اكتظت حركة المرور في قلب حي مدينة نصر بالقاهرة وتحديدا في اهم شوارعها عباس العقاد حيث تدافع آلاف السودانيين حول مبنى الجامعة العمالية منذ السادسة مساء ليستمروا حتى ساعة متأخرة من مساء الخميس الماضي للمشاركة في مهرجان سياسي صاخب اقامه حزب الامة بالقاهرة. اقيم المهرجان بمناسبة ذكرى انتفاضة ابريل التي اطاحت بالرئيس نميري لكن حجم الاحتفال وروح استعراض القوة ومشاعر الاحساس بالنصر التي سادت فيه رجحت أن يكون الاحتفال هو احتفال بالعودة ورسالة إلى القوى السياسية الأخرى بحجم وفاعلية حزب الامة. بدأ الاحتفال بكلمة د. كمال أحمد فضل المسئول عن أمانة حزب الامة بالقاهرة , واشار فيها إلى تضحيات الشعب ونضالاته من أجل الديمقراطية وقال: أن الديمقراطية من مطالب الشعب السوداني الاساسية ولن يقبل إلا الوصول إلى أعلى مراتبها, ثم اضاف بأن الشعب السوداني لن يتوانى عن حراسة منجزاته الديمقراطية وسيظل يسعى بكل الطرق وبوسائل متعددة لتحقيق هذا النهج وأنه يكفى نتيجة لهذا النضال اليوم أن الانقاذ تتحدث الآن بلسان معارضيها. ثم تحدثت نون الضاهر مسئولة أمانة المرأة فرع القاهرة, فقالت: كانت المرأة في السودان دائما دعما وسندا للحرية والديمقراطية والسلام فهي ومنذ المهدية أم الشهيد والمناضلة.. واضافت نون بأن الانصاريات وجدن انفسهن من وقت مبكر مسئولات عن بث الروح الجهادية والقيام بنوع من التوجيه المعنوي والدعوة إلى عدم الركون إلى التخاذل. واستعرضت نون نضالات المرأة السودانية عموما والانصاريات خصوصا في مواجهة الحكومات العسكرية, وقالت: رغم المعوقات ظلت المرأة تعطي بلا حدود, كان دورها واضحا في مواجهة القمع, وفي 6 أبريل عام 1985م خرجت النساء هاتفات في المظاهرات يتعرضن للقمع ولا يتحملن مسئولية البيت مع غياب العائل في السجن بل ويتحملن بأنفسهن ظلمات السجن حتى دك الطغيان وسقط نميري. واستطردت نون: لكن القصة لم تنته, فذات صباح غير مشرق استيقظنا مرة أخرى على المارشات العسكرية وحكم الانقاذ.. وبمسئولية كاملة وكأننا نعرف وضع اقدامنا وعدنا إلى خنادقنا لنقاتل من جديد. ثم تحدث بعد ذلك أحمد ابراهيم دريج رئيس التحالف الفيدرالي والذي استقبلته الجماهير بحفاوة غير عادية وقال: اعتدنا في السودان أن نضع كل الفرص التي تمر علينا وجرت علينا مناسبات كثيرة نحتفل بها دون أن نتوقف.. فعندما جاءت أول حكومة وطنية عام 1953 كانت فرصة أن تجلس الناس سويا لوضع أسس تحكم بها السودان, فأي بلد خرج من الاستعمار والحرب يجلس الناس فيه لوضع اساس للحكم ووضع دستور, الدستور يخلق مؤسسات الدولة ويضع الحقوق الاساسية للمواطن ويسمح لكل مواطن ان يتمتع بحقوق أساسية كاملة مدنية وشرعية وسياسية. نحن حتى اليوم في السودان لم نضع دستورا وعشنا مع مشاكلنا وحروبنا. الحرب بدأت في الجنوب ولكنها عمت السودان بأكلمه, وبسبب هذا لم يجلس الناس لوضع اسس سليمة لحكم السودان, أسس تنبع من واقعنا لأن السودان وطن قارة به تعددية دينية وعرقية . والحرب استنزفت مواردنا البشرية والمادية حتى اصبحنا افقر بلاد العالم نعيش على هذه الصدقات, أنني اتصور أن هذه المناسبات سواء كانت انتفاضة رجب أو أكتوبر أو الاستقلال لابد أن يطرح فيه هذا السؤ ال : ماذا فعلنا باستقلالنا وماذا فعلنا برجب وماذا فعلنا بأكتوبر, وأرجو أن يكون هذا آخر احتفال نحتفل به ونحن مقصرون, نرجو أن تكون الاحتفالات القادمة سعيدة داخل الوطن. وأضاف: ماذا فعلنا بأكتوبر؟ الحكومة الانتقالية اهتمت بحرب الجنوب, وفعلا عملت (المائدة المستديرة) وجاء اخواننا الجنوبيون الذين كانوا يقاتلون وليم دينق ومن معه, جاءوا ليجلسوا ويجدوا حلا, وفعلا تمخضت لجنة الاثنى عشر وتوصل الناس إلى نتيجة. وفي ذلك الوقت لم تكن مشاكل السودان تعقدت كما اليوم, الاخوة الجنوبيون كانوا يطالبون بنظام فيدرالي, كل أقليم يأخذ حكمه الذاتي في نظام السودان الموحد.. وعندما قال الشمال إن الفيدرالية معناها الانفصال, هنا بدأت المشكلة الحقيقية. كذلك لم ينفذ وعد الحكومة الانتقالية بوضع دستور دائم بعد انتخاب الجمعية التأسيسية, ثم جاءت ثورة رجب واطاحت بالنميري وفكرت الحكومة الانتقالية في وقف ا لحرب في الجنوب ثم قالوا مؤتمر مائدة مستديرة وتوصلوا لبعض الاسس لكنهم استعجلوا.. كان رأيي أن المشاكل الخاصة بالحرب واللاجئين قد استفحلت ولذلك لم أكن مع انتخابات سريعة وقدمت ورقة بسام (نحو نظام جديد للحكم) أطالب فيها بنظام فيدرالي يضم الاحزاب والنقابات والمزارعين والرعاة وممثلي الاقاليم ورجال الدين والنساء, ونضع دستوراً دائماً للبلاد. ثم انتقل دريج للحديث عن الوضع القائم حاليا فقال: أحد أهم مشاكلنا في الوقت الراهن اننا نتصور أن النزاع بين الديمقراطية والعسكر, ونسينا أن مشكلة الوطن الرئيسية هي الوحدة والسلام, فالكل يهتم بكراسي السلطة ويضعون الوحدة والسلام في المرتبة الاخيرة, لذا فإن التحالف كان تنظيماً سياسياً وليس حزباً سياسياً, لأنه لا يسعى للسلطة, ووضعنا أسس تنبع من واقع السودان وفق التعددية الدينية (مسلمين مسيحين وثنيين) والتعددية العرقية, وحرصنا على أن يكون هناك سودان وا حد يضم كل الاعراق والفئات, وكذلك فأن السودان بلد كبير مترامي الاطراف ولا يمكنه حكمه من مركز واحد, ولابد أن يحكم بطريقة تجمع بين الفيدرالية والكونفدرالية. وأضاف دريج: الجنوبيون تصوروا أننا وعدنا ولم نف, وهو ما لم يحدث, فإما أن نقبل جميعا العمل بالاسس التي تحدثت عنها والضرورية لوحدة السودان, وإما أن نوافق على تفكيك السودان! قرنق مع وحدة السودان, وهو يقول ذلك دائما وأنا أصدقه, ومطلوب منا أن نحاسبه لا أن نبحث في الضمائر, وكذلك مطلوب منا أن نحتويه لا أن نخذله, وأن نصون معه العهد, وهو أهم من أي شيء آخر. ولابد أن نعرف أن قرنق تمارس عليه ضغوط هو الآخر من (جنوبيين) أيضا أمثال بونا ملوال ودنيق, حتى رياك مشار نفسه يطالب بالانفصال عن السودان وعن قرنق ذاته. وهو بذلك اصبح محاصرا من أهله لأنه يريد الوحدة. كل ذلك يدعونا إلى القول بأن السودان في مفترق الطرق, ولابد من الو حدة لنجدته, فنكون أو لا نكون, وأقول لمن يتصارعون على السلطة: (لو ما عندنا سودان, حتحكموا شنو؟!) . وحول الخلافات بين الامة والتجمع قال دريج: لا أتصور أن حجم الخلافات بين الحزبين كما يبالغ في تقديرها البعض, فهناك ظروف سياسية هي التي تحكم تلك الخلافات, وأظن أن الاختلاف في تقديرات المحللين السياسيين هي التي صعدت الأمر إلى الحد الذي نشهده الآن.. فكل تحليل يحتمل الصواب والخطأ.. والأيام هي وحدها هي الحكم بين تلك الآراء والتوقعات وفي الوقت ذاته ستوضح الخطأ من الصواب.. ونحن في التجمع لا نرفض الحل التفاوضي, وهناك حلول طرحت في الفترة الأخيرة تتعلق بالمبادرتين (المصرية