الأثرياء يتدخلون لصالح سيد الكرملين ، يلتسين يعزف على الوتر الشيوعي لاستقطاب الروس كان يناير 1996 شهر الاستطلاعات بامتياز بالنسبة للرأي العام في روسيا. فبعد تعرف البلاد على عملية استطلاع الرأي أخذت مختلف المؤسسات تطلب من الشركات الخاصة باجرائها تنفيذ استطلاعات متزايدة في تعقيدها. وفي موسكو وحدها كانت أكثر من عشر شركات متخصصة بالاستطلاعات تحصل على طلبات من زبائنها, سواء كانوا صحفا أو محطات تلفزيون أو أحزابا سياسية أو تحالفات, كل منها يبحث عن حظوظ مرشحه الرئاسي في الفوز, وكل مرشح يبحث عن الوسائل الممكنة للهجوم على منافسه. لكن الأرقام التي كانت تلك الاستطلاعات تظهرها عن يلتسين بدت محبطة. فلم يقل أكثر من 10% من الناخبين الروس إنهم سيصوتون له في الانتخابات الرئاسية في 16 يونيو المقبل. وفي المقابل أعرب 20% منهم عن دعمهم لمرشح الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف و13% أبدوا حماسهم لجريجوري يافلنسكي و10% لكل من فلاديمير جيرونفسكي وألكسندر ليبيد. ومن بين كل المرشحين لم يتخلف عن يلتسين سوى اثنين هما فيكتور تشيرنوميردين (7%), وايجور جايدار (3%). وهنا برز في الكرملين استراتيجيان اثنان استجابة لهذا التدهور الكارثي. الأول هو الكسندر كورجاكوف, والثاني نائب رئيس الوزراء أوليج سوسكوفيت. حيث وصل الاثنان إلى ان على يلتسين أن يركز في جهوده الانتخابية وتصرفاته وبرنامجه على قطاع اليسار من الناخبين. فبعد عام من التقريع الشديد الذي وجهه لاعلام للحكومة بشأن حرب الشيشان الأولى, وبعد استقالة آخر اثنين من الديمقراطيين وهما كافيلوف وجايدار من المجلس الرئاسي, وجد استراتيجيا الكرملين انه ليس هناك كبير فائدة في التقرب من الديمقراطيين أو برنامجهم, وأن أمل يلتسين الوحيد لاعادة انتخابه هو العزف على الوتر الشيوعي. يلتسين أو الطوفان كان كورجاكوف يؤمن بأن الصدام بين يلتسين والشيوعيين ما هو إلا صداما شكليا ومصطنعا, هندسه مستشارا الرئيس الروسي, جورجي ساتاروف وأناتولي تشوباييس. وكان كورجاكوف على استعداد لأن يعرض على الشيوعيين مناصب وزارية مقابل الحصول على دعمهم ليلتسين. ويقول كورجاكوف انه تحدث أواسط ابريل مع تشيرنوميردين لالغاء الانتخابات أو تأجيلها على الأقل وضمان موافقة الشيوعيين على ذلك باعطائهم حقائب وزارية. وكان كورجاكوف يستعد للاعلان عن خطته تلك في بداية مايو. لكن فريق يلتسين الانتخابي الذي حول مقر اقامته الريفي الرسمي إلى غرفة للعمليات رفض فكرة كورجاكوف, واعتبر ان الغاء الانتخابات سيكون بمثابة كارثة. وكان رأي جايدار واضحا في ذلك حيث قال: (إن فوز الشيوعيين في انتخابات حرة أفضل من الغاء الانتخابات الذي سيجعل من الشيوعيين أبطالا في نظر الشارع الروسي) . حينها قام ساتاروف وحسم الأمر بقوله للفريق: حسنا لقد قضي الأمر, والآن ليس لدينا إلا مهمة واحدة ومهمة واحدة فقط, يجب أن نكسب الانتخابات. بدأ الفريق بوضع الاستراتيجية, فأولا يتعين على يلتسين أن ينجز مهمتين