لماذا نقرأ التاريخ العربي, وكيف نقرؤه, وما الذي يمكن ان يفيدنا ذلك في اغناء تجربتنا التاريخية, وبالتالي معرفة اسباب ضعفنا وتردينا لكي نتجاوزها ونعمل على التخلص منها, هذه الاسئلة الكبيرة والهامة هي التي شغلت الدكتور حافظ الجمالي منذ وعيه المبكر, واستمرت حاضرة في كتبه ودراساته المختلفة, ولم يحاول الدكتور الجمالي توصيف العلل وعناصر التردي, بل دأب على التمعن والتحليل في تجربة الماضي, وعمل على ايجاد اجابات محددة للاسئلة الوجودية والحضارية القومية التي, ظل الواقع العربي يطرحها عليه بقوة واستمرار. ان تمركز العقل العربي على ذاته والعامل الاقتصادي المتأثر بالعوامل الجغرافية هما من الاسباب الكامنة وراء ضعفنا وتخلفنا الحضاري, وهما المسئولان عن استمرار محنة العرب ومأساتهم, وعلى الرغم من هذه الرؤية السوداوية, الا ان الدكتور الجمالي لا يرى في ذلك قدرا يصعب التخلص منه, بل هو يكشف عن العلة واسباب الداء, ويقدم بالتالي الحلول الممكنة لتجاوز الواقع القائم وتغييره نحو الافضل. ولعل هذا الانشغال المستمر بقضايا الأمة وشجون واقعها الراهن, هو ما يميز كتاباته, ويكشف عن همومه التي يعيشها في مواجهة تحديات الواقع السياسية, الاقتصادية, الثقافية, والوجودية, ولذلك فان السؤال الكبير الذي طرحه وحاول ان يجيب عليه فيما كتبه , هو ما شكل هاجسه الدائم ولخص فحوى افكاره ووعيه التاريخي, وعليه يكون قد ساهم في اغناء الحوار الفكري الدائم من أجل مستقبل الأمة وتقدمها, وبغية مقاربة طروحاته وافكاره وما يمكن ان يكون قد طرأ عليها من تبدلات حاورناه, وهذه هي الاسئلة واجابات الباحث: * في السؤال الكبير الذي طرحته في كتاباتك منذ اكثر من خمس وعشرين سنة, حاولت ان تنطلق من قراءة التجربة السياسية العربية في بعديها التاريخي والاجتماعي, ماضيا وحاضرا في محاولة لاستشراف صورة المستقبل, وبغية الكشف عن عوامل الضعف والتردي في الواقع العربي فهل لم تزل ترى ان هذه القراءة كانت قادرة على تفسير ما يعيشه الواقع العربي من مشاكل ويواجهه من تحديات, ام انها اضحت بحاجة الى تطوير واغناء جديدين وذلك لتقديم اجابة على سؤالك الكبير الذي هو, سؤال الماضي عن الحاضر؟ ـ ان يعيش الانسان خمسا وعشرين سنة, ويبقى تماما في عقله وآرائه كما كان, فهذا يعني انه لم يعش فعلا هذه المدة, بل كان نائما اذ لابد من ان يعنى الحاضر بتجارب الماضي: وكنت اقول سأفهم منه ان العقل العربي في تركزه على ذاته هو العلة الاولى في شقاء الامة العربية, وغاب عن اكثر القراء أني اضفت الى ذلك ما اسميه الآن بالعامل الاقتصادي, وكنت سميته ايضا بهذا الاسم من قبل. اما وأني لم اشرح معنى كلمة اقتصادي في كتابي ذاك, فانه خفي على الكثيرين اني اغفلته عمدا لابراز اهميته وحده, دون العوامل الاخرى, على حين ان هذا العامل هو السبب الأول في التخلف العربي, بل كان ومايزال تأثيره قويا كما كان. وبطبيعة الحال, فان في العامل الاقتصادي آثار العامل الجغرافي لان هذا العامل هو اصل الثروة او الفقر, بمقدار ماهو أصل القوة او الضعف, واصل العلم او الجهل, والصحة والمرض, واضافة لذلك نقول الآن, وعلى سبيل المثال فقط, ان الدخل القومي لانجلترا الحالية عام 1998 يساوي 1250 مليار دولار, مقابل شعب عدده 59 مليونا من الناس يعيشون على ارض مساحتها 244 الف كم2 ومناخها اكثره برد, ضباب, وامطار. كذلك فان المانيا ذات الـ 82 مليونا من السكان والـ 357 الف كم2 تقدم لنفسها دخلا قدره 1780 مليار دولار, واذا نحن ضربنا مثلا آخر من بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ وجدنا ان مساحة الاولى 30.50 الف كم,2 ومساحة الثانية دون الـ 41 الف كم2 (اي ما يوازي تقريبا ربع مساحة سوريا ونصف الربع معه) او قل 40.844كم,2 اما اللوكسمبورغ فلا تزيد مساحتها عن 2566 كم,2 مقابل دخول قومية قدرها 329 مليارا لهولندا, و 12.5 مليارا للوكسمبورغ و 231 مليارا لبلجيكا, اي ان الدخل الكلي يساوي تقريبا ستة آلاف مليار دولار والمساحة لا توازي الا ماهو اقل من نصف مساحة سوريا, وكذلك فان المناخ في هذه البلاد بارد وممطر كانجلترا تقريبا, والآن هل يمكننا ان نقارن دخول هذه البلدان الثلاثة بالدخل السوري؟ ان هذا ممكن, وهو 48 مليار دولار (باسعار الشراء في امريكا), واقل من 15 مليار دولار بالقطع الاجنبي الخالص, وبتعبير آخر نقول: لو اشترينا بضائع في سوريا من كل الانواع لكان ما نشتريه يعادل 48 مليار دولار في امريكا, ذلك ان الاسعار ترتفع دوما, عندما يكون الدخل كبيرا. والآن يمكن النظر الى الطبيعة الجغرافية لسوريا, والطبيعة الجغرافية للبلدان الاخرى التي ذكرناها, عندئذ نجد ان المياه عندنا قليلة جدا, واكثرها الآن لا يكاد يرى فيه الانسان ماء, وكل ماهو ارض مزروعة يتمنى ان يحصل على دخل مائي, يوازي ثلث ما تتمتع به البلاد الغربية التي ذكرناها هنا في حديثنا, وعلى كل حال فان الارض التي تزرع في سوريا لا تمثل اكثر من ربع المساحة السورية, ولا يعني هذا شيئا تافها, ذلك ان مساحة بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ لا تتجاوز هذه المساحة نفسها, ولكن كم الفرق كبير بين هذا الثلث عندنا, وبين الكل الذي يملكه الآخرون, البلاد الغربية مملوءة بالندى والمطر والانهار, ونحن افقر ما يكون في المطر والانهار والندى ايضا. وبالمقابل فان الشمس عندنا تكاد لاتغرب ابدا عن الجو, وربما شغلت اكثر من نصف اليوم, وهذه ثروة لا نعدها كما ينبغي للاستثمار, ولو اعددناها كذلك, لكانت ثروة ضخمة جدا, ذلك ان كل مقيم في هولندا يخرج من بيته وهو يحيط جسده بسنتمترات من الثياب, لكثرة ما يعانيه من البرد, ويتمنى دوما ان يجد الشمس مشرقة ذات يوم, بمقدار ما نتمنى ان تحجب السحب شمسنا بالغيوم والضباب بعض الاحيان, توقنا للامطار واذكر ان سفيرا هولنديا, قال لي ذات مرة: ان الهولندي يخرج من بيته وهو يسأل الله قائلا: رب ماذنبنا, حتى لا ترنا شمسك ابدا, وبالمقابل نحن نسأل الله ونقول: رب ماذا فعلنا حتى قلما يزورنا مطر سمائك؟ ولنقارن في هذه الحال بلدنا باسرائيل (!) حيث ان دخلها القومي يساوي 106 مليارات دولار, منها 2.7% يأتي من الزراعة, و 70% من الخدمات, او ما يعادل 72% من مجموع الدخل القومي, اما نحن في سوريا فقلما يمضي عام لانستورد فيه بعض انتاج الحبوب, من الشعير او الذرة الصفراء او البيضاء وربما من الشعير والقمح, ويقال اننا بلاد زراعية, وبالمناسبة فان متوسط الدخل من الزراعة يعادل ما يتراوح بين 19 ـ 22% من الدخل القومي. سوريا نموذج عربي واذا كنا لانضرب المثل الا بسوريا, فذلك لانها بلد نتخذه نموذجا لغيره من البلدان العربية التي لاتزال تعيش في نفس المستوى الحضاري ( اي في عهد الموجة الزراعية الاولى التي تعتمد على جهد الانسان وبعض الحيوانات) لا في عهد الموجة الزراعية الثانية التي تخدم بالمكنات والادوات, ويكفي ان نقول ان امريكا تستخدم مالايزيد عن 2% من رجالها العاملين في حقل الزراعة , اما نحن فاننا نستخدم مالايقل عن 45% من رجالنا في هذه الزراعة, ومع ذلك ما اعظم الفرق بين نسبة العاملين في الزراعة ونسبة العاملين في الخدمات, ونسبتهم في الصناعة, وما اعظم الفرق بين صور الانتاج وقيمته هنا, وهناك. والخلاصة: ان الماء, والمناخ المعتدل والاقرب الى البارد هو الذي انتج الفرق الكبير بين حضارتنا, وحضارتهم, او قل هو الذي كان الاساس في التمييز الحضاري, والانتقال منه الى كثرة السكان, ثم الى تعاظم او تدني الحياة القومية, وما انتقلت حضارة من الزراعة الى العهد الصناعي الا تلبية لحاجات السكان الاكثر عددا, وقصور الايدي البشرية والحيوانات عن هذه التلبية, ومن هنا كانت الشروط الجغرافية هي الاساس الاول لما بيننا, وبين الآخرين من فروق. وبطبيعة الحال فان كثرة السكان تتناسب مع موارد الزرق المتاحة, وهذا قانون ديمغرافي مشهور, ومن هنا كثر سكان الغرب, وتضاءل سكان العرب, وعلى سبيل المثال فان عدد سكان الولايات الثمانية في آسيا عام 1844 كان لا يتجاوز الستة عشر مليونا وعددهم في الولايات الافريقية ستة عشر مليونا, وبالجملة فان المعادلة العامة هي التالية: أرض خصبة, ماؤها كثير, واذن فالسكان كثر, ولابد ان يوجد في السكان الكثر ادمغة اكثر استعدادا للعطاء العقلي, وعندئذ تكون النتيجة ان الافضل مناخا هو الاكثر عطاء عقليا, وبالتالي الاكثر تلاؤما مع الواقع, وعندما توجد دولة كبنجلاديش (والمثال هنا سيىء لان بنجلاديش حارة الطقس من جهة, كثيرة الامطار والفيضانات والعواصف), يمكن التساؤل بكل حق: لم هذا البلد هو متخلف؟ لكن تبقى امكانية التقدم قائمة تماما, ان لم يكن بالفعل فبالقوة, ولابد ان يكون لنوع الحكم من جهة ولعصور الاستعمار الطويلة من جهة اخرى ذنبها في التخلف ولو حدث ان جماعة من الفرنسيين او الانجليز مع رؤوس اموالهم دخلوا الى بنجلاديش اذن لتوقعت في ظرف قصير ان تصبح هذه البنجلاديش غنية ماليا, ومتقدمة حضاريا وينسحب هذا على دول جنوب امريكا كالبرازيل او الارجنتين, او التشيلي حسنة المناخ, وكثيرة المطر, فكأننا امام ذكاء كبير لانسان لم يتعلم وذكاء مماثل لكنه تعلم وتثقف وحاول ان يقدم عطاءه العقلي لبلده. * حاولت في كتبك المختلفة ان تدرس خصوصية الشخصية العربية في بعدها الذاتي المضخم واثر ذلك في الكشف عما آل اليه الواقع العربي من تخلف وترد منذ عصور الانحطاط, والدكتور محمد عابد الجابري حاول هو الآخر ان يبحث في خصوصية العقل العربي بل حاول ان يقسم هذا العقل الى عقل مشرقي (عرفاني) ومغاربي برهاني فما هي عناصر الالتقاء والافتراق فيما بينكما, ثم ماهي ملاحظاتك على ما قدمه الجابري في مشروعه لنقد العقل العربي؟ ـ لا اظن ان الجابري يعرف تماما, وربما اكثر مني ان ابن خلدون وابن رشد كانا عقليين برهانيين موضوعيين ولا ينطبق عليهما, وعلى امثالهما تصنيف الجابري. ومع ذلك فان الرجل على حق, فما من دين في هذه الارض ملأ عقول الناس, وشغل حياتهم, واستنفد الطاقات الفكرية مثل الدين الاسلامي, وعلى سبيل المثال نقول: قلما كتب في لغة اجنبية عن الدين ومواضيعه, وحلاله, وحرامه, وسننه, المؤكدة, وسننه غير المؤكدة, مثل الذي يكتب عندنا, ومع ان الاسلام كدين اصبح في ايامنا هذه ينطق بلغة الجماعات السياسية, اكثر من اي دين آخر, وكذلك قلما يكون عند الباعة مذياع او آلة تسجيل الا ويدعه يذيع بعض الآيات من القرآن الكريم, وكأن الدين استولى على اكثر الطاقات العقلية, وركز الفكر على سبل شرحه, وفهمه, ولايكاد يمضي عام واحد, الا وتنشر عدة تفاسير للقرآن الكريم, ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم وعندئذ يصح قول الجابري كوصف لواقع تاريخي, لا كوصف لحقيقة العقل العربي او الاسلامي. وبالمناسبة, لا اذكر مطلقا ان يدي وقعت على شرح للانجيل او تفسير للتوراة وهذا ماجعل عالم المسيحية, واليهودية اكثر ميلا الى تسليط العقل على العلوم الارضية. * في تحليلك لمشاكل الواقع العربي, وقراءتك لتجربته التاريخية, تحاول دائما, ان تعود الى الماضي القديم في محاولة لتلمس ابعاد هذه المشاكل وبداياتها الاولى, وبالتالي الكشف عن النواظم التي تحكمت في مساراتها, وفي نشوئها وما تزال عبر تجلياتها المختلفة في التجربة السياسية سواء على مستوى مفهوم السلطة والحاكم والعلاقة مع المواطن, او مؤسسات المجتمع المدني ودورها؟ ـ اني لا اقرأ التاريخ العربي مرة, الا واجد فيه صورة لواقعنا الحالي فنحن ابناء الجيل الثالث من المسلمين, او القرن الميلادي التاسع, وحياتنا تقوم على الزراعة كما كنا من قبل, وعلى بعض التجارة, والصناعة على ما كان عليه اجدادنا, وطرائق الحكم لم تعرف اي تبدل, وظلت السلطة في علاقتها مع شعوبها, كما كانت في عهد الرشيد والمأمون, والطولونيين, والسلاجقة والفاطميين وغيرهم, وصحيح اننا نعيش في القرن الواحد والعشرين, ولكن مؤسساتنا العامة, وانتاجيتها شبيهة تماما بالتي كانت قبل عصرنا هذا بزمن طويل, وكأن العربي اليوم هو مجرد استطالة لحياة انسان يعيش منذ ثلاثة عشر قرنا. وهنا لابد من ملاحظة بسيطة: ترى أعرف حكامنا وقادتنا في القرن الواحد والعشرين, أم لايزالون يظنون انهم من رعايا المنصور, والحاكم, بأمر الله, وهارون الرشيد, هل عرفت زراعتنا تطورا عن زراعة الماضي, الا في القليل المستورد؟ اما عالم الصناعة فيكفي ان نقول فيه: لو قررنا ان نستغني عن الواردات الاجنبية لما بقي عندنا الا النحاس القديم والحداد القديم, والمبيض القديم. في الفترة الماضية * قراءاتنا للماضي وعلاقتنا به يجب ان تكون علمية وتحليلية, تقوم على نقده بصدق وبالتالي علينا ان نقوم بمراجعة علمية ونقدية لما وصلنا من مفاهيم سياسية, اجتماعية, وثقافية من الماضي, اولا كيف حاولت ان تنطلق في تلك القراءة وتحدد سياقاتها المختلفة وثانيا كيف نستطيع ان نقيم حوارا غنيا بين الحاضر والماضي دون ان يصادر الماضي حريتنا وادراكنا بخصوصية اللحظة التاريخية التي نعيشها؟ ـ ما من عربي يعيش الآن خارج اطار الحكم, الا ويعرف اننا متخلفون جدا على كل المستويات, ومع ذلك مامن سلطة رأت ان تقوم بتخطيط جدي للتقدم لهذا ارى ان عالم الديمقراطية وحده هو الذي سيمتعنا بما لدينا من عقل نقدي, ومن حسن حظ العرب انهم نسوا الديمقراطية, ووجدوا ان عالم اللاعقل هو الافضل لبقائهم, اما حيث هم, واما, فيما هو دون ذلك. ولايمكن الحديث عن حوار مع الماضي لاننا لانزال نمثل هذا الماضي نفسه, وانا اعتقد اننا الآن, عام 2000 اقل استقلالا وقوة, مما كنا قبل اربعين عاما, بغض النظر عن الجامعات التي تتدنى باستمرار, هي والنظام التعليمي كله, ومعنى ذلك ان تحديد الوضع الذي نحن فيه وتصور المستقبل من خلال الحوار مع الماضي, امر لا يتم الا في اذهان المفكرين واصحاب الرأي. وما من دولة عربية حتى الآن , اضافت الينا صورة جديدة عن ماضيها, واستقر في ذهنها أي رأي عن المستقبل, ولهذا فاني ارى ان شيئا هاما يجب ان يتغير, هو الحكم الفردي المصاب بقصر النظر, لا في مكان واحد, بل في اكثر البلاد العربية, اي لابد من حوار يقوم داخل الشعب من اجل مستقبله, او حوله, ليصار بعدئذ الى سلوك عقلاني لامجرد من العقل, بغية تغيير واقع نراه في كل لحظة يزيدنا ذلا, ومرة اخرى اقول يجب في ضوء مثل اعلى نحدده لانفسنا ان نضع صورة المستقبل الذي نريده, وشروط تحقيقه, وهذا مستحيل ان لم توجد الديمقراطية. * في الوقت الذي تركز فيه من خلال دراساتك المختلفة على تميز الانسان العربي بالتمركز على الذات واعتبار ذلك بعد العامل الاقتصادي من اهم عوامل ضعفنا, لم تتحدث عن دور الفلسفة وعلم المنطق اللذين لعبا دورا اساسيا في قيام الحضارة الغربية, وشكلا احد مرتكزاتها الاساسية في حين ان الحضارة العربية الاسلامية شهدت محاولات محاربة العقل كما جرى مثلا بالنسبة لحركة المعتزلة التي تحولت هي الاخرى عندما سادت الى قامع ومصادر لحرية العقل والتفكير, وما تزال هذه الصورة تتكرر في حياتنا, فما هو تعليقك على ذلك؟ وعلى ضوء ذلك هل يمكن اعتبار العرب أمة كلام, وليست امة فلسفة وعقل يبحث كما ذهب البعض في استنتاجاتهم؟ ـ اظن ان ما كتبته سابقا, كسبب من أسباب التخلف, لا السبب الاساسي, اي ما اردت تسميته بالتمركز على الذات, ولكن هذا التمركز نفسه, يعود الى الاستبداد السلطوي الذي يميز تاريخنا كله المستعاد باستمرار المضرب عن التوسل بالعقل والحرية كميزتين من مزايا التطور الاجتماعي, العلمي, والاقتصادي. ومرة اخرى نعود فنقول: ان على مستقبلنا ان يبدأ مشروعا قوميا يضع الخطوط الاولى لمسيرة الدولة, وصورة سلوكها لتحقيق مشروعها, ومن المؤكد ان هذا يسوقنا من جديد الى الحديث السابق: ما من مستقبل, ولا من مشروع قومي, ولا حياة جديدة الا بالشهادة, ومع الايمان بالله واليوم الآخر, بان العقل هو الاساس الاول في كل صور التقدم, وان هذا العقل لا يعيش الا في جو الحرية لا في جو الاستبداد والطغيان والعبودية وبتعبير آخر أقول: أشهد ان لا إله الا الله, وأن محمدا رسول الله, وكذلك اشهد وبنفس القوة: ان لا تقدم الى الامام, ولا أمل بأي تقدم الا بفعل العقل, وجعله يقوم بواجبه في حل مشكلاتنا, واحاطته بكل الحريات الضرورية, لفعاليته التي تستهدف بالضرورة ارواء حاجات الامة الى التطور والانتقال باسرع ما يمكن من الوضع شديد التردي القائم الآن, الى بصيص ما, لأنوار التقدم. * ظهرت فلسفة ابن رشد العقلانية, والفكر الاجتماعي عند ابن خلدون في مرحلة ضعف وانهيار الحضارة العربية, في حين لم تشهد هذه الحضارة ذلك في مرحلة قوتها فكيف تفسر ذلك, واذا كانت محنة الامة هي التي استدعت تفعيل العقل فلماذا لم يؤد استمرار التردي الا الى مزيد من التخلف والتراجع؟ ـ فيما يخص سؤالك وما ورد فيه من حديث عن ابن خلدون, او ابن رشد وقبل ذلك عن مشروع المعتزلة, وهيامها بالحرية, حرية الفكر فجوابي عنه ان المعتزلة, وضعت العقل في خدمة صورة للاسلام اخترعتها هي, ولم تطبقها على اي شيء من اشياء هذه الدنيا, وكذلك فان ابن خلدون اكتشف قانون التحولات الاجتماعية الفوقية, لا التحتية, وانه أبد قانون نشوء الدولة وانهيارها, فكأنه ظل أسير الواقع المؤبد ولم يتجاوزه الى مستقبل يرجى للأمة التي رأى هو أنها تتخلف لانه عاش مأساة الأندلس التي كانت تتكرر في كل مكان من الوطن العربي. اما ابن رشد فكلنا يعلم, انه على ايمانه بضرورة الاستناد الى العقل, لم يزد شيئا عن جعل هذا العقل خادما للضرورات الاعتقادية, ولم يخطر بباله ان يتناول الواقع, غير الديني, انه عاش للميتافيزياء وحقائقها, وما ابعد هذه عن الحاجة الى عقل يهتم بالفيزياء اكثر من اهتمامه بالميتافيزياء. * انتقلت في السنوات الاخيرة من البحث والدراسة للتجربة السياسية والاجتماعية التاريخية للعرب الى حقل الترجمة في ميادين علم النفس وقضايا الفكر, فهل يرتبط ذلك بقناعتك التي ترى ضرورة غناء علومنا ومعارفنا وبالتالي تطوير مفاهيمنا وعلاقتنا مع الحياة والعالم؟ ـ انتقلت في السنوات الاخيرة من البحث والدراسة في القضايا العامة, الى حقل الترجمة في مجالات علم النفس والفكر العالمي وروائع المنتجات العقلية, وذلك لسبب بسيط: في الماضي كنت اكثر حرية في الكتابة (وحتى في عصر الاستعمار) اما الآن فقد ضرب الحجر علي, واعتبرت من العناصر غير الملائمة لحياتنا الحالية .. ولكن قلما تمضي سنة, دون ان اكتب اكثر من مقال واحد ينشر في مجلة المعرفة احيانا, او في مجلات اخرى, وحتى في سوريا نفسها, باستثناء الصحف, ومع ذلك فاني اجد في هذه الصحف احيانا كثيرة ماهو ألذع نقدا, واكثر موضوعية مني أنا شخصيا. السلام ومفاوضاته * تطرح عملية السلام والمفاوضات السورية الاسرائيلية في حال نجاحها اسئلة كبيرة على المثقف العربي تخص موقفه من المتغيرات الكبيرة التي ستحدث نتيجة ذلك, فما هو موقفك من التحديات التي ستمليها استحقاقات التسوية, ثم كيف تنظر الى المستقبل على ضوء ذلك؟ ـ لا أظن ابدا ان وراء المسالمة مع اسرائيل, اي شيء يزيد او ينقص عما شاهدناه يحدث بعد كامب ديفيد, او بعد قيام الصلح بين الاردن واسرائيل, واظن ان كل الناس يعرفون انه مامن شيء سيتغير اكثر مما تغيرت اوضاع مصر او الاردن بعد صلحهما مع اسرائىل. ومن الناس من يقول: ان الجنة تنتظرنا عندما يتم هذا الصلح, وأنا أقول: ولم ستنتظرنا هذه الجنة؟ ولم لم يحدث ذلك للبلدين العربيين اللذين صالحا اسرائىل. ترى أيكون تدفق كل البضائع الاسرائيلية, بحرية الى بلدنا هو هذه الجنة؟ أم ان (إسرائيل) نفسها ستقدم لنا هدايا ضخمة, وأموالا كثيرة, ونعما لا حصر لها يمكن ان تحضر كنوع من الشكر على اننا صالحنا؟ لا شك ان (الصلح) سيوجب نشوء تحديات جديدة مثل مطالب الناس المتواصلة في رفع الاحكام العرفية, وزيادة رواتب الموظفين, الى المستوى الكافي لحاجاتهم. إني لا اشعر بان خزائن السماء ستنفتح علينا, خيرا وبركات, وسلامة الا فيما يتصل (بهجوم) جديد على الاعتراف باسرائيل والمصادقة لها, واقامة علاقات فضلى معها, بحيث يشاركوننا بالخيرات التي انفتحت علينا, او ستنفتح؟ وعندما نقف جادين امام افتراض انتهاء المفاوضات وقيام الصلح وما يليق به من تطبيع, سنجد ان (الداخل) يثير من زمن طويل, لا بسبب الصلح, جملة ضخمة من التحديات, نعرفها جيدا, ونعرف انها هي التي جعلتنا نقبل المصالحة, مثل هذا الفارق الكبير في المستوى الحضاري بيننا, وبين العالم, والتخمة الكبيرة بالايدي الشابة التي لاتجد العمل والاقتصاد المتعثر, وحالة التشتت والضعف في العلاقات العربية, وعدم تطور البحث العلمي وتوفير متطلباته , وغياب قيام حالة التكامل الاقتصادي العربي, وتفعيل مؤسسات العمل القومي. من هنا فان التحديات تزداد خطورة, وتتولد عنها تحديات اخرى, واذا كانت اسرائيل تغير في استراتيجياتها ووسائلها, فان البلدان العربية تبدو حتى الآن لا تمتلك اية رؤية موحدة او مشروع مستقبلي يعينها على مواجهة استحقاقات المستقبل ومن هنا تتبدى خطورة التحديات اولا, ومن هنا يتبين كيف مازلنا نعمل خاصة وان اسرائيل تحاول ان تتقاضى ثمن هذه التسوية خاصة على صعيد تفوقها النوعي عسكريا على العرب وكأن العرب هم الذين اغتصبوا حقوقها وشردوا شعوبها واحتلوا ديارهم. دمشق ـ مفيد نجم