كوادر جديدة تتوزع بين التفرغ الكلي او الآخر الجزئي. ثانيا: (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) التي يمثلها في لبنان المسئول عن العلاقات السياسية فيها ابو فادي راجي. وتملك الجبهة حضورا خاصا في مخيمات الشمال والبقاع, وهي ذات منطلقات يسارية منذ ان انطلقت مع امينها العام الدكتور جورج حبش (الحكيم). ثالثا: (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين), كانت قد انطلقت هي الاخرى مع نايف حواتمة من مبادىء يسارية ايضا, تلتقي الجبهة و (الشعبية) وان تكونا على خلاف حالي على تجميد عضويتهما في منظمة التحرير. تنتشر في مختلف المخيمات في لبنان, وتتمتع بخصوصية تحرك داخل المنظمات الجماهيرية والنسائية والشبابية والعمالية, وكانت الجبهة التي يترأسها في لبنان علي فيصل قد اعلنت عن تسليم كامل اسلحتها بعد معارك شرق صيدا عام 1990. فصائل التحالف المعارض يضم هذا التحالف على الساحة اللبنانية ثمانية فصائل يجمعها انحسار في التواجد والحضور والتأثير لاسباب سياسية ومالية ولا تتمتع باية (لمعة) في المشاركة بما يحصل في تلك الساحة فلسطينيا , وهي : 1ـ (الحزب الشيوعي الثوري) زعيمه عربي عواد. 2ـ (جبهة التحرير) زعيمها ابو نضال الاشقر. 3ـ (جبهة النضال) زعيمها خالد عبد المجيد. 4بـ (فتح ـ الانتفاضة) التي يتزعمها ابو موسى. 5ـ (الصاعقة) التي كان امينها العام وقائدها زهير محسن حتى اغتياله في باريس, ويرأسها حاليا عصام القاضي, وهي جزء من (حزب البعث العربي الاشتراكي) في سوريا. 6ـ (الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) التي يتزعمها احمد جبريل المقرب من دمشق, ويتواجد في كل مخيمات لبنان, من دون ان تكون له منظمات جماهيرية تتمركز مواقعه العسكرية في تلال الناعمة الى الجنوب من بيروت, والتي تشكل هدفا للغارات الاسرائيلية بين فترة واخرى. الجدير ذكره ان التنظيمات الثلاثة الاخيرة (فتح ـ الانتفاضة ـ الصاعقة ـ القيادة العامة) تشكل جهازا امنيا مشتركا على مستوى مخيمات بيروت والشمال, وتسيطر بالتالي على (اللجان الشعبية) العاملة خارج اطار (فتح) . 7ـ (الجهاد الاسلامي) وهو تنظيم فلسطيني حديث العهد, يتواجد في مخيمات لبنان كافة ويتميز بالتماسك ودقة الاداء, يرفض, كما يقول المسئول عنه في لبنان ابو عماد الرفاعي, كل ما تقوم به السلطة الفلسطينية. 8ـ (حماس) تنتشر في كل المخيمات ايضا, ولها في لبنان مكاتب اعلامية, كماهو الحال في العديد من الدول العربية الاخرى باعتبار ان وجودها الرئيسي داخل فلسطين: في غزة والضفة الغربية, لا تخضع لمبدأ تقسيم التنظيمات, بل تنشط في المساجد والانشطة الدينية والسياسية المشتركة, ترتبط بعلاقات جيدة مع (حزب الله) و (الجماعة الاسلامية) في لبنان, حيث المسئول عنها فيه اسامة حمدان. ممثل (حماس) : عملنا سياسي ويجيب ممثل الحركة في لبنان اسامة حمدان عن سؤال حول ما اذا كان لها وجود عسكري فيه فيقول: يعرف الجميع ان وجود (حماس) خارج الارض المحتلة هو سياسي واعلامي, يسعى الى حشد التأييد للقضية الفلسطينية وجهاد شعبنا الفلسطيني, سواء في الوسط الشعبي او على المستوى الرسمي العربي والاسلامي. ثم يجيب حمدان عن سؤال آخر يتعلق بالاوضاع الامنية والعسكرية في المخيمات في لبنان, ويرد على من يصفها بانها اشبه ما تكون بـ (جزر امنية) خارج القوانين اللبنانية, فيقول: ليس صحيحا, ان المخيمات اصبحت جزرا امنية, بل ان واقعها هو جزء من عملية تاريخية, وتجربة مرت بلبنان الذي يشكل الفلسطينيون فيه جزءا من تركيبة هذه التجربة, وكي لا نخوض في تفاصيل الماضي, فان اتفاق تنظيم اوضاع الفلسطينيين في لبنان, رتب مسئوليات على الطرف الفلسطيني, اي منظمة التحرير الفلسطينية تجاه الفلسطينيين, ومسئوليات اخرى عليه تجاه الدولة اللبنانية. لكن ثمة نقطة يجب لفت النظر اليها, وهي انه من المهم ان يلاحظ الجميع ان التحريض ضد الفلسطيني لمجرد انه فلسطيني لن يكون له باي حال مردود ايجابي, بل على العكس ربما يدفع باتجاه ما يحذر منه المحرضون, وبالتالي فان نداءنا للجميع و دعوتهم الى ان يتحروا الدقة والموضوعية, على اساس ان لايؤخذ بريء بجريرة مذنب.