وزير الدفاع جراتشيف ليلتسين: لواءان مظليان روسيان كفيلان باقتحام جروزني في ساعات من الملاحظات المهمة التي يشير إليها مؤلف كتابنا ليون آرون في عرضه لسيرة حياة يلتسين أن مسيرته السياسية ومنذ عام 1987 أخذت تسير بمنحنيات بيانية موازية وتحمل شبها كبيرا لمسيرة بلاده. فقد توجت موجة التحول بين خريف 1991 وربيع 1992 مع تحرير الأسعار وحظر الحزب الشيوعي وانتهاج سياسة خارجية تواكب الخط الغربي. بعد ذلك أخذت هذه الموجة تفقد زخمها وقوتها وسرعتها. وعادت من جديد لتتجه نحو القاع وتتلون مرة أخرى باللون السوفييتي التقليدي والخطابة الرنانة التي تعتمد على التهديد والوعيد. وأتت حرب الشيشان لتكون أول الأمثلة الكبرى على هذه الردة. فقد كشفت حرب الشيشان الأولى التي شنتها الحكومة الروسية في وجه معارضة كاملة تقريبا من المجتمع الروسي عن فكر العسكريتاريا وعدم الكفاءة والوحشية والازدراء المخيف لأرواح الجند الروس والمدنيين الشيشان, التي كانت تقبع تحت قشرة الديمقراطية الهشة. العودة للخطاب السوفييتي شأن كل التطورات التي ميزت مسيرة يلتسين بين يناير 1994 ويناير ,1996 أصبح الحل العسكري لأزمة الشيشان المحتقنة جزءا مهما من العرف السياسي الروسي, هذا العرف الذي بدت فيه (حرب صغيرة مكللة بالنصر) الحل الملائم للتدهور المستمر الذي أصاب الأوتوقراطية الروسية. ثم أخذت الخطابة القومية الساخنة من جانب زعيم الحركة القومية جيرونفيسكي وتمكنه من الحصول على خمس أصوات الناخبين الروس وهو يخاطب فيهم مشاعر الوطنية الروسية تدفع باتجاه الحرب. وهذا ما أقنع يلتسين بأن عناصر الاصلاح والديمقراطية لم تعد توحد وتجمع الروس حوله. فما يريده الناس في سنوات التغيير والفوضى هذه, هو استعراض لعظمة وجبروت القوة الروسية. وفعلا قرر يلتسين أخيرا أن هذا هو ما يحتاجه بالضبط. وهو ما وافقت عليه بطانته فورا. بعد رسمه لصورة الواقع السياسي الذي أنضج فكرة الحرب في رأس يلتسين, ينطلق ليون آرون ليتحدث عن التطورات على الأرض التي قادت البلاد لأول صدام عسكري هدد مباشرة وحدة روسيا الاتحادية. وهو يوضح انه كانت هناك بالتأكيد الكثير من التطورات التي رجحت كفة تحرك عسكري حاسم, فقد أعلنت جمهورية الشيشان, التي كانت سابقا جزءا من جمهورة الأنجوش والشيشان ذات الاستقلال الذاتي داخل روسيا الاتحادية, استقلالها الكامل في نوفمبر 1991. والشيشان جمهورية جبلية صغيرة تحدها روسيا من الشمال والغرب وجورجيا من الجنوب وداغستان من الشرق ويبلغ عدد سكانها 2.1 مليون نسمة. وفي ربيع 1993 أعلن جوهر دوداييف, وهو ضابط سابق برتبة جنرال في القوات الجوية السوفييتية حل البرلمان الشيشاني ونصب نفسه حاكما للشيشان. كراهية الشيشان للروس ليست أمرا حديث العهد, بل إنه يعود لقرن كامل من الحرب والعذاب. إذ ترجع المواجهة بين روسيا والشيشان, وهم أمة مسلحة رجالها محاربون يعتبرون البندقية من أغلى ممتلكات أي رجل للقرن التاسع عشر, حينما قاوموا الغزو الروسي الامبراطوري للقوقاز أكثر من أي شعب آخر من شعوب المنطقة. وخلال الحرب العالمية الثانية لم يتورع ستالين عن اعتقال ونفي الشعب الشيشاني بأكمله