ثقب أسود جاذبية هائلة بلا ضوء يلتسين يسيئ للدبلوماسية الروسية في برلين ونيويورك ودبلن يتابع مؤلفنا ليون آرون مناقشة تبعات حرب الشيشان الأولى على المسيرة السياسية للرئيس الروسي بوريس يلتسين, فيوضح انه حينما خاطب يلتسين الأمة, أخيرا وبعد طول انتظار من جانب رجل الشارع الروسي في 27 ديسمبر 1994 بشأن الحرب الدائرة في الشيشان, قال انه أصدر الأوامر بـ (التوقف عن استخدام القصف المدفعي والجوي في العمليات الحربية الذي قد يتسبب بوقوع الضحايا بين سكان جروزني المسالمين) . لكن القصف المدفعي والصاروخي استمر بضراوة وشراسة مرعبة لشهر آخر بعد ذلك. وبعد أن استولت القوات الروسية على القصر الرئاسي في جروزني يوم 19 يناير ,1995 أصدر يلتسين بيانا يعلم فيه الجميع (بأن المرحلة العسكرية من عملية استعادة الدستور الروسي قد انتهت) . لكن الحرب استمرت سنة ونصف بعد هذا البيان الرئاسي. وفي يناير ,1996 أخذ يلتسين يبرر الاخفاق التام للعملية العسكرية في بيرفومايسكوي على التلفزيون الروسي. ويقول إيجور جايدار الذي كان من أشد أنصار الرئيس يلتسين تحمسا ان أقواله كانت (أبعد ما تكون عن الحقيقة) . وان سماع أقوال يلتسين أصبحت عملا (مؤلما ومربكا ولا يحتمل) . وهنا قرر جايدار الاستقالة من المجلس الرئاسي وهو الهيئة الاستشارية الرئاسية التي تتكون من المواهب الليبرالية البارزة على الساحة الروسية, والذي كان آخر العلاقات التي تصله بالكرملين. كانت تصرفات السلطة الروسية بالنسبة للنخبة المثقفة في البلاد تشكل ردة مرعبة للمرحلة السوفييتية. وبدا واضحا ان السلطة تريد أن تجبرهم على عدم تصديق عيونهم, على التوقف عن التفكير والتحليل, على عدم الشعور بالتعاطف مع الشيشانيين الذين لا يزالون مواطنين روسا وعدم الشعور بالعار من تصرفات الكرملين. والأكثر خطرا بالنسبة لهم هو انها طلبت منهم اراحتها من نقد العامة وتركها حرة لتقرر على أي من المواطنين الروس تطلق النار. وكأن ما حاول يلتسين انجازه بعد ذلك, فإنه لم يكن من الممكن أبدا للمثقفين الروس نسيان هذه الخيانة الصارخة من جانب السلطة لمن ساندها دعما للديمقراطية. حزب الحرب أصبحت بطانة الرئيس يلتسين بمثابة (حزبا للحرب) , حيث تتكون من وزيري الدفاع والداخلية بافيل جراتشيف وفيكتور يارين ورئيس وكالة مكافحة الجاسوسية سيرجي ستيباشين ورئيس الحراسة الشخصية الرئاسية ألكسندر كورجاكوف ورئيس أمن الكرملين ميخائيل بورساكوف. وتحت الاسم المستعار (يلتسين) كان هؤلاء الخمسة هم من يصنعون السياسات ويديرون شئون البلاد, وليس الرئيس الفلعي الذي أصبح شيئا فشيئا بعيدا ومزعزعا ومضطربا. نعم, كان الليبراليون الروس يسمعون الأصداء المشئومة لانفجار القنابل ورشقات الرصاص في جروزني تتردد داخل موسكو في سياق حرب ضروس متأزمة بين روسيا الامبراطورية وروسيا الليبرالية. وبدا ان الثانية تذبح فداء للأولى منذ قمع القيصر للثورة البولندية عامي 1863 - 1964 مرورا بسحق السوفييت لربيع براج وانتهاء بالفجاجة ما بعد الستالينية الدائرة في الشيشان. كانت حرب الشيشان المرض الأكثر خطورة الذي أصاب روسيا في طفولتها ما بعد السوفييتية, وهو المرض الذي كان مرشحا لاصابة الديمقراطية بالشلل أو لتعزيز هذه الديمقراطية بخروجها منتصرة في معارضتها