أثار قرار الدكتور علي الصعيدي وزير الكهرباء المصري بتحويل الهيئات الذرية إلى قطاعات اقتصادية توفر مواردها المالية من مصادر تشغيل خاصة ردود فعل متباينة بين العلماء والعاملين في هذه الهيئات وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المصرية، قد قررت السماح للهيئات الذرية ببيع خبراتها وخدماتها للأجهزة الرسمية والقطاع الخاص تشمل هذه الخبرات بيع النظائر المشعة والدراسات الخاصة بتطوير الصناعات الغذائية والهندسية والبترول باستخدام التكنولوجيا النووية. أكد العلماء والخبراء أن خصخصة الهيئات الذرية مسألة ينبغي عدم التفكير فيها لأن هذه الهيئات تقوم على تنفيذ استراتيجيات تتعلق بمصالح الدول وأمنها وتخضع لإشراف الحكومة في مختلف دول العالم في ما ذهب بعض العلماء إلى أن خصخصة الهيئات الذرية وغيرها اتجاه عالمي يجب على مصر أن تسايره موضحين أن الخصخصة يمكن أن تشمل الاستخدامات النووية في الأغراض السلمية. وقالوا ان هناك بعض الأجهزة مثل المفاعلات الذرية والمعامل الحارة والنظائر ذات المستويات الإشعاعية العالية لا يمكن خصخصتها. طبيعة خاصة في البداية يؤكد الدكتور عبد العاطي بدر رئيس هيئة المواد النووية أن الهيئات الذرية هيئات ذات طبيعة خاصة وهي تقدم لبعض الجهات والجامعات نظير أجر رمزي خدمات مثل تحليل العينات في معاملها كما أن هيئة المواد النووية تقدم خدمات لقطاع البترول خاصة في عمليات البحث والتنقيب وتمتلك الهيئة طائرة استكشاف تقوم بعملية مسح مغناطيسي لخدمة قطاع البترول وهناك مهام أخرى تقوم بها الهيئات النووية خاصة بها ولا يتدخل فيها أحد. ويشير إلى أن خصخصة الهيئات النووية مسألة صعبة لأن أعمالها ذات طبيعة خاصة ولها نظم محددة وخطط معينة وبالتالي فالخصخصة فيها لا تكون إلا في أضيق الحدود لأن هذه الهيئات عبارة عن مراكز بحوث وليست مؤسسات إنتاجية هدفها الأساس تقديم سلع أو خدمات مع أنها تساهم في حل مشاكل البيئة والحماية من الأنشطة الإشعاعية وكشف التسرب الإشعاعي في حالة و جود مستويات غير عادية للإشعاع وتقوم أجهزة هذه الهيئات بتسجيلها والتعامل معها. ويضيف أن الهيئات النووية غير مؤهلة لتقبل عملية الخصخصة في الوقت الحالي لكن يمكن حدوث هذا التأهيل خلال للسنوات القادمة مشيرا إلى وجود شركات غير حكومية في دول كثيرة في العالم تعمل في مجال البحث عن اليورانيوم والمفاعلات النووية ويمكن لمصر إقامة مثل هذه الشركات في المستقبل لكن في الوقت الحالي لا نستطيع أن نبيع النشاط النووي لشركات قطاع خاص. وحتى بالنسبة للدول التي توجد فيها شركات خاصة تعمل في المجال النووي فإنه يمكن لدولة أن تطلق التعامل فيها دون قيود وضوابط. ويشير إلى أن معظم شركات اليورانيوم في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وفي فرنسا توجد أيضا شركات خاصة لكن الحكومة تسيطر عليها. ويؤكد أن تحويل هيئات اقتصادية أمر غير متصور لأن القطاع الخاص له صفات معينة وهياكل وعمالة محددة ويتم دراسة المكسب والخسارة فيه جيدا وإذا كان من الممكن أن تقدم الهيئات النووية خدمات إلا أنه من الصعب خصخصتها. وحول الأسباب التي دفعت إلى خصخصة الهيئات النووية يقول رئيس هيئة المواد النووية ان القيادات قد يكون لها نظرة معينة في ظل السياسة العامة للدولة مشيرا إلى أن خصخصة هذه الهيئات قد تكون نوعا من التحفيز لها حتى تحقق أرباح وبالتالي لا تكون عبئا على الدولة لكن تحقيق الربحية ليس هو الهدف الأساسي لهذه الهيئات لأنها لو نجحت في إعداد وتأهيل كوادر علمية في التخصصات المختلفة فإن ذلك يعد عائدا قوميا له مردوده في مجالات كثيرة ليس في مصر وحدها بل في كل الدول العربية لأن الخبرات لها سوقها وتستطيع تحقيق الأرباح المطلوبة. ويرى أن الهيئات الذرية كمراكز بحثية مطلوب دعمها من الدولة لأن هياكلها ليست هياكل شركات اقتصادية وإنما هياكل مؤسسات بحثية وهناك فرق كبير بين النوعين مشيرا إلى أن مصر من الدول التي وقعت على اتفاقية حظر الانتشار النووي وبالتالي ليس أمامها إلا توجيه هيئاتها لخدمة الأغراض السلمية. ويؤكد الدكتور حامد رشدي القاضي رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق أن الهيئات الذرية تعمل في استراتيجيات تتعلق بسياسات الدولة ولا يصح أن تأخذ خط الخصخصة ولا يجب التفكير في تحويلها إلى