اعتبر كثيرون ان تصفية النقل الميكانيكي الجارية الآن صورة من صور تخلي الحكومة عن مسئولياتها لانها اول المؤسسات التي بدأت العمل وكان ذلك مع حملة الجيش الانجليزي على السودان في القرن الماضي حينما تشكل اسمها في ذلك الوقت تحت (الحملة الميكانيكية) , ثم تطورت الى مصلحة النقل الميكانيكي فمؤسسة النقل الميكانيكي التي تتعارض اليوم تصفيتها كمؤسسة رابحة ومسئولة عن استيراد العربات الحكومية وصيانتها والاشراف على استخدامها تتعارض مع سياسة الخصخصة التي بدأت تدور في فلكها كواحدة من مؤسسات القطاع العام 98 لتنتهي تصفيتها العام المقبل 2001. المسئولون بالمؤسسة والمتعاملون معها والعاملون بها تملكتهم الحيرة من القرار الصادر بحق تصفيتها ذلك لان الامر حري به ان يتم في نظرهم للمؤسسات الخاسرة وليس الرابحة او تبدو الصورة عكسية وكأنما المسألة برمتها نابعة من خطوة (نزواتية) فلم تشفع صيحات العاملين الذين ارتبطوا بالمؤسسة لعشرات السنين ولا الصور الغيابية التي ستحل في غياب المؤسسة ولا الخراب الذي بدت ملامحه تطل برأسها على الخزينة العامة لم تشفع هذه وغيرها في وقف القرار الذي بمقتضاه يتشرد الالاف من العاملين ليبدأوا مسيرة حياتهم من جديد بعد ان دخل قطاع عريض منهم سن المعاش. وفي هذا الجانب اوضح رئيس نقابة عمال النقل الميكانيكي عبدالرحمن قسم السيد ان الحكومة رغم انها وجهت بازالة الاثار السلبية للمتضررين من عملية الخصخصة في حالة وجود اصول ثابتة الا ان عمال النقل الميكانيكي يواجهون التشرد والضياع لانهم لم يجدوا اي اهتمام واضاف لم يكن امام هذا الواقع الا ان يرفعوا المسألة الى وزير المالية بحكم مسئوليتها في قرار التصفية. عباس سرالختم مدير مؤسسة النقل الميكانيكي من جهته اوضح ان قرار التصفية جاء في الوقت الذي لايزال النقل الميكانيكي يحقق ارباحا للدولة بيد انه اضاف ان الدور المركزي للمؤسسة اصبح لا وجود له بعد دخول القطاع الخاص في ايجار واستيراد وصيانة العربات وتطور مؤسسات العمل والحكم المحلي. وتمسك المدير العام بان للنقل الميكانيكي ادوارا لا يستطيع غيره القيام بها من تدريب السائقين وتأهيلهم اضافة الى الرقابة على العربات الحكومية والاشراف عليها في صرف الوقود وطريقته. وفي نظر مدير النقل رغم قرب انتهاء التصفية التي شارفت على الانتهاء فلا بديل للنقل الميكانيكي, ذلك لان الحكومة حتى الان لم تضع البدائل التي تحمي العربات الحكومية من سوء الاستخدام مبينا ان الحكومات الولائية لا تمتلك ورشا خاصة بها مما يدفع بها الى التعامل مع السوق بتكلفة عالية. على ارض الواقع تسير عملية التصفية دون النظر الى العواقب, فما انفض مزاد اعقبه اخر لبيع الشاحنات والآليات والمعدات الثقيلة التي كانت تنبض بها ردهات وميادين عمل وورش المؤسسة ويبرز الواقع المأساوي حينما تجد ان الحكومة التي تقوم بتصفية مؤسسة عامة تابعة لها, تتعاقد مع القطاع الخاص لصيانة عرباتها كأنما التصفية مقصودة لذاتها فقط دون حساب المخاطر وما يتبعها من آثار. امين علاقات العمل باتحاد عام نقابات عمال السودان هاشم احمد البشير اشار الى ان الحكومة بحلها للمؤسسة رغم ربحيتها يؤكد بجلاء تخلي الحكومة عن مسئوليتها ويمضي الى ايضاح ذلك بقوله ان الحكومة بدأت تتخلى عن هذه المسئولية تجاه مؤسسة النقل الميكانيكي عندما منحت بعض الشركات الخاصة تصاديق بايجار وصيانة العربات والتي كانت تتم اصلا بمؤسسة النقل الميكانيكي. ويذهب امين علاقات العمل باتحاد عمال السودان ابعد في رسم صورة سوداء لواقع سيارات القطاع العام وما ستتحمله خزينة الدولة بقوله ان ولاية الخرطوم فقط بها 15 الف عربة حكومية يشرف عليها النقل الميكانيكي بواسطة جهاز الرقابة على العربات الحكومية الذي وصفه بأنه من اهم الاجهزة بالمؤسسة. ويبقى القول ان تصفية المؤسسة وبالصورة التي رسمها المسئولون تكشف ظهر الحكومة ومؤسساتها العامة فيما يتعلق بالرقابة على العربات الحكومية كما انها تضيف اعباء ثقيلة على الخزينة العامة فيما يخص بند الصيانة وتأهيل العربات الذي كانت تتولاه مؤسسة النقل الميكانيكي هذا فضلا ان استيراد العربات الحكومية والاحتفاظ بتلك السجلات لكل عربة على حدة ستتشتت مركزيته الصارمة التي كانت تتولى مسئوليتها المؤسسة وفوق هذا وذاك سيتشرد الاف العاملين وتتفرق بهم السبل في وسط اجواء يحكمها العجز عن الايفاء بابسط ضروريات الحياة, واذا كان لابد من التصفية فيجب ان نسوي حقوق العاملين وان يتم استيعابهم في مختلف مؤسسات الدولة لخبرتهم الطويلة المتميزة فذلك اجدى وانفع. الخرطوم ـ البيان