الليبية والايجاد) لكن المطلوب السعي لاكمالهما والتوقف عن تبادل الاتهامات بين الاطراف. وتحدث ابراهيم رضوان وزير الصناعة الاسبق في الحكومة المنتخبة ديمقراطيا والقطب الاتحادي, وقال: نرقب منذ فترة طويلة ما يدور داخل التجمع أملا في الوصول إلى حل شامل, وكنا نأمل أن يرتقي الجميع لمستوى المسئولية الوطنية ومواجهة الخطر الدائم.. ورأينا أن ما قام به الصادق المهدي منذ خروجه من السودان وحتى اليوم ينبع من الاحساس بالمسئولية لانقاذ البلاد من ويلات الحروب.. وهناك من الاصوات من تصفنا بالهزيمة والانكسار , لكن يجب أن يعلم الجميع أن علاقتنا في الاتحاد الديمقراطي بحزب الامة علاقة استراتيجية لمدة تزيد عن 20 عاما مقبلة, ولن يستطيع أحد أن يؤثر عليها, ولم نتأثر كذلك بتلك الآراء. واضاف رضوان: ما يتم الآن سحابة صيف لا خير فيها و لا ماء, ونحن في الاتحادي والامة لن نرهن ارادتنا لفرد أو مجموعة, ونرى أخوتنا يشدون الرحال إلى أم درمان ونحن معهم قلبا وقالبا وسنلحق بهم مناضلين وليس مستأنسين, فالكل تواق للديمقراطية وارجاعها إلى مسارها الصحيح. وبدأ الصادق المهدي حديثه وسط هتافات الحضور الصاخبة التي استمرت طويلا, وقدمه مسئول المنصة بصفته رئيس الوزراء الاسبق ورئيس الوزراء المرتقب, وقال المهدي: ليس هناك خلاف في المبادئ ولا الوسائل بين حزب الامة والتجمع.. وإنما هناك خلافات في التعامل مع المستجدات التي يرى البعض أنها مجرد طوارئ عارضة, بينما نرى ضرورة الاسراع بمعالجتها لخدمة قضية الوطن الواحد. ويضيف المهدي: السودان بلد لا يفهمه كثير من البلدان, فالمجتمع لدينا أقوى من الدولة, والمجتمع طوع الدولة وفرض عليها الاتجاه الشعبي, الا أن الكثيرين لا يفهمون ذلك, وأنا لست مع الأخ (دريج) فيما قال حول الفرص الضائعة, التنمية السياسية في السودان مستمرة, وما لا يقتلنا يقوينا, والشعب عاش مراحل متعددة من الحكومات الشيوعية والديكتاتورية والاسلامية, وتحصن ضد كل تلك الاتجاهات . وحول انتفاضة أبريل قال المهدي: لم تولد الانتفاضة يوم 6 أبريل, فأول المحطات كانت عام 1970 حين واجه النظام السوداني نظام مايو المتحالف مع الشيوعية, انتفاضة آبا وودباوي وظن أنه نجح في قمعها , وفعل ما يحلو له بالحكم, وهو ما أدى إلى انقسام داخل مايو ومحاولات انقلاب الشيوعيين.. والانقلاب الشيوعي أيضا لم يذهب سدى, حيث أدى الصراع بين مايو والحزب الشيوعي لفتح الباب للغرب والكنائس ولاتفاقية أديس ابابا ,1972 وحقق الجنوبيون بنضالهم حرية نسبية, كما حدث أيضا في الشمال وكان من بين نتائجها خروجي من السجن. ويواصل المهدي الحديث: حين خرجنا من السجن نظمنا انتفاضة شعبان ,1973 وحين تراجع نميري عن الحريات التي تعهد بها من قبل, قررنا أن ننتقل لاسلوب آخر من المواجهة, حيث حاولنا اسقاط النظام عبر انتفاضة يونيو المسلحة, إلا أنها لم تأت بالنتيجة المرجوة, لكن النظام أدرك أن القوى السياسية التي ظن أنه استأصلها لم تنته لتظهر بعد ذلك المصالحة الوطنية والتي جاءت في صورة اتفاق على الديمقراطية, ومايو اتفقت معنا على ذلك وهذا مسجل بالوثائق. وتحدث المهدي عن الاوضاع الراهنة, وقال: صمودنا خلال السنوات الماضية جعل النظام يدرك أن هناك اشياء لا يمكن التنازل عنها من قبل الشعب الذي يرفض التطبيق الاسلامي الحزبي القائم ونرفض الديكتاتورية القهرية مع الحرب الاهلية في الجنوب. ولا شك أن من أفضل انجازات الشعب السوداني أن المعارضة بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي كانت بمثابة (مدرسة) لتكوين فكر جديد يقاوم الافكار الانتهازية والاستئصالية, كما أن التجمع أفرز مدرسة مضادة تفرز فكراً جديداً لمعالجة الافكار المريضة ومعالجة مشكلة السودان. وغير صحيح الادعاء أن تلك الافكار اتت من الخارج فكلها صناعة محلية من أم درمان من قلب السودان وليس للخارج أي تأثير عليها.. وحق تقرير المصير خلق حواراً بين الداخل والخارج, وضغط على النظام ليتراجع أمام رأي وفكر المدرسة الجديدة, بل وبدأ يتعامل بمنظومتها وبدأ يتخلى تدريجا عن افكاره القديمة التي يأتي في مقدمتها الإيمان بالتعددية الحزبية وعدم تكفيرها, كما كان ينادي من قبل. ويضيف المهدي: المعارضة نجحت خلال السنوات الماضية في تغير المسار السياسي في السودان ومن بين انجازاتها جعلت من النظام (لفتة) بعد أن زالت اللعنة, وبدأت في تنشيط العلاقات مع دول الجوار, ومن ثم فأنه من الخطأ أن نقول أنه لا توجد تغيرات خلال السنوات الماضية, وليس من المهم البحث في ضمائر النظام بل المهم هو العمل الذي امامنا. وانتقل المهدي لرؤيته الخاصة لاداء عمل حزبه السياسي, وقال: هناك أجندة وطنية تحوي العديد من الخطوات التي نتبعها في الفترة المقبلة, وهي على النحو التالي: 1) اتفاقية سلام مبنية على مقررات اسمرا 2) تحول ديمقراطي حقيقي 3) لا مركزية في الحكم 4) دولة الوطن بديلا عن دولة الحزب 5) رد المظالم 6) علاقات حسن الجوار 7) علاقات مع الاسرة الدولية خلاصة القول ـ والحديث مازال للمهدي ـ الشعب السوداني صار عنده قناعات وطنية وأجندة قابلة لأن ترعاها الاسرة الدولية, وهناك خطر حقيقي حاليا من التدويل, فوليم دينق طالب الاسرة الدولية في خطابه في نيروبي باتخاذ اجراءات معينة من خلال مجلس الامن لاحلال السلام في الجنوب, ومجلس الامن كما نعلم ليس مؤسسة خيرية أو خدمية, وحين يقوم بعمل عسكري سيقوم بعمل عسكري انطلاقا من الاجندة السياسية.. فهل نحن نريد أجندة سياسية تفرض على بلادنا, أم ماذا؟ نحن لسنا ضد مجلس الامن بل نحترمه ونقدره ونقدر دوره, إلا أننا لا نريد أن تملى علينا اجندتنا السياسية, ومن ثم يمكن أن نتفق الآن على وقف اطلاق النار في بعض الامور, حتى الحل السياسي ممكن أن ن تفق عليه من خلال تلك الاجندة السياسية, ويمكن تدويل القضية على نحو حميد يمر عبر الارادة السودانية, وليس تدويل خبيث يفرض على الارادة السودانية. وخلص الصادق المهدي إلى أن الموقف الحالي ملائم لاعمال الاجندة الوطنية والوصول للوحدة والسلام, وقال: صحيح أن البعض يسأل (ما هي ضماناتكم؟ فمن الممكن أن يسجنوكم؟) ونحن نسألهم: (حتى لو حدث هذا, فشبر حرية في السودان أفضل من ميل حرية في الخارج (.. البعض يقول اتفاق ثنائي ونحن نرد عليه أن هذا الامر عرض علينا اتفاق ثنائي من كل ديكتاتور حكم السودان ورفضنا تلك الحلول, والمشكلة ليست من يحكم السودان, وانهى الصادق المهدي حديثه بأن حزب الامة عائد واجندته واضحة وسيعمل على ثلاثة محاور: * اعادة بناء الحزب وتنظيمه عصريا ليكون اشبه بمدرسة تخاطب الاجيال الجديدة بطريقة تناسب القرن الجديد . * تعبئة سياسية شاملة حول الاجندة الوطنية. حملة دبلو ماسية مع جيراننا الذين تجمعهم بنا اليوم علاقات جيدة. القاهرة ـ خالد محمود