توفي صباح أمس الخميس عن عمر يناهز السادسة والتسعين الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي حمل اسم المجاهد الاكبر نظرا لكفاحه المرير ضد الاستعمار الفرنسي ودوره الاساسي في معركة الاستقلال. حكم بورقيبة تونس من دون منازع طيلة ثلاثين عاما قبل ان ينهي حياته منعزلا في مدينته المنستير اثر قيام رئيس وزرائه زين العابدين بن علي بتنحيته في نوفمبر 1987 بسبب (عجزه الجسدي) . فقد ادرك الوهن المجاهد الاكبر ابتداء من منتصف الثمانينيات وتحول محرك الجماهير صاحب الخطب النارية الى عجوز انهكه المرض واتعبته السنون فخفت صوته وثقلت قدماه ولم يعد قادرا على احتواء النزاعات بين مراكز القوى في السلطة التي كانت تتصارع على خلافته. ولد بورقيبة في الثالث من اغسطس 1903 في المنستير في الوسط الشرقي للبلاد من عائلة متواضعة لصياد له سبعة ابناء. انتسب في السابعة عشرة الى حزب الدستور الليبرالي الذي كان يطالب باقرار دستور لتونس يحل محل نظام الحماية الفرنسية القائم منذ عام 1881. فور انتهاء دروسه الثانوية انتقل الى باريس حيث درس المحاماة والعلوم السياسية ليعود ويعمل كمحام في العاصمة في الرابعة والعشرين من العمر. ولم يطل الامر به في صفوف حزب الدستور فانشأ عام 1934 حزب الدستور الجديد الذي تحول عام 1964 الى الحزب الاشتراكي الدستوري, الحزب الوحيد الحاكم في البلاد. ومنذ الثلاثينيات برزت زعامته بقوة وبات رمزا للوطنية التونسية التي ترفض الاستعمار الفرنسي الذي حاربه بـ (شراسة ولكن من دون حقد) . ولم تكن شخصيته عادية, فهو المناضل العربي المتأثر كثيرا بالثقافة الفرنسية, وقد امضى نحو عشر سنوات من حياته منفيا او في السجون الفرنسية (من 1934 الى 1936 ومن 1938 الى 1943). بعد ان حمل لقب (المجاهد الاكبر) فضل بورقيبة الانتقال الى المنفى بين عامي 1945 و1949 فجال في العديد من بلدان الشرق الاوسط مدافعا عن قضية بلاده الساعي الى الاستقلال خصوصا لدى الجامعة العربية الناشئة انذاك. في العام 1952 اعتقل مجددا ووضع قيد الاقامة الجبرية في فرنسا قبل ان يعود مظفرا الى تونس عام 1955 بعد ان اعطت الحكومة الفرنسية برئاسة بيار منديس فرانس تونس الحكم الذاتي الداخلي. وفور اعلان الاستقلال في العشرين من مارس 1956 تسلم بورقيبة رئاسة الحكومة ليصبح بعد عام رئيسا للبلاد. لم يتردد بورقيبة مستندا الى شعبيته الواسعة في اتخاذ قرارات اعتبرت جريئة فوضع قانونا للاحوال الشخصية منع تعدد الزوجات وفرض شروطا قاسية على الطلاق. وبعد ان اعيد انتخابه مرارا وتكرارا لولايات عدة اعلنه البرلمان التونسي في مارس 1975 رئيسا لمدى الحياة. فانتشرت في البلاد مظاهر عبادة الشخصية ولم يتردد المجاهد الاكبر بالقول في تلك الفترة ان (تونس محظوظة لوجود نابغة يحكمها, مع ان التاريخ اثبت ان هذا النوع من الظواهر لا يتكرر) . وخلال تجمع شعبي في شهر رمضان لم يتردد جهرا في احتساء كوب من عصير الفاكهة معتبرا انه لا يجوز الصيام اذا كان على حساب تقدم الامة. اتخذ مواقف غريبة من الصراع العربي-الاسرائيلي واقترح منذ عام 1964 قيام دولتين عربية واسرائيلية بناء على قرار التقسيم ما جعله عرضة لهجمات عنيفة من العديد من الدول العربية. استفاد من انتقال مقر الجامعة العربية الى تونس عام 1979 اثر توقيع مصر على اتفاقيات كامب ديفيد, ثم انتقال مقر القيادة الفلسطينية الى تونس ايضا عام 1982 ليعزز دوره في العالم العربي. في يناير 1984 فاجأته (ثورة الخبز) فقرر الغاء قرار رفع اسعار الطحين (الدقيق) ليضع حدا لاعمال شغب واضطرابات اوقعت نحو مئة قتيل في تونس. قبل اقالته تنامى التيار الاسلامي في البلاد عبر حركة النهضة وشهد الوضع الاقتصادي تدهورا خطيرا كان اشبه بالانهيار ولم تعد مراكز القوى المختلفة تخفي اطماعها بالوصول الى السلطة لخلافة المجاهد الاكبر. تزوج بورقيبة في العام 1927 الفرنسية ماتيلد لوران التي اصبح اسمها مفيدة بعد ان اعتنقت الاسلام فرزق منها ولدا قبل ان يطلقها عام 1961. في العام 1962 تزوج مرة ثانية من وسيلة بن عمار المناضلة في الحزب الحاكم التي طلقها في اغسطس 1986 وتوفيت في يونيو 1999. لا يخفي المقربون من بورقيبة مشاعر الاعجاب بشخصه والخوف منه في الوقت نفسه. جمع بين الحزم والعاطفة ولم يتردد مرة في الاجهاش بالبكاء علنا وهو يروي مراحل من معركة الاستقلال. وفي أواخر حياته كان بورقيبة يقول (انا لا اخشى الموت, وعندما تحين ساعتي سأرحل بشعور من اتم الواجب الملقى عليه) . أ.ف.ب