إلى كازاخستان ليموت عشرات الألوف منهم من جراء الجوع والمرض هناك. وسرعان ما أصبحت الشيشان بقيادة دوداييف شوكة مؤلمة في خاصرة روسيا, فقد خشيت موسكو من ان ينتشر العصيان ضدها إلى القوقاز بكاملها وقيام جمهورية مسلمة على حدودها الجنوبية. وهذا ما سيكلف روسيا مبالغ طائلة, إذا ما فشلت في ضمان أمن أنبوب النفط الذي يمر عبر الشيشان في طريقه من بحر قزوين إلى البحر الأسود, حاملا مئات الألوف من براميل النفط. وبعد فشل ثلاث سنوات من التجاهل والحصار الاقتصادي في تغيير الوضع في الشيشان, وجد يلتسين انه مضطر للتحرك العسكري ليضمن بقاء الشيشان جزءا من روسيا وليرد على التحدي السياسي من جانب جيرونفيسكي له في السياسة الروسية الداخلية. قرار الحرب لم تنجح محاولات موسكو للاطاحة بدوداييف عن طريق تسليح ومساندة أعدائه داخل الشيشان. وعندما سأل يلتسين وزير دفاعه بافل جراتشيف عن امكانية الحل العسكري, أكد له الأخير انه قادر على استعادة العاصمة الشيشانية جروزني خلال عدة ساعات فقط, باستخدام لواءين اثنين من المظليين لا غيرهما. اعتمادا على هذه التطمينات وقع يلتسين قراره الرئاسي لاستعادة الشيشان بالحرب, وصباح 11 ديسمبر 1994 دخل حوالي 40 ألفا من القوات الروسية تتقدمهم الدبابات أرض الشيشان. وعلى الرغم من التفوق العددي الهائل للقوات الروسية, إلا ان الشيشانيين المتمرسين بالقتال والمجهزين جيدا والمصممين والشجعان على نحو استثنائي بدأوا ينزلون بالجيش الروسي خسائر فادحة منذ بداية المواجهة. أما المجندون الروس سيئو التدريب والتموين فأخذوا يتعرضون لمذبحة إثر أخرى تذهب بالمئات منهم. لم ينجح التفوق الروسي العددي في تجنيبهم حربا استمرت شهرا ونصف الشهر خاضوها من بيت لبيت بشكل يشابه معارك ستالينجراد في الحرب العالمية الثانية, وبدعم يومي من القصف المدفعي والصاروخي والجوي للعاصمة جروزني حتى استولوا عليها. ولم يتمكن الجيش الروسي من السيطرة عليها تماما, إلا بعد شهر آخر من القتال مع المدافعين عنها. كانت تكلفة الاستيلاء على جروزني حوالي 30 ألف قتيل شيشاني مدني و1800 جندي روسي على الأقل. وأصبح المواطنون الروس يشاهدون يوميا في نشرات الأخبار صور جنودهم وأبناء الشيشانيين المدنيين الذين مزقت القنابل أجسادهم. وعلى عكس توقعات الكرملين, لم يفلح الاستيلاء على جروزني بدفع الشيشانيين للتفاوض, حسب الشروط الروسية. بل تحركت الميليشيات الشيشانية إلى الجبال لتستمر في نصب الكمائن للقوات الروسية وقتل جنودها, عبر تكتيكات هجومية سريعة منفذة باتقان وبراعة فائقة, ليس هذا فحسب بل إنهم أخذوا بتنفيذ هجمات ناجحة جدا داخل الأراضي الروسية. في 14 يونيو 1995 تمكن أكثر من 200 مقاتل شيشاني مسلمين بقاذفات الآر بي جي والرشاشات من الوصول إلى مدينة بيرونوفيسك على بعد 110 كيلو مترات داخل الأراضي الروسية من الحدود مع الشيشان, على متن حافلتين وشاحنتين, بعد دفع الرشاوي لحواجز شرطة المرور على طول الطريق. وما ان وصلوا إلى المدينة حتى قتلوا فورا 20 من رجال الشرطة واستولوا على مستشفى فيه أكثر من 2000 مريض وطبيب وموظف. وحاولت القوات الروسية مرتين وتحت أضواء كاميرات الاعلام اخراج هؤلاء المقاتلين من المبنى بلا جدوى. حينها وجدت السلطات الروسية نفسها مجبرة على الدخول في مفاوضات مع المهاجمين وعبر رئيس الوزراء تشرنوميردين مباشرة, وبعد يومين خرجت من المدينة قافلة تحمل المقاتلين الشيشانيين مع رهائن متطوعين لتصل إلى الحدود الشيشانية, حيث تم هناك تحرير الرهائن, ووصل عدد القتلى في بيرونوفيسك إلى 120 شرطيا وجنديا روسيا ومقاتلا شيشانيا. في اليوم الثاني لخروج المقاتلين الشيشانيين من روسيا, أقر مجلس الدوما الروسي مشروعا لحجب الثقة عن الحكومة الروسية, فيما سارع يلتسين, في محاولة لارضاء الروس, بفصل وزير الداخلية فيكتور يارين ونائب رئيس الوزراء نيقولاي بيجوروف ورئيس وكالة مكافحة الجاسوسية سيرجي ستباشين لفشله في رصد الهجوم قبل دخوله. لكن المقاتلين الشيشانيين نفذوا غارة أخرى أكثر إذلالا لموسكو, وذلك داخل جمهورية داغستان الروسية في يناير 1996. فقد نجح المقاتلون بقيادة سلمان رادوييف صهر دوداييف بالاستيلاء على مدينة كيزليار والقاعدة التابعة للقوات الجوية الروسية التي بجانبها, قبل أن تأسر الطيارين ورجال الشرطة وتنسحب إلى قرية بيرفومايسكوي على الحدود الشيشانية - الداغستانية. ليس هذا فحسب, بل ان المقاتلين تمكنوا من الفرار إلى الشيشان من القرية التي حاصرتها القوات الروسية وألهبتها بقذائف المدفعية الثقيلة خلال أيام من المفاوضات العبثية حاملين معهم أسراهم خلال معركة ليلية شرسة. ووافقت روسيا لاحقا على استبدال الأسرى الذين تجاوزوا المئة بسجناء شيشانيين وجثث بعض المقاتلين. ومما زاد من وقع هذه المعيبة على قلب يلتسين ان الذي قاد العملية على الجانب الروسي لم يكن سوى الجنرال ميخائيل باروسكوف, رجل يلتسين الموثوق, الذي عينه وزيرا للأمن وقائدا لوكالة الأمن الاتحادية قبل ستة أشهر, بعد أن كان قائدا لأمن الكرملين. على الرغم من الجانبين خاضا حربهما بكل ما لديهما من شراسة, إلا ان الجيش الروسي هو الذي كان مسئولا عن سقوط القتلى في صفوف المدنيين. فإضافة إلى القصف العشوائي الروسي على جروزني, افتضح أمر المجزرة التي نفذها الجيش الروسي بحق أهالي بلدة ساماشكي الشيشانية على بعد 30 كيلو مترا من جروزني, وهي موطن قبيلة دوداييف. سقوط الرمز نشرت وسائل الاعلام الروسية تفاصيل المذبحة, التي كشفها معارضو الحرب داخل الدوما وخارجه. ففي منتصف ليلة الثامن من ابريل 1995 أحاطت القوات الروسية بالبلدة, وأمرت سكانها بتسليم أسلحتهم في مهلة أقصاها ساعة ونصف الساعة فقط. وبعد انتهاء هذه المهلة اقتحم الجنود الروس البلدة, وبدأوا بقتل كل من يجدونه أمامهم من دون تمييز, وتفجير القنابل في الأقبية التي التجأ إليها الأهالي وحرق المنازل بقاذفات اللهب. ولم تنته العملية حتى كان 250 من المدنيين معظمهم أطفال ونساء وعجائز قد سقطوا قتلى. ويشير مؤلفنا ليون آرون إلى ان أحدا في روسيا لم يكن يوافق على انفصال الشيشان, والكل يريد لموسكو أن تسيطر على هذه الجمهورية, التي كانت جزءا من روسيا منذ أيام الامبراطورية. لكن منذ اللحظات الأولى التي بدأت فيها محطات التلفزيون الروسية بتغطية حصار جروزني, وهذا الخيار العسكري الذي تبناه يلتسين بكل وحشية وعدم كفاءته على نحو يذكر بما تعرض له السوفييت في أفغانستان, شعر الشارع الروسي بالذعر والغضب من تخبط الحكومة. لكن خيبة أمل الشارع الروسي الأعظم وقلقه الأكبر تمثلا في يلتسين نفسه. فأخطاؤه وضعفه أصبحت معروفة للروس على مدى خمس سنوات. ومع ذلك وحتى تلك اللحظة ظل (الديمقراطيون) مؤمنين بفكرتين عنه. الأولى هي ان يلتسين هو القوة الدافعة للاصلاح الذي ظل يحركه للأمام بطاقة وإصرار لا يعرفان الحدود. والثانية هي انه الدبابة التي يسمح درعها المنيع للديمقراطية الروسية الضعيفة والهشة ومقصوصة الجناح بالبقاء على قيد الحياة. ومن دون هذه الحماية كان الاصلاح سيواري الثرى منذ سنوات مضت على يد الشيوعيين أو على يد الشعب الذي أغضبه الجوع. أما الآن فأصبح اتجاه هذه القوة الدافعة ومنعتها أيضا موضع الشك. فجأة, وجد الديمقراطيون الروس الذين عملوا إلى جانب يلتسين وخلفه بنكران للذات وصوتوا له في أعوام 1989 و1990 وانتخابات 1991 واستفتاء ,1993 وجد هؤلاء أمامهم يلتسين لا يختلف عن النموذج السوفييتي للسياسي الأعمى في عناده الشرس وغير الكفء والأصم أمام الرأي العام. ولا أدل على ذلك من عمود رأي لأحد المحررين الروس جاء فيه: (أكمل يلتسين تدمير الشيوعية وحل آخر امبراطورية على وجه الأرض. لكن كارثة الشيشان أظهرت لنا يلتسين آخر, ليس يلتسين الذي يعمل على تدمير الارث الدكتاتوري للامبراطورية, بل يسعى لاهثا للابقاء عليه بالحديد والنار, ليس يلتسين المقاتل ضد الشمولية بل يد بطش, لا أحد ينصح باختبار قوتها) . الرجل الذي يتذكرونه واقفا على الدبابة بين جموع أنصاره المخلصين, لم يعد الآن يري وجهه لأبناء الشعب الروسي أو يخاطبهم على شاشات التلفزيون, أو يذهب للبرلمان ليشرح للشعب مواقفه. نظر الديمقراطيون الروس لدخول يلتسين المستشفى في العاشر من ديسمبر لاجراء (جراحة خطط لها في غضروف الأنف) فيما القوات الروسية تتدفق على الشيشان باعتباره ازدراء مخجلا للرأي العام وعملا يدل على جبن سياسي مطلق ودليلا على انتهاء مفاجئ للطاقة على العمل. بل إن أحد أكثر أنصار يلتسين اخلاصا في الدوما, وهو سيرجي يوشنكوف من حزب خيار روسيا, هدد بالشروع في اجراءات العزل ضد الرئيس الروسي بسبب (اشعاله للكراهية العرقية وتنظيم واثارة جرائم جماعية ضد المواطنين الروس. بدأ يلتسين, التواق للتهرب من نتائج أفدح أخطاء حياته السياسية, بالاعتماد على أنصاره السابقين لانقاذه من ورطة الشيشان يكذب بفجاجة ووقاحة ومن دون خجل وبالأسلوب السوفييتي التقليدي. كذب بشأن نواياه تجاه الشيشان, قبل اندلاع الحرب, وكذب بعد اندلاعها, واستمر في الكذب في كل ما يتعلق بطبيعة هذه الحرب ومسيرة الأحداث فيها. وفي رسالة الاستقالة التي تقدم بها رئيس اللجنة الرئاسية لحقوق الإنسان سيرجي كوفاليف, قال مخاطبا يلتسين: (في ساعات الكارثة, وبدلا من أن تتقدم بتبريرات صريحة وصادقة, قمت أنت وأعوانك الذين عينتهم بنفسك باعطائنا الأكاذيب الواضحة والسخيفة التي تركتنا مذهولين بوقاحتها. لقد دمرت جسر الثقة الهش الذي وصل بين المجتمع والدولة) .