كان البابا يوحنا بولس الثاني رأس الكنيسة الكاثوليكية يحلم على مدى عقدين من الزمن بزيارة مواقع في الشرق الاوسط ورد ذكرها في الكتاب المقدس, والصلاة مع قادة روحيين من الديانتين الأخريين اللتين تؤمنان بوحدوية الله: الاسلام واليهودية. اليوم, ومع اقتراب البابا الذي انهكه المرض, مما يسميه البعض نهاية بابويته, يبدو هذا الرجل بولندي الاصل البالغ من العمر 79 عاما, على عتبة تحقيق امنيته الغالية, بين العشرين من مارس الجاري والسادس والعشرين منه, انتقل يوحنا بولس الثاني في رحلة تاريخية قادته الى الاردن واسرائيل والاراضي الفلسطينية. هناك, تمكن الزعيم الروحي الاكثر تجوالا في انحاء العالم, من تفقد بعض من المواقع الاكثر قدسية في العالم التي تمثل بالنسبة الى ملايين المؤمنين من مختلف الاديان على سطح الكوكب, قوة ومعنى روحيا جاذبا .. ووفقا لكلماته هو ان تلك الاماكن هي (المساحات المقدسة التي كثف فيها الخالق اختباراته اكثر مما فعل في مناطق ودول اخرى من هذا العالم. بيت لحم والقدس والناصرة واريحا, وكل مدينة زارها البابا التقى فيها الشخصيات الدينية الكبرى فيها سواء كانت يهودية او مسلمة. وجدول زياراته المنهك بعض الشيء اختبر القدرة الجسدية والنفسية التي يختزنها هذا الرجل الى اقصى الحدود. وقد قال البابا بوضوح انه يتطلع الى الرحلة على انها تتويج لذروة انجازاته الشخصية, وبمعنى آخر, انها تأتي لتتربع على قمة مرحلته البابوية الحافلة بنشاطات كثيرة. وقد يكون ذا معنى ان يستطيع القيام اخيرا برحلة حدث في السنة 2000, التي اعلنها البابا سنة اليوبيل, على امل ان تضمد الرحلة جروحا قديمة وان تطلب السماح عن اخطاء الماضي. الزيارة البابوية للاراضي المقدسة تشكل ذروة السياسة التي انتهجها رأس الكنيسة الكاثوليكية والقاضية ببناء جسور الثقة مع الديانتين الاسلامية واليهودية اللتين كانت علاقتهما مع كنيسة روما حتى الامس القريب فاترة. ومنذ البداية تقريبا, كانت لدى البابا يوحنا بولس الثاني نظرة مسكونية, ومع تمرسه في مهماته البابوية ازداد اصرارا على الحاجة الى الحوار, واشار الى ان الكنيسة الرومانية الكاثوليكية على استعداد لقبول انتقادات عن اخطاء الماضي في حق كل من المسلمين واليهود, وهذا الكلام تكرر مع اقتراب سنة اليوبيل. في مارس, وقبل اسبوع من مغادرة البابا يوحنا بولس الثاني الى الشرق الاوسط, قدم البابا اعتذارا علنيا عن المظالم التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية على مر العصور, بما فيها الحملات الصليبية ضد المسلمين واضطهاد اليهود والتحقيقات في شأن ما سمي هرطقات دينية ومحاولات الاكراه على اعتناق المسيحية, وحتى المغالاة في الوطنية. وكان اللقاء غير العادي الذي اعد للبابا في ساحة كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان جزءا من الرغبة البابوية المعلنة لمحو آثار الماضي على صعيد العلاقات مع الديانات الاخرى والدخول في الالفية الجديدة بذهنية واضحة. وكان البابا يوحنا بولس الثاني قد زار في العام 1965 ما تسميه الكنيسة الكاثوليكية اراضي مقدسة, وذلك عندما كان اسقفا على (كراكوفا) في بولندا وطنه الام. وكانت