عاجلتين لارضاء الشارع, وهما: دفع المتأخرات من الرواتب والأجور, وحل أزمة الشيشان. فتحقيق التقدم في هاتين المسألتين سيعزز سريعا من وضع يلتسين. وثانيا ان يلتسين يواجه منافسة هائلة من المرشحين, لكن حين حصر السباق الانتخابي معه بين منافس أو اثنين آخرين ستنعكس الآية كما أظهرت استطلاعات الرأي. ومن ناحية أخرى يتعين على فريق يلتسين أن يضع أمام الناخب الروسي خيارا واحدا واضحا لا ثاني له. وهو انه سيختار في يونيو المقبل ليس رئيس روسيا فحسب بل مستقبلها السياسي والاقتصادي. أي ان حملة يلتسين ستنجح إذا ما تمكنت من اقناع الناخب الروسي بأنه سيختار بين الاستمرار في النهج الحالي الاصلاحي بكل عيوبه وبين أن يعود للماضي الشيوعي. ويبدو ان هذا هو ما اقتنع به السياسيون والمثقفون الروس فعلا وعبرت عنه صحيفة (ليتراتورانيا جازيتا) حينما قالت: (ليس المهم الآن هو طول قائمة أخطاء يلتسين. فهذا يجب ألا يدفعنا للتصويت ضده, والسبب واضح ومعروف وهو ان البديل ليلتسين هم الشيوعيون الذين ان تسلموا السلطة سيعيدوا البلاد إلى الوراء. وعلى الناخب أن يختار بين استمرار روسيا على طريق الديمقراطية أو العودة لماضي بريجينيف) . وأخيرا وضعت خطة ساتاروف هدفا آخر لابد من تحقيقه, وهو اظهار لياقة الرئيس البدنية والصحية لأداء مهمته رئيسا للبلاد. وهذا يعني العودة ليلتسين لما قبل عام 1994. ومجرد اصدار بعض الصور والتصريحات له لن يفي بالمهمة. ولتحقيق هذا الهدف ذهب يلتسين إلى أقصى مدى. فلم يكتف بلعب التنس في الملاعب المفتوحة, بل انه قام برقص الروك آندرول أمام الجماهير وكاميرات التلفزيون بين غيره من الراقصين والراقصات, ليثبت للناخب الروسي عيانا جهارا انه لائق بدنيا. اللعب في الخفاء فيما كان فريق يلتسين الانتخابي يعمل داخل روسيا, كانت هناك أياد أخرى تعمل في الخفاء, بعيدا عن الأضواء خارج روسيا. تلك الأيادي التي وجدت في يلتسين ضمانا لاستمرار مصالحها. ففي نهاية يناير 1996 وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا استمع بعض من أثرياء روسيا للمرشح الشيوعي جينادي زيوجانوف وزعيم الكتلة الديمقراطية الوحيدة في الدوما جريجوري يافلنسكي. ولعدم اقتناعهم بالثاني وخوفهم من الأول, أرسل هؤلاء أغنى رجلين روسيين على الاطلاق وهما فلاديمير جيسنسكي, وبوريس بيرزوفسكي للحديث مع رجل آخر هو اليهودي أناتولي تشوباييس المحسوب على الديمقراطيين. قال هؤلاء لتشوباييس: (بينما أنتم ـ وعذرا للتعبير ـ معشر الديمقراطيين منشغلون بالتحليل والتمحيص بشكل مكثف في الحالة الراهنة, وتجرون مفاوضات مكثفة فيما بينكم, فإن يوم 16 يونيو أصبح على الأبواب, والأمور أخذت تحسم بشكل مسبق. ونحن لا نستطيع أن نتعايش مع زيوجانوف, وسيكون علينا اما أن نحاربه بكل الوسائل الممكنة, وثق اننا نمتلكها أو ان نهجر روسيا نهائيا. ونحن لدينا الارادة الكفيلة بأن نوظف كل ما لدينا من امكانيات لنحقق ما نريد) . وفي دافوس لم ينته الاجتماع إلا وكان تشوباييس قد أعطى موافقته بالوقوف في صف يلتسين. في 15 فبراير 1996 أعلن يلتسين على الأمة بصوته الخشن المتعب الذي يقطعه السعال انه سيدخل الانتخابات الرئاسية. كان ذلك أمرا متوقعا, لكن ما لم يكن معروفا بعد للناخب الروسي هو بأي استراتيجية سيدخل الانتخابات. قال يلتسين مخاطبا مستمعيه: (تذكروا الطوابير الممتدة للحصول على الخبز والسكر عام 1991. هذه الأيام قد انتهت, ولن يعرف أولادكم وأحفادكم ما يعنيه نقص الغذاء وبطاقات التموين. ما الذي حقق ذلك؟ إنها أسعار السوق الحر التي طبقتها عام 1992) . استرضاء الشارع أما البطاقة الأخرى التي كانت في أيدي أعداء يلتسين في حرب الشيشان. ويعترف يلتسين في بداية حملته الانتخابية قائلا: (إن لم أسحب القوات الروسية من الشيشان فيجب أن أنسى أمر الترشيح للرئاسة) . وفي خطاب متلفز في 31 مارس وعد يلتسين بالتوصل لحل سياسي للأزمة الشيشانية. ولأول مرة أقر يلتسين بأن موسكو مستعدة للتفاوض مع دوداييف مع ان ذلك سيكون عبر وسطاء. واعترف أيضا بأن مستقبل الشيشان ستحدده المفاوضات المستقبلية بين جروزني وموسكو. وفي أواسط مايو, وفي اطار خطوة ألقت بالرعب في قلوب حراسه, أعلن يلتسين عزمه السفر إلى الشيشان. وقال لمستمعيه في بلدة استراخان المطلة على نهر الفولجا: (سأذهب إلى الشيشان بنفسي لأجبر الجميع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات) . لكن القائد الشيشاني زيلمخان نيدرباييف الذي خلف دوداييف الذي أغتيل في 21 ابريل رد بالقول انه لا يستطيع ضمان سلامة يلتسين وأن الحق في الثأر للرئيس دوداييف يعد قضية شرف لكل شيشاني مخلص. وبعد ذلك بأسابيع وعلى وجه التحديد في 27 مايو أجري أول لقاء وجها لوجه بين القيادة الروسية وقادة المحاربين الشيشان حينما اجتمع يلتسين بيندر باييف في الكرملين ليوقعا اتفاقية لوقف العمليات العسكرية. كما وافق الرئيس الروسي على حق الشيشان في اختيار دستورها الخاص وسيادتها الكاملة على مواردها المالية والطبيعية داخل الاتحاد الروسي. كما اتفق الجانبان على تحديد الحدود الدقيقة بين سلطات موسكو وجروزني في اتفاقية مستقبلية. وفي اليوم التالي طار يلتسين إلى الشيشان وهبطت طائرته في أوستيا على الحدود الشيشانية لينتقل بعد ذلك على متن مروحية إلى جروزني ثم إلى بلدة برافوبير جنوي الشيشانية. وفي جروزني أمسك بالميكرفون محاطا بالدبابات والعربات المدرعة وخلفه مروحية هجومية ليخاطب كبار السن من سكان المدينة وتحدث إلى الجنود الروس وشكرهم على (بطولاتهم وشجاعتهم في خدمة بلدهم روسيا) . وقال (ان المسئولية السياسية عن الحرب تقع على كاهله, وليس على الجيش) . وبعد أن أنهى حديثه مع الجند, وعد سكان جروزني بتقديم حصادتين للقرويين وتجهيز المدارس بفصول خاصة لتعلم مهارات الكمبيوتر. ثم التفت ليستخدم سطح عربة مدرعة كطاولة وليوقع مرسوما يسرح فيه كل الجنود الذين أمضوا ستة أشهر أو أكثر في الشيشان. بعد ذلك بيومين وفي مدينة أوف الروسية قال يلتسين بفخر للمواطنين الروس: (لقد حققت