اعترف زعيم حزب الامة السوداني, رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي انه يخوض مغامرة سياسية لا يضمن نتائجها باعادة كوادر حزبه الاساسيين من المنفى الى الداخل لكنه بدا متفائلاً بالحصول على دعم شعبي للانتقال السلمي للديمقراطية, كما بدا يائساً من اوضاع تحالف المعارضة في الخارج. وفي مؤتمر صحفي عقده الليلة قبل الماضية في فندق شبرد بالقاهرة, شرح المهدي مجدداً باسهاب تفاصيل خلافه مع (التجمع الوطني الديمقراطي) حتى انتهى الامر الى الانسلاخ وهاجم مجدداً حركة قرنق محملاً الاخير مسئولية (حرب الكلام) النابي بينهما. وجدد المهدي ادانة حزبه للمعارك الدائرة في شرق السودان حالياً بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة وقال ان ذلك يعتبر (غباء سياسي) دون ان يلقي باللائمة على طرف بعينه. وقبل ان يجيب على اسئلة الصحافيين بدأ المهدي المؤتمر الصحافي بكلمة القاها باللغة الانجليزية استهلها بقوله: (السودان يمر الآن بلحظة مرعبة ومصيرية وسط تطورات محلية واقليمية مركبة ويحتاج لتضافر جهد جميع ابنائه) واستطرد قائلاً: (ان الذين يسألون لماذا يعود حزب الامة الى السودان عليهم ان يعودوا الى السؤال الاول.. ولماذا خرج اصلاً) . ومضى يقول: (في ديسمبر 1996 قررنا وقف نشاطنا السياسي بعد ان اكتشفنا ان الهامش الديمقراطي يتضاءل كأقصى حد. تعاملوا معنا كرهائن واكتشفنا ان وجودنا او قبولنا للوجود بهذا الشكل سيؤثر على وضعنا الداخلي والخارجي. قررنا حرمان النظام من استغلال وجودنا في الداخل كمؤشر لهامش ديمقراطية ما وفي الوقت نفسه ان نكثف نشاطنا الخارجي لمحاصرة النظام. كانت الاجندة المتطرفة للانقاذ قد وصلت مداها بدءاً من انتهاكات حقوق الانسان التي اصبحت مادة ثابتة في تقارير المنظمات الدولية الى دعم الاصوليين الى استياء جيراننا مما تمارسه الجبهة ضدهم لهذا كان منطقياً في ذلك الوقت ان نرى فرصتنا في النشاط الخارجي للنظام لنستغل هذه المساحة لصالح الشعب السوداني وطموحاته وامانيه) . واستطرد قائلاً: (اما ما يحدث الآن.. فهو العكس تماماً. فالنظام منذ عام 1997 بدأ يغير خطابه على كل مستوى تقريباً ولا بد ان يكون لذلك استجابة سياسية مختلفة. من ابرز هذه التغيرات ان النظام بدأ يطبع علاقاته مع الجيران هذا يعني ان هامش الداخل اتسع بينما هامش الخارج يتضاءل.. ويمضي شارحاً ذلك: (حزب الامة تابع ويتابع عن كثب هذه التطورات, نحن مثلاً لم نعد نتوقع نفس التسهيلات التي اعتدناها من جيراننا اثناء نضالنا السابق وفي الوقت نفسه لدينا هامش في الداخل قابل للتمدد. الصحافة السودانية استغلت هذا الهامش, لو الاحزاب السياسية اشتبكت مع هذا الوضع سيتغير المناخ السياسي بأكمله ونحن لا نعتقد ان هذا سيتم التراجع عنه وحجم ومدى هذا سيعتمد على كفاءة وطاقة وفاعلية القوى السياسية, في السياسة لا توجد ضمانات او اتفاقات, الاتفاقات تبقى رهنا بحجم وفاعلية القوى السياسية في هذا المجال قررنا ان نمدد قوتنا السياسية ولم يحدث هذا فجأة, كانت عملية تدريجية ومدروسة. بدأنا بالتقييم, استضفنا كوادرنا بالداخل في ورشة عمل ناقشوا وناقشنا بحرية امكانية الحل الشامل وكانت هذه الخطوة الاولى في فبراير الماضي, عقدنا اجتماعاً مشتركاً للحزب حضرته كوادر من الداخل والخارج في محاولة لتوحيد صنع القرار وكانت وفود الداخل تمثل كل جزء في السودان وكان تركيزنا على الحل الشامل والتحول الديمقراطي. في اكتوبر 1999 صغنا ورقتنا التفاوضية المكونة من 25 ورقة وزعت ونوقشت في 21 اكتوبر بغية عمل تعبئة وحشد حولها. وفيما يتعلق بالعلاقة بين حزب الامة والتجمع قال المهدي: (هناك خلافات سياسية كانت موجودة من وقت مبكر بدأنا حوارنا مع التجمع واختلفنا في بعض النقاط, في وقت متقدم في اسمرة 1993 كتبنا مذكرة بأن التجمع يحتاج الى اصلاح والا ستتدهور الامور. ما تم التوصل اليه كان يجب ان يأخذ بعين الاعتبار التطورات اللاحقة, كان تركيزنا على ثلاث اشياء: الميثاق يجب ان يطور, الهيكل يجب ان يصلح ويجدد, الاداء يحتاج الى مرونة. هناك شيء آخر يتعلق بالعضوية فكثير من الكيانات السياسية المسماة ليست اكثر من قوى سياسية حقيقية وبعضها يمثل قوى قبلية) . ومضى يقول: (في يونيو 1999 تبلور الامر اكثر واصبح هناك خمسة نقاط لا تجمع بيننا وبينهما: 1) ان الوقت لم يعد يسمح ان نردد نفس (الرطانة) من الحرب وعلينا ان نتعامل مع الحقائق. اسمرة تغيرت, لم تعد تحتمل طرحنا للحرب وللحفاظ على قواتنا وابنائنا يجب ان ندخل في وقف اطلاق النار, هم رفضوا هذا الكلام وقالوا هذا سوء تفاهم ممكن حله. 2) اننا فيما يتعلق بالنشاط العسكري علينا ان لا نتوقع مساعدات لوجستية من جيراننا. هم رفضوا هذا الكلام. 3) اننا بعد ان استمعنا الى تقارير وفودنا من الداخل ادركنا ان ارسال كوادر لنا لعمل انتفاضة يدخلهم دائرة الحصار دون نتيجة ملموسة. هم رفضوا هذا الكلام. 4) اننا طرحنا انه يمكن ان نحشد جيراننا ضمن اطار نشاط دبلوماسي بدلاً من ان نضعهم في موقف مواجهة, وهم رفضوا هذا. 5) اخيراً موقفنا وموقفهم من الايجاد والمبادرة المصرية. وعن تطور الصراع مع التجمع قال المهدي: (طرحنا موقفنا من الدعوة الى تفعيل التجمع, دعونا لمؤتمر عام بشكل عاجل ينظر في كل الاصلاحات, لكنهم طرحوا تعديلات محدودة لا قيمة لها وفي ظل الوضع الراهن اخذنا موقفنا, نتطلع الى عقد مؤتمر عام قادر على الاصلاح وحتى يحدث هذا سنظل ننظر الى تجمع الخارج بوصفه تحالف قوى سياسية وليس كحل, سنظل جزءا من تجمع الداخل وسنشارك في المؤتمر العام يوم يعقد) . وسئل عن المعركة الاخيرة في همشكوريب قال: (لقد ادنا المعركة الاخيرة ونعتقد انها سفك دماء بلا معنى. من اكتوبر 1999 ادركنا عدم جدوى التصعيد كذلك نعتقد انها غبية سياسياً اضافة الى انها تتضمن بعداً دينياً) . وعن طرح الامة النضالي في المرحلة المقبلة قال المهدي: (نعمل الآن على محورين اولهما عمل تعبئة دبلوماسية من اجل دفع آلية تفاوض تحوز رضا الاغلبية من الشعب السوداني والجيران ودول الشمال والقرن الافريقي وعمل تعبئة سياسية لحشد الجماهير السودانية حيث ان الوقت قد حان لوقف الحرب واحلال السلام ووضع حل سياسي شامل على أساس أسمرة 1995, البعض له اجندة محلية او دولية تمنعه من الانخراط, هذا يجب ألا يعوقنا, فالحقيقة اننا واثقون اننا سنحصل على تأييد شعبي للانتقال السلمي للديمقراطية سنحصل على دعم ننجز به التحول الديمقراطي, دعم يتجاوز طرح المترددين يراعي المحاسبة والتفكيك للاوضاع الجائرة واعتقد ان علينا الانخراط في هذه العملية السياسية داخل وخارج السودان للحصول على دعم شعبنا بالداخل واصدقائنا بالخارج, فالناس ملت من ايديولوجيا الحرب والديمقراطية ويرغبون في السلام والديمقراطية) . ورداً على سؤال عما دار في لقائه بالبشير في زيارته الاخيرة قال المهدي: (قابلنا الرئيس البشير وراجعنا الموقف السياسي واتفقنا على ضرورة الحل السياسي الشامل وليست الاتفاقات الثنائية