الزيارة كما وصفها, (تجربة لا يمكن نسيانها) , لكن ولأعوام عدة عبر عن رغبة قوية في (الذهاب شخصيا للصلاة في اكثر الاماكن اهمية التي شهدت بحسب العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس, شاء الله, ان يكون ذلك في الذكرى الالفين لميلاد السيد المسيح. وتحمل البابا في رسالة مفتوحة تسطر الخطوط العريضة لرحلته هذه, عناء التذكير بان الاراضي المقدسة عزيزة ايضا على نفوس المسلمين الذين يتطلعون اليها بوقار وتبجيل. وقال في هذا الاطار: آمل في ان تسنح لي الفرصة, في اثناء زيارتي للاماكن المقدسة, لان التقي ابناء الطائفة الاسلامية. ويعد مد يد الصداقة للعالم الاسلامي حكيما من الناحية الدبلوماسية كما انه ينظر اليه من الناحية الاخلاقية على انه نقطة استشراف لصانعي السياسة الحديثة داخل اروقة الفاتيكان, فعدد المسلمين يمكن ان يتجاوز في العالم عدد ابناء الكنيسة الكاثوليكية في الالفية الثالثة. وكان البابا قد ارسى الدعائم لرحلته الكبرى بزيارة دامت ثلاثة ايام لمصر حيث لقي هناك تكريما كاملا من الرئيس حسني مبارك الذي اثنى عليه واصفا اياه بانه (رجل شجاعة وحكمة وتسامح) . وفي اثناء اقامة البابا يوحنا بولس الثاني في مصر, التقى الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ جامعة الازهر في القاهرة وهي السلطة الاسلامية العليا في البلاد. وقبل الشيخ طنطاوي دعوة الى زيارة البابا في وقت لاحق من هذه السنة لمواصلة حوار بدأ بين علماء لاهوت وفقه من المرجعيتين الفاتيكان والازهر قبل نحو 20 عاما, بتوجيهات من البابا البولندي. وفي اللقاء الذي اجري الشهر الماضي بين الشخصيتين, شكر الشيخ طنطاوي البابا يوحنا بولس الثاني عما سماه (موقفه المشرف فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني) . فعلى مدى اعوام بابويته كان البابا يدعو باستمرار الى حل للأزمة الفلسطينية. وعبر بوضوح عن أساه لمراوحة المحادثات بين الاسرائيليين والفلسطينيين التي توقفت في مطلع فبراير ولم تستأنف الا في الاسبوع الاخير. رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات يتردد بانتظام على حاضرة الفاتيكان, ففي فبرار الماضي كرر دعوة البابا الى ضم اريحا المدينة الخاضعة للسلطة الفلسطينية الى المدن المدرجة على جدول جولته, لكن التعريج غير المنتظر على اريحا الذي يندرج في اطار مقترحات التحضير للزيارة, اظهر بعضا من الالغام السياسية التي يمكن ان يسير عليها البابا اثناء جولته في الشرق الاوسط. خلال زيارة الرئيس عرفات, تم توقيع اتفاق مثير للخلاف ولكنه تاريخي, بين الفاتيكان والفلسطينيين يضمن حقوق الديانات كلها في الاراضي الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني, لكنه ينتقد ضمنا السياسة الاسرائيلية في القدس. الاتفاق الذي لقي ادانة شديدة من الحكومة الاسرائيلية, حذر اسرائيل من ان القرارات الاحادية التي اتخذتها فيما يتعلق بموضوع مدينة القدس هي (مرفوضة من الناحية الاخلاقية والقانونية) ودعا الى حل عادل للمدينة موضوع الخلاف. الجانب الاسرائيلي الذي لم يقو على السيطرة على غضبه, والذي طالما اتهم البابا يوحنا بولس الثاني بأنه منحاز الى الفلسطينيين, اتهم رأس الكنيسة الكاثوليكية بدعم المطالب التقليدية لمنظمة التحرير الفلسطينية الهادفة الى جعل القدس الشرقية العربية عاصمة لدولة فلسطينية في المستقبل, وقد دان ايهود المرت رئيس بلدية القدس الاتفاق بين الفاتيكان ومنظمة التحرير واصفا اياه بانه يستحق الشجب من الناحية الاخلاقية. وحذر من ان الامر يمكن ان يجعل للزيارة المقبلة التي ينوي البابا يوحنا بولس الثاني ان يقوم بها للاراضي المقدسة (طعما مرا) . توقيت الاتفاق الفاتيكاني الفلسطيني كان بالتأكيد غير مناسب. خصوصا ان الحدث جاء في الوقت الذي بدأت فيه العلاقات التقليدية المتشنجة بين اسرائيل والفاتيكان تخف حدتها. في الماضي كان عداء اليهود للكنيسة الكاثوليكية يتمحور حول لومهم الفاتيكان بعدم القيام بدور كبير لمساعدة ضحايا محارق النازية, وبان الكرسي البابوي عمل بفاعلية على مدى العصور على اضطهاد اليهود. وفي اطار جمع الاوراق تحضيرا للزيارة البابوية للشرق الاوسط, تجشم البابا يوحنا بولس الثاني عناء التأكيد على انها ستكون كما قال: (زيارة حج دينية بحتة, بطبيعتها واهدافها) . واضاف: سأكون تعيسا للغاية اذا ما حاول احد ان يسبغ معاني اخرى على مخطط الزيارة الذي اردته انا بنفسي. لكن على رغم هذه التأكيدات, فان التحضيرات للرحلة لازمتها عقبات انذرت بان الزيارة ستكون صعبة ومثيرة للجدل, فالمتطرفون من الجانبين الاسلامي واليهودي اعلنوا بوضوح للبابا, انه لن يكون موضع ترحيب, وذهب بعض المتشددين من الجانبين الى حد تهديد سلامته الشخصية. وظهرت في (مياشاريم) احدى الضواحي اليهودية للقدس التي يقطنها يهود اورثوذكس على جانب كبير من التطرف, ملصقات على الجدران تدين البابا يوحنا بولس الثاني وتصفه بانه (شرير) وتحذر من ان زيارته لم تمر بسلام, وزادت من حدة الكره اشارات الى ان البابا سيزور في يوم السبت اليهودي مدينة الناصرة التي شهدت مرحلة طفولة السيد المسيح, حيث يقيم قداسا هناك. هذا القداس سيجبر اعدادا من الشرطة الاسرائيلية على العمل يوم السبت اليهودي. اما فيما يتعلق بالمتطرفين المسلمين, فانهم اعترضوا بشدة على الزيارة وذهبوا الى حد تهديد البابا, وعادة ما يكون الامن مشددا في اي رحلة يقوم بها البابا, من هنا فان زيارته للاماكن المقدسة شكلت ارقا كبيرا لمنظميها, وتنظر اسرائيل الى مهمة حماية البابا على انها التحدي الاكبر الذي واجهها في تاريخها الحديث. لكن في الاعوام الاخيرة, نمت مخاوف كبيرة من تعرض البابا لاعتداء على يد متشددين مسلمين, ففي العام 1997, واثناء زيارته لسراييفو عاصمة البوسنة والهرسك, تم في الساعات الاخيرة الكشف عن مؤامرة دبرها مسلحون مسلمون لتفجير موكبه. ومن المؤشرات المبكرة التي حضت البابا تحصين نفسه لمواجهة رحلة مرهقة, برزت العام الماضي عندما خسر الفاتيكان معركة طويلة ومضنية لضم العراق الى جولته. وكان البابا يأمل في ان يبدأ رحلة الحج بزيارة لمدينة (اور) القديمة جنوب العراق, التي شهدت وفق الكتاب المقدس ولادة ابراهيم, الشخصية التي تلقي احتراما في الاديان الثلاث: اليهودية والمسيحية والاسلام. لكن في ديسمبر, وبعد شهور من المفاوضات الدبلوماسية