لحرب الكرملين في الشيشان. لكن شيئا فشيئا أخذ الاحتمال الثاني يبدو أبعد, بل وربما بدا رومانسيا أيضا. في جروزني دفن يلتسين مقدرته على قراءة أذهان الروس, فلم يسبق له أن فشل بهذا القدر في حساب مزاج البلاد. وأصبح الكثير من المراقبين يحسون وبثقة بأن السلطة الروسية إذا ما أخذت تدمن الحلول البسيطة المنفردة, فلن تتمكن لاحقا من الاقلاع عنها ويلتسين, الذي بدأ ثورته السياسية زعيما ديمقراطيا, أخذ يبدو للشارع الروسي وكأنه يلعب لعبة أخرى مختلفة تماما. لقد تراجعت شعبية يلتسين بين خريف 1993 وربيع 1994 بنسبة الثلث في صفوف الناخبين الروس. وفي روسيا المحررة من الشمولية السوفييتية, بدأ يلتسين يعاني مما عانى منه الجنرال شارل ديجول, ولاحظه في فرنسا المحررة من النازية, والذي وصفه بقوله: (أخذ تيار الحماس الشعبي الذي كان ينصب في اتجاهي فقط قبل التحرر يتدفق الآن في قنوات متعددة) . كانت نفقات حرب الشيشان الأولى طائلة, وأصبح من المستحيل على الحكومة مقاومة التضخم وعجز الموازنة. ومع حلول يناير 1995 أصبح التضخم يتزايد بنسبة 16% شهريا! وهبط الروبل لرقم قياسي مقابل الدولار الذي أصبح يساوي 4004 روبلات. والسبيل الوحيد لتجنب تضخم هائل هو تقليص الموازنة, وبمعنى آخر فرض مزيد من الفقر والتقليص لدخول الموظفين الحكوميين, وهي الدخول الهزيلة والبائسة أصلا, وتضم هذه الفئة الملايين من العمال في المصانع الحربية والمدنية الحكومية والضباط والجنود والأطباء والمعلمين والعلماء وغيرهم. وتسلم أناتولي تشوباييس, الذي أصبح نائبا لرئيس الوزراء مهمة التحكم بالتضخم, هي المهمة التي نفذها بكل شراسة, فأوقف طبع الأموال, وسيطر على التضخم على حساب حياة المواطن الروسي المزرية. الرئيس يربك روسيا ويشبه ليون آرون يلتسين بأنه أصبح كالثقب الأسود في سماء السياسة الروسية, صحيح انه نجم ضخم ويتمتع بقوة جاذبية هائلة على كل ما يدور حوله, إلا انه نجم أخذ يقترب من نهاية حياته, ويستنفذ طاقته ووقوده, ولم يعد قادرا على اشعاع الضوء. منذ أوائل عام 1994 بدأ يلتسين ينسحب ويتراجع لعزلته داخل قوقعته. وأصبح على الأغلب يعاني من مزاج سوداوي, ويقضي وقتا متزايدا وحيدا في منتجعه الرئاسي في بارفيخا. بل انه أصبح يتغيب أسبوعا وأسبوعين في كل مرة عن مكتبه, بعد أن كان موظفوه يشتكون من نهمه الذي لا يعرف الحدود للعمل. أما الآن فأصبح من المعتاد والمتكرر جدا الغاء اجتماعاته, ولم يعد البريد الرئاسي يوقع في مواعيده, بل إن موظفيه كانوا يبتهجون حينما يرون نقطة أو نقطتين من الحبر الأسود على زاوية الوثائق والأوراق المهمة باعتبارها دليلا على ان الرئيس نظر في الورقة على الأقل. لكن الأخطر من ذلك إن ادمان يلتسين على الشراب تحول إلى مصدر ارباك شديد, نتيجة لحالة الاحباط والاكتئاب التي يعيشها. ومع ان الشرب كان من عادات يلتسين سابقا, إلا انه لم يعد قادرا على اتخاذ قراره بالتوقف الآن, ولم يعد بمقدوره السيطرة على نفسه. وفي أوئل خريف 1994 افتضح ادمانه على الخمر وطفا على السطح بطريقة جعلت ملايين الروس يشعرون بأنها مهينة لهم كأمة. فخلال الاحتفالات الروسية بانسحاب آخر القوات الروسية من ألمانيا في 31 أغسطس من ذلك العام في برلين, خطف يلتسين الثمل على نحو واضح عصا المراسم من