تبدو محادثات السلام بين اسرائيل وسوريا التي نبضت بالحياة من جديد لفترة قصيرة في بداية هذا العام, تبدو الآن محكوما عليها بتوقف مطول قد يكون خطيرا. فقد مني الاجتماعي بين الرئيس السوري حافظ الاسد والامريكي بيل كلينتون في جنيف في السادس والعشرين من مارس الماضي بالفشل, واضطر المتحدث باسم كلينتون الى القول ان الفجوة بين المواقف الاسرائيلية والسورية واسعة للغاية بما لا يسمح باستئناف المحادثات بينهما بشكل مفيد. ويقدم اصدقاء امريكا العرب بمن فيهم ملك الاردن عبدالله والرئيس المصري حسني مبارك الذي كان يتحدث الى الرئيس كلينتون في واشنطن مؤخرا يقدمون تطمينات مشوبة بالقلق بأن الامر يفلت عنانه بعد. لكن الامريكيين والاسرائيليين يسلمون, فيما يبدو بالاحتمال القائل بأن الاسد يعني ما يقول, وما قاله خلال اكثر من ثلاث ساعات من المفاوضات مع كلينتون هو ان سوريا تصر على استعادة الشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. وكان مطلب الاسد, الذي لم يتزحزح عنه ابدا منذ وافق لأول مرة على عقد محادثات مع اسرائيل في مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991, هو انه يتعين على اسرائيل الانسحاب الى خط الرابع من يونيو عام 1967 الذي كانت ترابط عليه سوريا قبل اندلاع حرب الايام الستة وقيام اسرائيل باحتلال هضبة الجولان, وتقول اسرائيل ان الحدود الدولية المجاورة التي رسمتها فرنسا وبريطانيا في عام 1923 ينبغي اعادة ترسيمها باعتبارها الحدودة الجديدة. وقد شكلت الحدود الدولية اساس اتفاق الهدنة الموقع بين اسرائيل وسوريا في عام 1949, وفي الساحل الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا, يمر الخط على بعد عشرة امتار عن حافة الماء, لكن سرعان ما تم تخطي هذا الخط مع استيلاء الطرفين على قطع من الاراضي في مواجهات لاحقة متقطعة في اعلى الجبهة واسفلها. ويقول السوريون انهم حصلوا على تعهد كامل, عندما كان اسحق رابين رئيسا لوزراء اسرائيل عبر الوسطاء الامريكيين بأن الانسحاب من الجولان يعني الانسحاب الى خط الرابع من يونيو, وقد المح ايهود باراك, رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي, الى انه مستعد في الواقع للانسحاب الى خط ما قبل الحرب على امتداد الجزء الاكبر من الجبهة باستثناء شاطىء بحيرة طبريا, وكان باراك قد تعهد مرارا وتكرارا خلال حملته الانتخابية العام الماضي بقوله: (لن يغسل اي جندي سوري قدمه في الكنيرت) مستخدما الاسم العبري للبحيرة التي توفر 40% من احتياجات اسرائيل من المياه. واكد باراك مؤخرا ان موضوع السيطرة على الكنيرت هو المسألة الاساسية العالقة. ومقابل هذه الرقعة من الشاطىء ـ لأن باراك يريد شق طريق على شريط اوسع من الامتار العشرة الاصلية ـ تعرض اسرائيل على سوريا ينابيع الحمة الساخنة, الواقعة الى الجنوب الغربي من البحيرة, وهذه الينابيع تقع داخل اسرائيل بحسب الحدود الدولية, لكن سوريا لا ترى بهذا العرض مقايضة عادلة نظرا لانها كانت تحتفظ بالحمة عشية حرب الايام الستة. ويتمتع الشريط المتنازع عليه من جانب البحيرة بأهمية رمزية كبيرة, ولكن بقيمة استراتيجية ضئيلة, ففي نهاية المطاف فإن اسرائيل مستعدة للتنازل عن هضبة الجولان نفسها التي تنتصب فوق البحيرة الى الشمال والشرق, وللسبب نفسه, فإن استعادة سوريا لهضبة الجولان ستقزم من حيث المصالح الاستراتيجية السورية, عودة الشريط الساحلي للبحيرة, لكن المنطق الهادىء ليس هو المنطق السائد على اي من الجانبين. ومن الممكن الاعتقاد بأن هذا النوع من المشكلات المحيرة سيكون عرضة لديبلوماسية تخيلية من المفترض ان كلينتون امل في تطبيقها في اجتماع جنيف. ولكن ذلك سيكون بهدف استغلال القليل من النوايا الحسنة والثقة القائمة بين الطرفين التي بدونها لا يمكن ان تحدث اية عملية اعادة ترتيب تتسم بالدهاء للخرائط الموجودة. غير انه من الملاحظ ان هذين الامرين كانا غائبين, فالاسد المعروف بكرهه للغموض, يريد ان يعرف الى اين تؤدي المفاوضات قبل ان يخوض فيها. وهو مصمم على عدم تكرار غلطة ياسر عرفات المؤسفة بقبوله السلام مع اسرائيل واعتماده على الثقة في تحديد مقدار الارض التي ستعاد له. والاسرائيليون من جانبهم لا يشعرون بنية حسنة نحو سوريا, ويبدو ان الاسد ووزير خارجيته المفوّه فاروق الشرع يدركون ذلك تماما. وعلاوة على ذلك, فإن باراك يتمتع بالقليل من المرونة, وقد عزز شعاره المتعلق بغسل الارجل من المشاعر القوية لدى الكثير من الاسرائيليين حيال البحيرة. واذا ما تنازل عن الشريط الساحلي الآن, فإنه من المؤكد تقريبا ان يخسر الاستفتاء الذي تعهد باجرائه من اجل المصادقة على اي اتفاقية سلام مع سوريا. وفي ظل تمزق البند الرئيسي في سياسته السلمية سيجد باراك انه من الصعب عليه اكثر من اي وقت مضي الاحتفاظ بوحدة ائتلافه المتباين, ان حزب شاس الديني المتشدد وحزب ميريتس العلماني, اللذين يختلفان عمليا على كل شيء آخر ملتزمان على الاقل بالاتفاق مع سوريا على مبدأ الارض مقابل السلام. وفي السابع والعشرين من مارس الماضي, شهدت العلاقات المسمومة بينهما انعطافة نحو الاسوأ عندما امر المدعي العام بفتح تحقيق في سلسلة من الشتائم ذات الطابع التحريضي التي اطلقها الزعيم الروحي لشاس الحاخام عوفاديا يوسف قبل ذلك بعشرة ايام على الزعيم المؤقت لميريتس, وزير التعليم يوسي ساريد وكانت شاس قد هددت باشعال الشوارع بدلا من السماح باستجواب الحاخام. وعلى هذه الخلفية المضطربة لايزال باراك مصمما على الانسحاب من جنوب لبنان, والموعد النهائي المحدد لذلك هو يوليو, ولكن الآن وبعد ان اصبح السوريون على نحو واضح خارج الحسبة, فإن هذا الموعد يمكن تقديمه, وعاد رئيس الوزراء الاسرائيلي ليكرر تحذيره (لأي كان وللجميع) من انه حالما تتراجع قواته الى ما وراء الحدود, فإن اي هجوم على اسرائيل سيجلب رد فعل عنيفا, واذا ما قدر لذلك ان يحدث فإن لبنان سيكون من جديد هو الضحية. عن ايكونوميست