التي اجراها مسئولون في الفاتيكان, بدا واضحا ان المصاعب كثيرة جدا امام البابا. على الصعيد الرسمي, ذكر ان المشكلات الامنية المتأتية عن منطقة الحظر الجوي المفروضة على العراق منذ العام 1991 بعد حرب الخليج هي السبب في عدم تمكن العراق من الاضطلاع بمهمة ضمان أمن رحلة البابا, لكن السبب الحقيقي, كما كشف احد العارفين بشئون الفاتيكان من الداخل مشترطا عدم ايراد اسمه, هو ان الامريكيين لم يردوا لبابا يوحنا بولس الثاني ان يتوجه الى العراق لانهم يعتقدون ان زيارة من هذا النوع يمكن ان تعطي صدام حسين الرئيس العراقي نوعا من الشرعية الدولية. وقد مارست الولايات المتحدة مقدارا كبيرا من الضغوط على الفاتيكان في هذا الاتجاه لمنع الزيارة. وفي الماضي, دان البابا يوحنا بولس الثاني مرارا العقوبات الدولية المفروضة على العراق وكان قاسيا في معارضته العمل العسكري الذي شنه التحالف الغربي العربي على العراق بعد اجتياحه الكويت. وفي النهاية, اجبر البابا على احياء المعنى الروحي لزيارته (اور) التي كان يريد من خلالها ان تكون رمز مصالحة بين الديانات الثلاث الكبرى, من خلال عرض شريط فيديو عن الموقع التوراتي حيث انصاع سيدنا ابراهيم عليه السلام لمشيئة الله وقرر تقديم ابنه اسماعيل ذبيحة لربه وخالقه. في الفاتيكان, حيث المسئولون متكتمون ومتحفظون عن توضيح الدبلوماسية البابوية, يلاحظ ان الجو شديد الحذر اكثر من ذي قبل, في المجلس البابوي للحوار بين الاديان, تحدث المونيسنيور (مايكل فيتزجيرالد) المعين من الكرسي الرسولي في مهمة تحسين العلاقات مع الديانات الاخرى, بتحفظ عن زيارة البابا للشرق الاوسط, فقال: لا اريد ان ارسم توقعات خاطئة, هناك صعوبات الجانب اليهودي يطالب بألا يتم احياء قداس يوم السبت في الخامس والعشرين من مارس واين يلتقي قداسته المسلمين اذا تمكن من لقائهم؟ وفي الواقع ان الجدول النهائي لزيارة البابا وضع قبل ساعات من بدء الجولة وحسبما هو معروف انه على الجانب المسلم, التقى البابا عاهل الاردن حيث بدأت جولته من الاردن ثم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. لكن, على رغم ان بناء الجسور مع الاسلام واليهودية هو الهدف الاهم للجولة, فان البابا يأمل في ان تساعد زيارته في تضميد جروح قديمة داخل الكنيسة المسيحية نفسها, ولاسيما بين الكاثوليك وكنيسة الروم الاورثوذكس التي تطرح اسئلة عن سلطة البابا, وهذا الانشقاق عمره الف عام. ويوضح مسئول رفيع المستوى في الكرسي البابوي ان الكنيسة المسيحية منقسمة على نفسها, هناك الروم الاورثوذكس والروس الاورثوذكس واقباط مصر . وبعضهم يشكك في الكنيسة الكاثوليكية في روما اكثر من اليهود انفسهم او المسلمين. خلال الزيارة الاخيرة التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني لمصر التقى البابا شنودة رأس الكنيسة القبطية, لكن العلاقات مازالت متواضعة مع الكنيسة القبطية كما مع غيرها من الفروع الاورثوذكسية المسيحية التي لديها اتباع على امتداد اوروبا الشرقية والبلقان والشرق الاوسط, ويرى بعض القادة الروحيين الاورثوذكس ان رأب الصدع القديم بين الكنيستين يتطلب معجزة. روما ـ كليربيدريك