لم تنم الجالية السودانية بالقاهرة طيلة الـ 48 ساعة التي سبقت مغادرة نحو مئة من كوادر حزب الامة مطاري القاهرة واسمرة في اتجاه الخرطوم التي حطوا بأرضها امس بعين تضحك وعين تبكي. ورغم ان الغالبية العظمى من كوادر حزب الامة التزمت الصمت وامتنعت عن التعليق فقد اتضح متأخراً في القاهرة أن قرار حزب الامة بالعودة ليس نهائيا أو كلياً، وأن مقر حزب الامة القائم في ميدان ألماظة بناحية مصر الجديدة سيظل مفتوحا يمارس نشاطه وسيبقى فيه خمسة من القيادات على رأسهم الصادق المهدي, والى جانبه حسن محمد حسن أمين الاعلام ونجيب الخير عبدالوهاب وصديق بولاد وابراهيم الأمين, وطبقاً لمصادر خاصة فإن بقاء مقر الحزب مفتوحا لن يقتصر على كونه هيئة شئون خارجية أو ادارة اعلام خارجي للحزب, أنما نوعا من التواجد الحزبي الكامل, كأن شيئا لم يحدث, الامر الذي وصفه مراقبون سياسيون سودانيون ومصريون أنه (ضربة معلم للغامض الواضح) الصادق المهدي, جمع فيها ما بين الانغراس في معارضة الداخل (المتأججة) الآن والتواجد الخارجي المؤثر والمناور أيضا للحكومة. زين صالح مدير مركز الثقافات السودانية.. المكان الذي يعتبره سودانيو القاهرة (دار الندوة) الخاص بالنقاشات السياسية لكل فصائل المعارضة وصف الخطوة بأن لها حيثيات تستحق التوقف فهو يرى ان هناك تغيرات طفيفة داخل السودان, لكن لا أحد ينكر أن هناك تغيرات. فكوادر الجبهة الاسلامية هي التي تحكم, لكن برنامج الجبهة الاسلامية ليس ما يحكم به.. فمثلا تم التنازل عن ما يسمى (المشروع الحضاري) .. وعن الطرح الاممي الاسلامي لكن ماذا عن النهج الانفرادي والاستئصالي للجبهة وهل هي جادة في طرح مساحة حريات وفي تقديم تجربة ديمقراطية؟ ومعروف ان ما تحقق في هذا الجانب من قدر محدود ليس لأن هذا ما تؤمن به لكن لأن هناك ظروفاً اقليمية وعالمية لا تسمح بغير ذلك. ويضيف: المهدي يعرف ذلك ويعرف أن هناك مساحة وأن هذه المساحة لا تسطيع الحكومة التراجع عنها بل أن هذه المساحة قابلة للزيادة والتمدد. وهناك عاملان آخران شديدا الخطورة: أولهما أن ترك الملعب السياسي للجبهة يلعب فيه منفردا لمدة عشر سنوات جعل اجيالاً بأكملها اسيرة ليس لخطابها السياسي وإنما لأمر واقع أو لحياد, والثاني أن مساحة الحريات التي تم انتزاعها في السنوات الماضية تم الاستفادة منها (صحفيا) ولم يتم الاستفادة منها سياسيا. إذا اضفنا لهذين العاملين عدم استطاعة المعارضة حسم المشكلة عسكريا وتفريغ السودان من قواه الحية عبر الهجرة واعادة التوطين اصبح الوضع خطيرا.. واصبح التواجد داخل السودان والتفاعل مع واقعه السياسي فرض عين. من نضال الى نضال عبد الرسول النور أحد قيادات حزب الامة وأحد من فجروا المشكلة في أسمرة التي انتهت بتجميد حزب الامة وأحد الراحلين في كتيبة العائدين إلى الخرطوم يقول: نحن لسنا عائدون من منفى ولا مصالحون في مساومة. أولا نحن ننتقل من شمالنا الحبيب مصر لجنوبنا الحبيب السودان, من طرف الوادي إلى طرف الوادي ولا مجال للمقارنة كما يقول البعض بين عودة اليوم وعودة ,1976 لان لكل واقعة ملابساتها, الخيار السياسي هو أحد المواثيق التي ارتضينا بها وهو واحد من ثلاثة خيارات وتغليب خيار على خيار مصدره أي الظروف أكثر ملائمة لهذا الخيار. ونحن لسنا ذاهبون إلى السلطة ولم نبرم أي اتفاقات وانما ذاهبون من نضال إلى نضال, ومن جهاد إلى جهاد, ذاهبون للالتحام بوطننا وأهلنا وذاهبون للدفاع عن برنامجنا لنرسم صورة الغد المشرق للسودان الذي يستحقها و لنعيد السو دان إلى ديمقراطيته. اتجاه معاكس على صعيد متصل وفي تصعيد لمواقفها شنت الحركة الشعبية هجوماً شرساً على خطوة حزب الامة بالعودة, وصرح ديفيد لوسنج مسئول الشعبة السياسية لمكتب الحركة بالقاهرة لـ(البيان) : نحن متأسفون جدا لهذا القرار ولم نكن نتوقعه وهو اتجاه معاكس لنضال التجمع, بينما يرى حزب الامة في الخارج ذلك فأن حزب الامة يعرف بعمق طبيعة النظام. اضاف ديفيد: أن الصادق لم يقدم بديلا سوى الاستسلام. وفي سؤال لـ (البيان) عما تردد أن الحركة الشعبية ستقوم بالعمل السياسي في الداخل رد ديفيد: لا وجه للمقارنة هنا, د. جون قرنق قال تحديدا إذا كانت الحكومة تؤمن بالديمقراطية فلتسمح للجناح السياسي بالعمل في الداخل. أنه يتكلم عن شيء مشابه لايرلندا جناح سياسي بالداخل وجناح عسكري بالخارج. لكننا واثقون أن الحكومة سترفض ذلك جذريا لأنها تعلم جيدا أن الحركة الشعبية إذا سمح لها بالعمل السياسي بالداخل فانها ستقدم الأطر السياسية التي سيلتف حولها كل السودانيين.. وهي أن الحل سودان جديد ديمقراطي تعددي لكل الاعراق والثقافات يوزع الثروة والسلطة على الجميع.