تظل قضية (القدس العاصمة الابدية) المتنازع عليها بين الفلسطينيين والاسرائيليين ـ في نظر غالبية المراقبين المعضلة الرئيسية على طاولة مفاوضات المرحلة النهائية, لكن بعض الخبراء يعتبرون ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي الاكثر تعقيدا وتهديدا لأي اتفاق سلام في الشرق الاوسط. جلال الحسيني هو احد هؤلاء الخبراء الذين يؤكدون ان (مصير ثلاثة ملايين ونصف المليون مشرد فلسطيني يعيشون في مخيمات الشتات منذ عشرات السنين, مازال يمثل بغموضه اصعب التحديات التي يواجهها المفاوضون) . تعود مأساة اللاجئين الفلسطينيين الى العام 1948 حين اعلن قيام دولة اسرائيل واجبر الفلسطينيون على ترك منازلهم والفرار من ارضهم بحثا عن ملاذ آمن من رصاص الهاجاناه وغيرها من الميليشيات الصهيونية, وبعد اكثر من نصف قرن ما زال الغموض يكتنف مصير ملايين الاسر الفلسطينية التي تعيش في مخيمات بلبنان وسوريا وغيرهما من الدول العربية, رغم تصدر قضيتهم جداول اعمال العديد من المؤتمرات والمحادثات الدولية. وينص اتفاق اوسلو الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1994 مع الحكومة الاسرائيلية على ان تكون قضية اللاجئين جزءا اساسيا من المرحلة النهائية لمفاوضات السلام الفلسطينية الاسرائيلية التي كان من المقرر ان تبدأ في سبتمبر المقبل, لولا ان رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك ضغط لتأجيل الموعد لبضعة اشهر مما اثار حفيظة الفلسطينيين وشكوكهم في نواياه. وبرغم ان سنه لم تتجاوز الخامسة والثلاثين, يعد جلال الحسيني ـ أحد الاقارب المقربين من الوزير فيصل الحسيني مسئول ملف القدس ـ من ابرز الخبراء في قضية اللاجئين الفلسطينيين. ولا تختلف قصة حياة هذا الخبير الشاب الذي ولد في احد مخيمات بيروت لأم سويسرية وأب فلسطيني عن قصص العديد من الفلسطينيين .. اذ فر من لبنان عام 1976 بسبب الحرب الاهلية والمذابح التي تعرضت لها مخيمات الفلسطينيين هناك, ثم اكمل دراسته الجامعية في جنيف. وكباحث بالادارة الفلسطينية لشئون الهجرة التي تتخذ من رام الله في الضفة الغربية مقرا. يشارك الحسيني في فريق العمل المكلف بالدفاع عن وجهة النظر الفلسطينية في جولة المفاوضات المقبلة مع الاسرائيليين. كما يعمل حاليا على انجاز رسالة الماجستير التي سجلها مع المعهد العالي للدراسات الدولية في جنيف تحت عنوان (أونروا ـ وكالة العمل وغوث اللاجئين التابعة للامم المتحدة) والحركة الوطنية الفلسطينية ـ بعد سياسي للمعونات الانسانية) . وقد حصل جلال الحسيني مؤخرا على منحة دراسية من مركز دراسات وابحاث الشرق الاوسط المعاصر في عمان (الاردن). وفيما يلي مقتطفات من مقابلة خاصة اجريناها معه مؤخرا: * تعريف مصطلح (لاجىء) امر اساسي لتحديد عدد الفلسطينيين الذين سيكون من حقهم العودة الى وطنهم والحصول على تعويضات. ماهي المعايير التي ستعتمدونها في وضع هذا التعريف؟ ـ منظمة التحرير الفلسطينية تقدر اجمالي عدد اللاجئين الفلسطينيين المشتتين في انحاء العالم بخمسة ملايين ومئة الف لاجىء. وهي تقسمهم الى ثلاث فئات, الاولى تشمل هؤلاء الذين فروا من فلسطين او طرودا منها اثناء الصراع العربي الاسرائيلي عام 1948, ففقدوا منازلهم واراضيهم وسبل رزقهم. وتضم الفئة الثانية اولئك الذين يعيشون داخل اسرائيل نفسها بعدما طردوا من قراهم, وهم يطالبون اليوم بحق العودة الى ديارهم وبالحصول على تعويضات اما الفئة الثالثة فتسمى باللاجئين الاقتصاديين, وتشمل جميع من فقد مصدر رزقه بسبب الاحتلال الاسرائيلي مثل البدو الذين اضطروا الى تغيير نمط حياتهم بعد حرب 1948, والذي لاتعترف اسرائيل بالعودة الى مواقعهم بينما تمنحهم الاونروا مساعدات دون الاعتراف بهم كلاجئين. * هل تعتقد ان تعريف أونروا لكلمة لاجىء أبسط ( من المفهوم الفلسطيني) وأقل إثارة للجدل؟ ـ أونروا تعتبر ان أي شخص عاش في فلسطين لمدة عامين على الاقل قبل الخامس عشر من مايو من العام 1948 هو لاجىء, مثله مثل اي شخص فقد داره او عمله نتيجة الحرب في السنوات اللاحقة. ووفقا لهذا التعريف, فقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المعترف بهم من قبل الوكالة الدولية عام 1999 حوالي 3.6 ملايين لاجىء لكنه رقم يتغير عاما بعد آخر بالطبع لان المواليد الجدد ينضمون الى القائمة باستمرار. * الرقم الاسرائيلي المعلن رسميا لعدد اللاجئين الفلسطينيين يدور حول مليونين فقط ... هل ستدور المفاوضات المستقبلية على هذا الاساس؟ ـ ما زلنا بعيدين جدا عن مرحلة مناقشة ارقام اللاجئين, كل ما توصلنا اليه حتى الآن هو خطاب الافتتاح الرسمي في رام الله لموضوع اللاجئين, بتبادل مبدئي للمعلومات بين الفلسطينيين والاسرائيليين لوضع الاساس لاتفاق الاطار العام, وفي هذا السياق, نوجه الاسئلة التالية للجانب الاسرائيلي: هل تقبلون مبدأ الحق في العودة؟ وهل انتم مستعدون لدفع تعويضات للاجئين؟ . علينا ان نعترف بوجود خلاف كلي بيننا وبينهم (اي الاسرائيليين ) في الوقت الراهن, لكن ما ان يصاغ الاطار العام ستبدأ المفاوضات حول النقاط النهائية على الفور. وحينئذ سيكون بامكاننا مناقشة عدد اللاجئين, وتحديد من منهم له حق العودة ومن منهم له الحق في الحصول على تعويضات. * ألم تعيق أونروا تقدم قضية اللاجئين بابقائهم في مخيمات وامدادهم بالمعونات حتى باتوا معتمدين كليا على الامم المتحدة؟ ـ وكالة غوث اللاجئين الدولية أونروا استهدفت توطين اللاجئين في الدول المضيفة, باستثناء مصر التي رفضت استضافة اللاجئين, لكن المؤكد ان أونروا فشلت في مهمتها بسبب مقاومة اللاجئين انفسهم للفكرة. أجل, لقد خلقت أونروا لدى اللاجئين حالة من التواكل والاعتماد على المعونات, وبخاصة في مجال التعليم. لكن ما فعلته يبقى ميزة لاناس لا يملكون اي بديل. لكن تعمد منظمة التحرير الفلسطينية اقحام اللاجئين في حركة التحرر ربما خفف من وطأة الاحساس بالتبعية والاعتماد الكلي على المنظمة الدولية, باستثناء ما يتعلق بالامور الاقتصادية. والحقيقة ان التوصل الى اتفاق نهائي مع اسرائيل سيطرح تحديا رئيسيا يتمثل في انتقال هيكليات الأونروا الى السلطة الفلسطينية والى الدول التي يزداد فيها عدد اللاجئين مثل الاردن ولبنان وسوريا. * الفلسطينيون ظلوا رافضين لفكرة التعويضات لزمن طويل لانهم لم يحبوا ان يظهروا في صورة (من يبيع) وطنه. فما الذي تغير الآن؟ ـ لقد ناضل الفلسطينيون طويلا لتحرير وطنهم رافعين شعار (العودة الى الوطن) ببساطة لان قبول التعويضات كان يعني في ذلك الوقت التخلي عن الدولة الفلسطينية وخيانة القضية. لكن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية باسرائيل تسبب في الفصل بين النضال من اجل العودة الى الوطن والنضال من اجل اقامة دولة فلسطينية. ويجب توضيح ان التعويضات المادية لن تقتصر فقط على اولئك الذين لايرغبون في العودة الى ديارهم, وانما من حق الراغبين في العودة ايضا الحصول على تعويض مقابل الخسائر التي تحملوها وفقدان ممتلكاتهم بسبب الاحتلال الاسرائيلي. * رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك صرح مؤخرا بأنه يعارض عودة ولو لاجىء فلسطيني واحد الى اسرائيل, لكنه عاد ليؤكد انه لا يمانع في عودة اللاجئين فور تأسيس الكيان السياسي الفلسطيني ...؟ ـ القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948, والذي وقعت عليه اسرائيل ايضا, يتحدث بصراحة عن حق اللاجئين في اختيار العودة الى وطنهم, ووطنهم هذا هو يافا التي تخضع للسيادة الاسرائيلية حاليا, وليس في رام الله .. لكن الوضع مختلف بالنسبة لهؤلاء الذين رحلوا عن الضفة الغربية الى الاردن بعد حرب 1967, وهؤلاء بالتحديد هم من ينطبق عليهم كلام باراك. وللعلم فان عدد هؤلاء اللاجئين يتراوح بين 600 الف ومليون شخص. * وهل ستملك اي دولة فلسطينية الامكانيات الكافية لاستضافة هذا العدد مرة اخرى؟ ـ كلا .. ليس على المدى القصير, حسبما تؤكد احدث دراسات الاتحاد الاوروبي ربما سيكون ذلك ممكنا في مرحلة لاحقة نشهد فيها اقامة كونفيدرالية اردنية فلسطينية. * باراك يؤيد ايضا مبدأ التعويض باشراف لجنة دولية .. باختصار هو يرفض تحمل اي مسئولية اخلاقية او قانونية بخصوص اللاجئين؟ ـ الاسرائيليون قد يقبلون بسهولة حق عودة لاجئي 1948, ليس وفق قرار الامم المتحدة رقم 194, وانما على اساس اعادة لم شمل الاسر المتشتتة, وقد قدر أحد السياسيين الاسرائيليين عدد من ينطبق عليهم هذا الظرف بمئتي الف فلسطيني, لكن الفلسطينيين نجحوا في زيادة عدد حالات لم الشمل من الفين الى ثلاثة آلاف حالة في العام الواحد, وهذا بالتحديد هو النجاح الوحيد الذي حققوه في اطار المفاوضات متعددة, الاطراف, لكنه ليس بديلا باي حال من الاحوال عن القرار 194. * هل تعتقد ان تخصيص (لجنة دولية) لادارة تعويضات اللاجئين فكرة طيبة؟ ـ أجل ... الفلسطينيون يتقبلون فكرة لجنة للتعويضات تشرف عليها الامم المتحدة او اي منظمة دولية اخرى. وهناك طريقتان لدفع التعويضات وفقا للقانون الدولي. الدفع بطريقة مباشرة لكل صاحب عقار ( او ارض ) او باسلوب النسبة الثابتة لمجموعة من اللاجئين على اساس اعتراف الدولة بتضررهم واستفادتها من الممتلكات التي خلفوها وراءهم طيلة هذه الفترة. * وما الحل المالي الذي قد يتقبله المفاوض الفلسطيني؟ ـ حل قائم على حساب كل حالة على حدة بحسب قيمة الممتلكات المفقودة, وقد يبلغ اجمالي التعويضات في هذه الحال ما يعادل 147 مليار دولار. * لكن حلا كهذا لن يستفيد سوى طبقة الاثرياء الذين كانوا يمتلكون عقارات او أراضي بالاساس ... اذ لن يحصل العمال وصغار المزارعين الذين فقدوا كل شيء عام 1948 والذين يشكلون القطاع العريض من لاجئي المخيمات على اي تعويض؟ ـ بالفعل .. هذا الحل يبدو بالنسبة الي شخصيا غير عادل ولا اخلاقي, ويضيع حقوق اللاجئين الذين تحملوا تبعات النضال الوطني من مخيمات وضيعة, وبدلا من ذلك اتصور انه يمكن ادماج النظامين في حل واحد. بحيث يمنح مبلغ ثابت لكل لاجىء غنيا كان ام فقيرا, وهنا سيكون التعويض عن الضرر النفسي, تماما كما فعل الالمان مع اليهود بعد الحرب العالمية الثانية. * وهل يقارن الفلسطينيون حالتهم بوضع اليهود اثناء الهولوكوست ( المحرقة النازية) .. اليس في هذا نوع من المبالغة؟ ـ يجب الا نقارن بين تاريخي اي امتين او حتى بين معاناة شعب وشعب آخر .. الفلسطينيون مؤمنون بانه ايضا عانوا خسائر جسيمة كشعب ومن ثم يستحقون التعويض. اننا نستخدم الحلول التي وجدت لليهود بعد الحرب العالمية كاطار مرجعي فقط. فالاسرائيليون يستطيعون مساعدتنا بشكل عملي, لان لديهم خبرة سابقة في هذا المجال. * وهل يجب ان تشارك دول الشتات مثل لبنان وسوريا والاردن في المفاوضات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين؟ ـ الحقيقة ان اي اتفاق فلسطيني اسرائيلي في هذا الصدد لن يكون قابلا للتحقيق ما لم تقره هذه الدول. وبالطبع ستصر نسبة معينة من اللاجئين الفلسطينيين على البقاء في هذه الدول, بغض النظر عن التوصل او عدم التوصل الى اتفاق بشأنهم مع اسرائيل. ولذا فان المستقبل سيحمل علامات استفهام عديدة قد يستعصي وضع اجابات شافية لها في المدى القريب. مثلا: ماذا سيحدث للاجئين في لبنان المضطرين للبقاء هناك؟ هل سيستمرون مواطنين من الدرجة الثانية؟ وماذا سنفعل اذا ما رفضت سوريا السماح للاجئين الذين يحصلون على تعويضات من اسرائيل بالبقاء على ارضها؟ سيتوجب علينا ان نقيم حوارا وشيكا بين منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية المضيفة للاجئين, بغض النظر عن التوصل لاي اتفاق مع اسرائيل. * من هم اللاجئون الذين يرغبون في العودة الى وطنهم؟ ـ أفقر الاشخاص في سوريا والاردن يميلون الى الافصاح عن استعدادهم للعودة .. لكن الوضع مختلف في لبنان, اذ لاحظت عدم ارتياح بين جيل الشباب الذين لايعرفون فلسطين ويعتبرون انفسهم لبنانيين, وهؤلاء الذين يعيشون في مخيمات غزة هم الاكثر تحمسا للعودة الى اسرائيل, كل مايبتغونه هو استرداد ارضهم, بغض النظر عن الحصول على الجنسية او المواطنة الاسرائيلية التي لا تهمهم في شيء. اما الفلسطينيون الناجحون ـ اقتصاديا ـ في الاردن فيبدون اقل حماسا للعودة, وان كانوا يرغبون في الحصول على فرص للاستثمار في اسرائيل. * هل يضع حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نهاية الصراع العربي الاسرائيلي في رأيك؟ ـ لا ادري .. فوفقا لنتائج استطلاع حديث, يعتقد اغلب الفلسطينيين والاسرائيليين ان قضية القدس هي المشكلة الاصعب في حلها, وتأتي بعدها مباشرة مشكلة اللاجئين. اما انا فأرى ان مشكلة اللاجئين هي الاصعب, بسبب حجم القضية التي تمس مصير اكثر من خمسة ملايين فلسطيني وفلسطينية.