حسب اللاتوف يتهم يلتسين بتوقيع القوانين دون قراءتها نجحت الخطوات الشجاعة والجريئة للبرلمان الروسي بقيادة الرئيس بوريس يلتسين, كدفاعه الشرس عن حصول روسيا على مزيد من الاستقلالية عن الاتحاد السوفييتي, ومقاومته العنيدة لانقلاب اغسطس 1991 في حجب حقيقة اساسية, وهي ان القوة الفاعلة والمؤثرة داخل هذا البرلمان تتكون, على نحو حاسم, من المحافظين, وليس من الاصلاحيين. ويكفي التذكير, للدلالة على ذلك, بان البرلمان لم ينتخبه يلتسين رئيسا لروسيا الا بأغلبية اربعة اصوات فقط, واصبح كل قانون اصلاحي ذي شأن لا يمر من البرلمان الا بهامش بسيط جدا من الاغلبية. وتطور الجدل المتأزم بين البرلمان من جانب ويلتسين وحكومته من جانب اخر بخصوص سرعة تنفيذ الاصلاح الاقتصادي وعمقه بشكل متسارع ليتحول إلى معركة يومية على السلطة وازمة دستورية, شلت الدولة, وهددت بتحويل البلاد إلى كيان غير قابل للحكم. وكان البرلمان الروسي, مدفوعا بأحداث انقلاب اغسطس وبالذعر من انهيار اقتصادي شامل, قد وافق على برنامج يلتسين الاصلاحي في اكتوبر ,1991 ومنحه سلطات استثنائية لتفعيل سياسته الاقتصادية, لكن ما ان مرت اشهر قلائل حتى اخذ البرلمان يغير موقفه, وكان قرار تحرير الاسعار في 2 يناير 1992 قد اشعل المعارضة ليلتسين, على نحو مثير وغير متوقع. بداية المواجهة ما ان بدأ يلتسين ببرنامجه الاصلاحي حتى اخذ الكساد يتعمق, والفجوة بين الاغنياء والفقراء تتوسع, والتضخم يتسارع على نحو مخيف, وفجأة وجد عشرات الملايين من الروس انفسهم وقد سقطوا في حضيض الفقر, ولم تعد مرتباتهم تستطيع اللحاق بالاسعار التي تقفز بسرعة صاروخية يوميا. بدأت المواجهة بين الرئيس والبرلمان حينما وصف رئيس البرلمان رسلان حسب اللاتوف البرنامج الاصلاحي بانه (فوضوي) وطالب باستقالة حكومة رئيس الوزراء ايجور جايدار, واخذ البرلمان الروسي يحاول استعادة السلطات التي منحها ليلتسين, فيما اصر يلتسين على الاحتفاظ بكل السلطات وتحويل الاستثنائية منها إلى سلطات دائمة. في هذه المعركة مع يلتسين وحكومته, كان البرلمان يتحرك بقيادة رسلان حسب اللاتوف, وهو سياسي متمرس ومناور قوي وتكتيكي بارع, على هذا النحو يصف ليون آرون رئيس البرلمان الروسي ويفسر تمكنه من السيطرة على زملائه في البيت الابيض بأنه كان يعرف تماما نقاط ضعف النواب واستغل هذا الضعف ببراعة تامة. حسب اللاتوف اقتصادي وديمقراطي معتدل من ابناء الشيشان وقد اختاره يلتسين عام 1990 ليكون رئيسا للبرلمان لاسترضاء غير الروس في روسيا الاتحادية, وكان حسب اللاتوف استاذا متخصصا في العلوم الاقتصادية يطمح لمنصب رئيس الوزراء, لكنه شعر باهانة عميقة حينما عرض يلتسين هذا المنصب على ايجور جايدار. بعد فترة من التهدئة, عاد الجانبان مع حلول خريف 1992 لخطاب العداء والكراهية, واخذ البرلمان من ناحيته يحذر من (عودة الشمولية) فيما اعتبر الكرملين اي زيادة لسلطات البرلمان على حساب الرئيس حربا على الاصلاح ومحاولة (لقلب مسيرة التاريخ وبعث الماضي الشيوعي لروسيا الذي ذهب لغير رجعة) بكلمات الرئيس يلتسين. وما هي الا ايام حتى تحولت لغة الخطابة إلى لغة السلاح, حيث جمع حسب اللاتوف قوة من خمسة آلاف رجل مسلح هم (الحرس البرلماني) , وكانت اولى حملات الحرس البرلماني السيطرة على مكاتب صحيفة (الازفسيتا) , ورد يلتسين باصدار امر للحرس بحل نفسه ولافراده بتلسيم سلاحهم, وحدثت اولى المواجهات المسلحة بين الكرملين والبرلمان حينما رفض الحرس اوامر الرئيس واشتبكوا مع قوات وزارة الداخلية. ازداد تأزم الموقف حينما اخذ البرلمان يعد العدة لعزل الرئيس يلتسين وفي 28 مارس 1993 جرى الاقتراع على قانون العزل لكنه فشل في الحصول على اغلبية الثلثين المطلوبة, وبعد اعلان النتائج خرج يلتسين من الكرملين وصعد على ظهر احدى الشاحنات المتوقفة امامه بين حوالي 60 الفا من انصاره ليشكرهم على دعمهم له ويعدهم بانه لن يسمح لانقلاب شيوعي اخر بالنجاح ابدا. لكن البرلمان لم ييأس واجرى استفتاء شعبيا عاما, طرحت فيه 4 اسئلة على الناخب الروسي هي: 1ـ هل تثق بالرئيس الروسي بوريس يلتسين؟, 2ـ هل توافق على الاصلاحات الاقتصادية التي ينفذها الرئيس يلتسين؟, 3ـ هل تعتقد أن من الضروري اجراء انتخابات رئاسية مبكرة؟, 4ـ هل تريد انتخابات تشريعية مبكرة؟ وصدرت نتائج الاستفتاء يوم 25 ابريل وفيها اعرب 64.5% من الروس عن ثقتهم بالرئيس ووافق 49.5% على انتخابات رئاسية مبكرة, و67.2% على انتخابات تشريعية مبكرة, وكانت النتائج صدمة كبيرة للبرلمان ومفاجأة للمراقبين الذين اعتبروها غير متوقعة. حرب القوانين لكن البرلمان استعاد قوته بعد ضربة ابريل ليبدأ منتصف الصيف حرب القوانين مع يلتسين وحكومته, وبدأت تحركات البرلمان تطال السياسة الدفاعية والخارجية للحكومة, وما ان انتهت الاشهر الستة الاولى من عام 1993 حتى كان حسب اللاتوف قد اصدر اكثر من 630 من التوجيهات, اما القوانين التي اصدرها البرلمان فتفوق هذا العدد, ورد يلتسين بسيل اكبر من المراسيم, ففي يوم واحد فقط هو 13 اغسطس رفض 13 قانونا للبرلمان, ووقع 1150 مرسوما رئاسيا في الشهور السبعة الاولى من عام ,1993 وبدأ كل طرف يلوم الاخر على الشروع في حرب القوانين. ثم تحولت حرب القوانين إلى حرب اتهامات شخصية ففي جلسة للنواب يوم 18 سبتمبر اتهم حسب اللاتوف يلتسين بانه (يوقع القوانين وهو مخمور) . وفي يوم 21 سبتمبر وصلت الحرب إلى نقطة اللاعودة مع اعلان الرئيس يلتسين حل البرلمان الروسي وتنظيم انتخابات تشريعية جديدة في يومي 11 و12 ديسمبر من العام نفسه, ولم يتأخر انتقام البرلمان الذي اصدر فورا قانونا يعزل فيه الرئيس يلتسين من منصبه بتهمة (انتهاك الدستور) بحله البرلمان. أخيرا شعر النواب الروس بالحرية في فعل ما أرادوا طوال شهور فعله, فبعد ساعتين فقط من خطاب يلتسين الذي أعلن فيه حل البرلمان, خرج رسلان حسب اللاتوف إلى الصحافيين المجتمعين في البيت الأبيض ليقول لهم ان يلتسين لم يعد رئيسا للبلاد, وفي منتصف ليل 21 سبتمبر, أدى الكساندر روتسكوي نائب يلتسين اليمين الدستورية كرئيس بالنيابة لروسيا. وفي اليوم التالي أخبر حسب اللاتوف مراسلي وكالات الأنباء بأن كل من يتعامل مع يلتسين سيعاقب بشدة, وطلب من قيادة الجيش الروسي إدخال قواتهم إلى موسكو للدفاع عن البرلمان وتعهد (بالبقاء والتمترس مع صحبه في البيت الأبيض حتى سحق الانقلابيين) . شهدت المواجهة أول اراقة للدماء يوم 23 سبتمبر حينما خرج ثمانية رجال من الحرس البرلماني وقتلوا أحد رجال الشرطة في طريقهم لاحتلال مقر قيادة القوات الموحدة لكومنولث الدول المستقلة. وفي اليوم التالي أرسل محافظ موسكو انذارا لحسب اللاتوف وروتسكوي وطالب بتسليم أسلحة الحرس البرلماني داخل البيت الأبيض لمنع وقوع مزيد من القتلى, كما أعلن رئيس مكتب يلتسين سيرجي فيلاتوف بأن الحكومة ستضرب حصارا شديدا على مبنى البرلمان لمنع دخول أو خروج أحد منه وأصبحت روسيا على حافة حرب أهلية. الدبابات والبطاطا في وزارة الدفاع اجتمع الرئيس يلتسين الساعة الثانية والنصف من بعد منتصف الليل مع قادة الجيش الروسي وبعد عدة تقارير متضاربة وردت إلى المجتمعين سألهم يلتسين: (ماذا سنفعل الآن؟) كان من الواضح للجميع مثلما ليلتسين ان المهمة الملحة أكثر من غيرها هي تحييد البيت الأبيض إذا ما أرادت البلاد تجنب حرب أهلية. أعاد عليهم السؤال: (كيف يمكن لنا اخراجهم من المبنى؟ لكن الصمت المطبق اليائس ساد القاعة) . وفي خرق للبروتوكول, قطع الجنرال الكسندر كورجاكوف رئيس الحرس الشخصي ليلتسين الصمت ليسأل ان كان بمقدور أحد ضباطه وهو الملازم زاخاروف ان يقترح خطة للهجوم سألهم يلتسين: (هل انتم مستعدون لسماعه؟) أومأ الجنرالات بالايجاب. تحدث زاخاروف عن خطته: وضع الدبابات في واجهة البيت الأبيض ثم تحذير المدافعين عنه قبل اطلاق قذائفها على الطوابق العليا لاخافة الحرس البرلماني, حينها تبدأ القوات الخاصة باقتحام المبنى. ولا يذكر المؤلف ليون آرون مصدراً يوثق روايته لأحداث الاجتماع لكنه يتابع سرده لهذه الأحداث قائلا: التفت يلتسين إلى جنرالات الجيش وسأل رئيس الأركان: (هل لديك 10 دبابات؟) كانت الاجابة واضحة فهم يمتلكون الدبابات, لكن ليست لديهم الطواقم الجاهزة لأن الجنود يجمعون البطاطا في المزارع التعاونية خارج موسكو. لم يصدق يلتسين ما سمعه وزمجر في وجه القادة: (ماذا؟ في كل الجيش الروسي لا تتوافر طواقم جاهزة من الجند لعشر دبابات؟ ضعوا ضباطا في الدبابات؟ اني أعطيكم مهلة 10 دقائق فقط لتنفيذ الأوامر!) . بعد ذلك ببضع ساعات كان على يلتسين ان يقنع الجيش من جديد, فقد رفض قادة قوات ألف الخاصة المشاركة في الهجوم ولذلك استدعاهم إلى الكرملين وهناك وجه سؤالا واحدا حازما (ألن تنفذوا أمر الرئيس؟) كان الصمت هو الرد, توقف يلتسين بضعة دقائق ثم تابع: (يجب الانصياع لأوامر الرئيس.. لا تعذبوا أنفسكم بالشكوك) وبعد كثير جدل وافقت قوات ألف على التوجه إلى البيت الأبيض. وقبل السابعة صباحا من يوم 4 اكتوبر, كان 1300 جندي من نخبة المدفعية الآلية في الحرس الثاني والدبابات في الحرس الرابع وقوات المظليين قد دخلوا موسكو, وأخذوا مواقعهم حول البيت الأبيض, بعد ان قامت ناقلات الجند المدرعة باختراق المتاريس المحيطة به, لكن الهجوم لم يبدأ إلا في الساعة الثانية والنصف. نيران في البيت الأبيض حتى ذلك الوقت ومنذ الصباح أمضى الجانبان الوقت في تبادل الانذارات والشروع في المفاوضات ثم فشلها ثم الشروع به ثانية, وهكذا وبين كل جولة مفاوضات تقع بعض المناوشات والتحركات, ففي العاشرة صباحا اقتحمت القوات الروسية المبنى واحتلت الطابق الأرضي منه ثم توقفت أمام نيران المدافعين عنه, وبعد ان وجه الجيش الانذار الأخير للمتمترسين داخل البيت الأبيض والاستسلام قبل ان تضيع الفرصة, لكن المدافعين ردوا على الانذار بالأسلحة الرشاشة. وأخيرا اتخذ الجيش قراره وفتحت 12 دبابة من طراز تي72 نيران مدافعها على الطوابق العليا من المبنى الذي كان القناصة من المدافعين يحتلونها, ومن بين القذائف التي أطلقت كانت اثنتان فقط جاهزتين للانفجار, أما البقية فذات مقذوف معدني لا ينفجر الهدف منها ممارسة حرب نفسية, واندلعت النيران بالطوابق الأربعة العليا. بعد 15 دقيقة من القصف أعلن المهاجمون وقف اطلاق النار وبدأ المدافعون يخرجون من المبنى رافعين رايات بيضاء دون ان يحتجز أحد منهم, وفي الساعة الثالثة والنصف دخل وفد من قبل الجيش ليفاوض روتسكوي وحسب اللاتوف اللذين طلبا من بين أشياء أخرى تعهدا بالسلامة الشخصية, حتى من قبل الدبلوماسيين الغربيين. وخارج البيت الأبيض كانت هناك باصات ذات ستائر على نوافذها تنتظر المدافعين عن المبنى الذين دخلوها بعد انسحابهم وأخذتهم إلى أقرب محطة للمترو ليتخذ كل منهم الوجهة التي يريد. لكن حسب اللاتوف وروتسكوي وجدا نفسيهما أخيرا وقد أخذهما باص إلى سجن ليفورتوفو. وفي نهاية ذلك اليوم أفادت احصائيات الكرملين ان الجيش فقد 12 جنديا وهو يهاجم البيت الأبيض فيم عثر على أربعين قتيلا بين صفوف المدافعين, أما الخسائر الاجمالية فهي178 قتيلا وأكثر من 1000 جريح. وفي العشاء داخل الكرملين ذلك اليوم, تقدم أحدهم من يلتسين وأعطاه مغلفا مغلقا قيل انه يحتوي هدية ستعجبه جدا, داخل المغلف كان هناك غليون حسب اللاتوف الفخاري, أمسك يلتسين بالغليون براحة يده وأغلقها عليه للحظات, وفجأة لوح بذراعه ورمى بالغليون على الجدار المواجه ليحطمه إلى شظايا.