السلام في الشيشان وهذا يعني السلام في روسيا بأسرها أيضا) . لكن المراقبين كانوا يعلمون بأنه يقصد استعادة السلام مع ملايين الناخبين الروس. يلتسين الشيطان في المقابل كانت حملات المعارضة الشيوعية والقومية تشتد شراسة ضد يلتسين وأعوانه. وشنت صحفهم أعنف الحملات عليه متهمة إياه ببيع روسيا للغرب ولليهود, حيث خصصت صحف البرافدا وسوفتسكايا روسيا ورافدا روسيا وزافترا وجلاسنوست من بين 150 مطبوعة أخرى مناصرة لزيوجانف كل جهودها وامكانياتها لترويج برنامج المرشحين المعارضين ليلتسين. أخذت هذه الصحافة تصور يلتسين على انه الدمية الكريهة التي يحركها الغرب من الخارج وأنصارهم اليهود من الداخل. وامتلأت صفحاتها بمئات الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة من يلتسين, التي تصوره بصورة الكاذب والوقح والمتوحش والماكر والمتعجرف وغيرها من هذه الصفات البشعة. في إحدى هذه الرسوم يتعلق يلتسين بزجاجة على شكل أحد أبراج الكرملين وهو يصرخ: (لن أتخلى عنه) فيما ذراع عامل ضخمة تشده من ملابسه. وفي لوحة أخرى يصوره الرسام على هيئة جزار أمام قطعة لحم معلقة خلفه وعليها كلمة (روسيا) وهو يبيع البلاد, وذلك على هامش اجتماع قمة الدول الصناعية السبع في موسكو ابريل 1996 حينما اتهمته المعارضة الروسية بتقديم أسرار القوة النووية الروسية للاجتماع. وفي إحدى الرسوم يسأله كلينتون: (هل أنت واثق انك قلت كل ما لديك من معلومات؟) . أخذت تهمة بيع روسيا للغرب والمستثمرين الغربيين تصبح السلاح الأهم الذي تستخدمه المعارضة ضد يلتسين. وفي عملية البيع هذه لا يكتفي الرئيس بلعب دور المراقب, بل اتهم بأنه المدبر لهذه العملية بتوجيه من اليهود الذين يسيطرون على الغرب الرأسمالي ووضعوا خطة مبرمجة لتدمير روسيا. ومن بين كل المؤسسات الروسية التي قالت المعارضة القومية والشيوعية بأن يلتسين باعها لليهود, تسببت الهيمنة اليهودية على تلفزيون الحكومة الروسي بأكبر قدر من الغضب. وحينما سئل فيكتور أبنيلوف وهو من أقوى رموز المعارضة ليلتسين داخل الدوما وأشد أنصار زيوجانوف عن خططه فيما لو فاز مرشحه ودخل هو الحكومة قال انه سيطرد كل اليهود من التلفزيون الحكومي الروسي. وأضاف: (اننا نرى هذه الوجوه اليهودية على شاشة التلفزيون الحكومي ونشعر بأن ذلك اهانة لنا) . أصبح يلتسين ومعه اليهود حوله كالشياطين في الحملة الانتخابية للمعارضة التي وصفتهم بأنهم يتآمرون على تدمير روسيا. وعلى الصفحة الأولى من جريدة سوفتسكا يا روسيا صور يلتسين على هيئة القاتل الذي يخوض في بركة من الدماء الشيشانية. ولم تعد المعركة الانتخابية في الشارع الروسي صراعا ضد يلتسين أو صداما عقائديا وحزبيا بل مواجهة بين الخير والشر, بين النور والظلام. وعشية الانتخابات خرجت صحيفة (زافترا) بمقالة جاء فيها: (بصراعنا مع يلتسين في انتخابات يونيو فإننا لا نحارب طبيعته البشرية ووجهه المتعجرف ولا كذبه ولا حماقة قوانينه, بل نحارب الشر المتمثل فيه والشيطان القابع أعماقه) .