وشرح هو دخوله في المبادرة المشتركة مع الرئيس مبارك والقذافي, ناقشنا خطوات رجوع الامة الى السودان ووضعنا الاطار وناقشنا تفعيل العمل السياسي وطرق حشد الجماهير نحو اجندة قومية سودانية) . وعما اذا كان رجوعه صفقة قديمة مع الترابي وكيف يتحمل الوضع والبشير يسيطر على الموقف. ضحك المهدي وقال: (صفقة مع الترابي وعودة والبشير يسيطر.. كيف؟) , عموماً لسنا ذاهبون ضمن اتفاق, نحن ذاهبون لتفعيل نشاط, لدينا جذورنا وانصارنا, ليس لدينا ضمانات, السياسة عمل يحتوي على قدر كبير من المخاطرة لولا المشقة لساد الناس كلهم (قالها بالعربية) . لدينا ضمانة واحدة هي امكانية اللقاء مع شعبنا لا نريد ضمانات, الضمانة الوحيدة ألا يحولوا بيننا وبين ناسنا) . وردا على سؤال عما اذا كان ذاهبا ليقتسم السلطة مع النظام رد المهدي بالقول: (لسنا ذاهبون للنظام.. نحن ذاهبون للسودان.. لدينا كوادر تغطي كل السودان, ابلغونا الحقائق على الارض وذهبنا لنتعامل معها. نحن ذاهبون لنستغل هامشا موجودا. كل شيء محسوب, في نداء الوطن طرحنا اجندتنا, نحن نعرف ان النظام ما زال اوتوقراطي.. نحن ذاهبون للسودان لا للنظام, يمكن ان ننجح أو نفشل.. سياسة) . وفي سؤال يتعلق بنزول متسوى حزب الامة ـ بقدره التاريخي ـ الى دائرة تبادل الاتهامات وعن عدم ذكره لسبب الخلاف المباشر الخاص بالاطاحة بالأمين العام للتجمع مبارك المهدي وعما يقال انه يرى جون قرنق منافسا شخصيا له, قال المهدي: (لسوء الحظ كان هناك دائما متشككون.. اننا ننسق مع الجبهة وأنا كتبت كتابا عن الفرق بيننا وبين الجبهة, فيما يتعلق بمبارك المهدي لم يكن خلافنا على شخص يمثلنا وكان خلافنا على سياسات ولعلمكم في مذكرتنا اقترحنا اصلا استبعاد منصب الأمين العام وهذا كلام أقوله لأول مرة. أما فيما يتعلق بجون قرنق. فقد دعمنا الحركة الشعبية منذ وقت طويل, أغلقنا الحوار مع رياك مشار ومع لام كول ومع قادة جنوبيين كثيرين لأننا اعتقدنا ان هذا سيزلزل مركز جون قرنق. وقبل ان تسأل عن التنافس الشخصي اسأل من بدأ الحرب, بدأوها هم في كمبالا بلا مقدمات, بدأها قرنق بحملة منسقة مع منصور خالد لا ليضربوا حزب الأمة الآن, بل ليضربوا (الأمة) منذ ظهور المهدية, كانوا غير ممتنين, أغبياء غير مدركين ان الأمة هو القوة السياسية الرئيسية في الشمال, نسوا ان (الأمة) هو الذي حمى السلام بين القبائل في اتفاقات مناطق التماس. الغريب انني قبلها التقيت قرنق في القاهرة واتفقنا على كل شيء. لو بدأنا الهجوم من حقك ان تتصور ذلك, لكن نحن رددنا عليه) . وردا على سؤال عن عدم ذهابه مع كوادره الى الخرطوم, قال المهدي: (القصة ليست اذهب أو لا تذهب.. هذه عملية تدريجية بدأت في سبتمبر 1999 ثم فبراير 2000 ثم ابريل 2000 وهي خطوات. وأنا هنا الآن لأنشط آليات التفاوض ولأننا لم نتفق بعد على شيء نهائي ولأن الأمور تسير في تدرج. عودة كوادرنا هي الخطوة الثالثة وليست الأولى وليست الأخيرة وعودتهم تأتي في ذكرى طيبة لأن غدا هو ذكرى الانتفاضة ضد نميري 1985. أما عودتي فسيقررها المؤتمر العام للحزب في الوقت المناسب ونحن حاليا نبحث ميعاد انعقاده) . وحول سؤال عن احتمالات مشاركته في السلطة قال الصادق (لو ان هناك انتخابات تحت الشروط القائمة الآن لن نشارك فيها, نحن في انتظار مؤتمر الحوار الوطني الجامع الذي يطرح فيه الحل السياسي الشامل ويقرر مرحلة انتقالية تمهد لحل شامل يمكن ان تقوم فيها حكومة وفاق وطني) . القاهرة ـ خالد محمود