قائد فرقة أوركسترا برلين العسكرية التي تستعرض القوات الروسية على ايقاعاتها وبدأ يلوح بها أمام العازفين لاعبا دور القائد. كما أنهى العرض بغنائه لإحدى الأغاني الشعبية الروسية. بعد ذلك بعدة أسابيع, أوقع يلتسين روسيا في ارباك مخجل آخر, وذلك خلال القمة الروسية - الأمريكية في متحف روزفلت هايدبارك في ولاية نيويورك. فبعد تجرعه للكأس تلو الكأس خلال مأدبة الغداء الرسمية, خرج لمؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس كلينتون, بينما كانت تنتابه حالة من الصخب وهو يلوح بيديه أمام الصحافيين بشكل يرثى له, ويقهقه ويلقي بالنكات بصوت عال من دون أن يتمكن من السيطرة على نفسه. وأخذ يلتسين يوبخ الصحافيين بصوت معربد قائلا: (لقد قلتم ان القمة ستفشل, آه! لكنكم الآن أنتم الفاشلون!.. وأسرع كلينتون باطلاق ضحكة عالية, لكن مفتعلة بصعوبة على نحو واضح ليخفف من حدة الموقف. ليس هذا فحسب, بل إنه في طريق عودته إلى موسكو من قمة نيويورك, أصبحت عدم مقدرته على النهوض ومغادرة الطائرة الرئاسية خلال توقفها في مطار شانون الايرلندي لمقابلة رئيس الوزراء الايرلندي في 30 سبتمبر, ثالث أكبر إحراج لمسئولي البروتوكول الروسي, بعد شهر واحد فقط على مهزلة برلين. وعلى صعيد آخر, يشير آرون إلى تغيير واضح طرأ على طريقة إدارة العمل داخل الكرملين. إذ يبدو انه وبعد سنوات من السباحة عكس تيار عاداته ونشأته السياسية وبعد أن تخلص من سيد الحزب وانتقل إلى حياة الزعيم الديمقراطي, فقد تعب يلتسين وسمح للحد الذي قاومه سابقا أن يحمله معه. فالكثير من سماته الشخصية التي جهد سابقا لاخفائها أصبحت تطفو على السطح أكثر فأكثر من نزق وعدم تسامح مع أخطاء ونقاط ضعف المساعدين والأعوان. وتحولت اللباقة في حياة الرئيس إلى فظاظة وفجاجة. أصبح من المعتاد ليلتسين أن يعمد للسخرية من أعوانه وموظفيه وتوجيه الاهانات لهم بل ولزواره أيضا وأخذ يتعامل مع هؤلاء كالسيد الاقطاعي مع خدمه. وصار من المعتاد لكبار موظفي الكرملين أن يستفسروا من مدير المكتب الرئاسي عن مزاج الرئيس الروسي قبل طلب مقابلته. وغالبا ما كانت تمر أيام يتحاشى هؤلاء الوقوف أمامه مهما كان الثمن. وكمن أصابه الخرف, بدا يلتسين وهو يتراجع بسرعة كبيرة إلى سني شبابه السياسي, ليدير شئون الحكم في الكرملين بطريقة حقبة بريجينيف, حيث يتخلى الزعيم عن دوره كصانع للسياسات ليتورط في مؤامرات وصدامات داخلية ويستحوذ على ذهنه جنون العظمة وعزة السلطة والمنصب ويحيط نفسه بالسرية ويبدأ الفساد يشوب حياته. وبشكل يظهر بوضوح تلذذه بممارسة سلطاته الواسعة أخذ يلتسين يستمتع باصدار القرارات السامية داخل الكرملين, فيرقى ويطرد ويفصل وينقل كبار المسئولين بحماس الأطفال وهم يمارسون إحدى ألعابهم. كما بدأ مساعدوه يشتكون من زرع أجهزة التنصت في مكاتبهم, حتى أصبح كل ما يقولونه أو يتلفظون به على الهاتف أو بين بعضهم البعض يسجل من قبل جهاز الـ (كي جي بي) المصغر داخل الكرملين, والذي يديره حراس يلتسين الشخصيين وقائدهم ألكسندر كورجاكوف ورئيس أمن الكرملين ميخائيل بارسوكوف. وحينما كان كبار الموظفين يريدون مناقشة أمر ما بينهم كانوا يعمدون للكتابة على قصاصات الورق وتبادلها فيما بينهم لتجنب الحوار بالكلام الذي سيسجل لا محالة . ولم يكن كورجاكوف وبارسوكوف حتى يخفيان حقيقة أنهما يمارسان أساليب الحقبة السابقة من جمع للملفات والتحقيق في تقارير المخبرين. وشيئا فشيئا أحاط يلتسين نفسه بالموالين والذين يصفهم إيجور جايدار بأنهم كانوا (متزلفين بأنصاف العقول) . وأصبح هؤلاء, الذين أثبتوا فقدانهم للكفاءة لتنفيذ واجباتهم المباشرة سواء في إدارة الاقتصاد أو إدارة الحرب أو إدارة الأمن, رفاق يلتسين الذين لا يفارقوه أبدا ويبقون معه كظله سواء في رحلات الصيد أو على وجبات الطعام أو الشرب بل وحتى في حمامات الساونا. ولم يعد بمقدور أي رجل من خارج بطانة يلتسين الضيقة حتى أن يكلمه. وأخذت المؤتمرات الصحافية التي كانت الميدان المفضل ليلتسين أمرا نادر الحدوث. وهذا ما زاد الشرخ بين الرئيس وبين (الديمقراطية) الذين كانوا يوما ما من أشد أنصاره والذين كانوا أقوى أسلحته وهو يواجه الانقلابيين والبرلمان والأوضاع القاسية التي يمر بها الشارع الروسي. المرض والمسكنات ويشير آرون أيضا إلى ان المرض كان قد استفحل وتمكن من جسد يلتسين, الذي أصبحت حاله حال عدائي المسافات الطويلة, في ان عبر خط النهاية حتى بدأت الأوجاع تنتابه من الاصابات والرضوض التي تعرض لها في مشواره الطويل. ومن بين هذه الاصابات كانت التي تعرض لها خلال ارتطام طائرته بالأرض حين هبوطها في اسبانيا مايو 1990 الأكثر خطرا. فعلى الرغم من ان الجراحة نجحت في استعادة المقدرة على الحركة له وانقاذه من الشلل, إلى أن كل عظمة وعضلة في ظهره ظلت تسبب له آلاما مبرحة. واستمر يلتسين بسحب ساقه اليمنى سحبا حتى في أفضل أيامه. كما كان يلتسين أيضا يعاني من التهابات الأعصاب في ظهره وهي حالة مؤلمة جدا. لكن أخطر أمراض يلتسين كان نقص التروية القلبية وهو من أكثر الأمراض القلبية شيوعا إلا انه يتسبب أيضا بآلام مبرحة تنتشر عادة للصدر والظهر والذراع. وكان الجراحون الروس قد قالوا للصحافيين بأن مسكن الألم الشائع في روسيا وهو (النيتروجليسيرين) لا يفلح في تسكين مثل هذه الآلام. وقد شاع في موسكو ذلك الوقت ان يلتسين كان يستخدم (مسكنات قوية جدا من نوع خاص) يضيف لها الكحول. وقد تعرض يلتسين لأزمتين قلبيتين, كانت الثانية منهما في يوليو 1995 هي الأخطر على حياته. وبعد أسابيع على أحداث أكتوبر 1993 وقمعه للبرلمان, كان من المقرر ليلستين أن يلتقي بنخبة المثقفين والمفكرين الروس, وبعضهم شعراء وكتاب لشكرهم على دعمهم له ضد الحركة المناوئة التي قادها. لكن وفي صبيحة يوم الاجتماع علم فياتشلاف كوستيكوف مدير المكتب الصحافي الرئاسي بأن الرئيس قد أجل الاجتماع. وفي العادة لم يكن كوستيكوف يظهر أي اعتراض على مثل هذه القرارات المفاجئة, لكن وبسبب الطبيعة المتميزة للمدعوين والضيوف قرر أن يجري محاولة مع الرئيس. انتظر كوستيكوف يلتسين حتى خرج من مكتبه ليتمشى في ممرات الكرملين كعادته. كان يلتسين يجر قدمه جرا ببطء أكثر من المعتاد. قال كوستيكوف: ألا يمكن تقصير الاجتماع بدلا من الغائه؟ قال يلتسين: يا لك من قاس يا كوستيكوف, أليس لديك أي رحمة للرئيس؟ قال كوستيكوف: كل ما عليك فعله هو أن تشكرهم ثم تجلس ولا تتحدث, بل دعهم هم يتحدثون. ألا تستطيع مجرد الجلوس؟ انفجر يلتسين فجأة بغضب وبصوت خشن: (ألا تفهم؟ يصعب علي اليوم حتى الجلوس) .