هيئات اقتصادية تأخذ الشكل التجاري ويكون لها انعكاس اقتصادي. ويشير إلى أن إنشاء شركات خاصة تعمل على تقديم خدمات في مجال الطب أو البيئة أو البترول وغير ذلك لا بأس به لكن يجب أن تظل الطاقة الذرية وأجهزتها تحت سيطرة الدولة. كذلك يمكن أن تنبثق عن هذه الهيئات ـ كما هو موجود في الخارج ـ شركات محددة تساعد على دعم تقنية معينة وتعمل وفق أسس اقتصادية. ويوضح أن الطاقة الذرية في أغلب دول العالم تخضع للإشراف الحكومي بل انها تتبع رئيس الدولة مباشرة في دول كثيرة مثل إسرائيل والأرجنتين والهند. وفي مصر أيضا عندما أنشئت هيئة الطاقة الذرية كانت تابعة للرئيس الأسبق جمال عبد الناصر ثم أسند الإشراف عليها لوزير الكهرباء والطاقة, مشيرا إلى أن مصر لا تستطيع الآن التعامل مع هذه الهيئات كوحدات اقتصادية لأنه ليس في الإمكان خصخصتها لكن يمكن أن تنبثق عنها وحدات تأخذ الصفة الاقتصادية. ويشير د. رشدي إلى وجود ثلاث هيئات ذرية في مصر هيئة المواد النووية وهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء وهيئة الطاقة الذرية موضحا أن هيئة المحطات النووية يمكن تحويلها إلى هيئة اقتصادية لأنها تقوم على أساس تصنيع مفاعلات لإنتاج الكهرباء وتسويقها كما أن هيئة المواد النووية يمكن تحويلها إلى هيئة اقتصادية تعمل في مجال استخراج المواد النووية من باطن الأرض وتسويقها. أما هيئة ا لطاقة الذرية فهي مؤسسة استراتيجية إذا جاز أن تنبثق عنها بعض الأنشطة في صورة هيئات اقتصادية فإن الهيئة كجهاز استراتيجي على مستوى الدولة لا يجوز تحويلها إلى هيئة اقتصادية لأنها لا تهدف إلى تحقيق عائد اقتصادي. اتجاه عالمي ويشير الدكتور حافظ بدر رئيس مركز المعامل الحارة بهيئة الطاقة الذرية إلى أن الهيئات الذرية في مصر والدول العربية لا تستخدم في مجالات غير سلمية موضحا أن الطاقة الذرية تستخدم في مجالات عديدة مثل الطب والصناعة والزراعة بهدف زيادة الإنتاج وتحقيق الرفاهية للمواطنين فعلى سبيل المثال يمكن علاج الأمراض بالإشعاع ويمكن زيادة إنتاج المحاصيل باستخدام مواد مشعة أو قتل الآفات بتعريضها لأشعة جاما. ويوضح أن الطاقة الذرية تتميز بالدقة المتناهية في العمل لأن كل طرق القياس المستخدمة فيها في غاية الدقة مشيرا إلى وجود اتجاه عالمي لخصخصة الهيئات الذرية وتحويلها من قطاع حكومي إلى قطاع خاص وهذا يمكنها من عمل قياسات للجهات الصناعية والزراعية والطبية بما يؤدي إلى تحسين الإنتاج. ويرى أن الاستفادة من خصخصة هذه الهيئات يتوقف على وجود إدارة جيدة. ويخلص إلى أن نواحي الإنتاج من الممكن خصخصتها أما المفاعلات والمعامل الحارة التي تستخدم كميات كبيرة من الأشعة والنظائر ذات المستويات الشعاعية العالية فلا يمكن خصخصتها حتى في الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة. ولابد أن تكون خاضعة للحكومة وتحت سيطرتها. ويؤكد أن خصخصة الهيئات الذرية قد تكون لها إيجابيات لكن لا يجب خصخصة كل القطاعات مع تشكيل إدارات جيدة للقطاعات. ويرى الدكتور يحيى عبد الحميد بدر عميد المعهد القومي لعلوم الليزر بجامعة القاهرة أن الهيئات التي تستطيع أن تتحول إلى مؤسسات اقتصادية فلا غبار في ذلك طالما لم يكن هذا التحول بقرار سياسي وإنما بعد دراسة واستعداد. ويضرب مثلا بالمعهد القومي لعلوم الليزر كمعهد حكومي يخضع لجامعة القاهرة ويتمتع بوجود وحدات ذات طابع خاص تقدم خدمات ومنتجات للسوق المصري بأسعار التكلفة مثل الخدمات الطبية والصناعية والبيئية بما يخدم في النهاية الخطط التي وضعتها الجامعة والدولة.. مشيرا إلى أن المعهد بهذه الصورة يمسك العصا من المنتصف وهذا هو الأفضل ويمكن للهيئات الذرية أن تقتدي بتجربة المعهد ويشير إلى التجربة الروسية فجميع المعاهد الروسية تنتج تكنولوجيا وتبيعها حتى نستطيع الإنفاق على البحوث وتطوير الإنتاج فإذا كان الهدف من تحويل الهيئات الذرية إلى هيئات اقتصادية مثل ذلك فنحن نرحب بذلك ويضيف نحن نشتري أجهزة من أكاديمية العلوم الروسية تم تصنيعها في معامل البحوث وتستخدم الأكاديمية العائد في شراء أجهزة وتطوير البحوث مشيرا إلى أن هذا الفكر متطور. ويخلص إلى أن الهيئات الذرية إذا كانت تستطيع ذلك فلا ينبغي أن نرفض تحولها إلى هيئات اقتصادية. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد