* نصري الخوري: المواقف والتكامل السياسي السوري اللبناني ساهما مساهمة كبيرة في دعم المقاومة اللبنانية * جبارة برغوثي: جهات خارجية لا تريد لسوريا والاردن ان يكونا في حسن جوار * علي بدوان: من المفيد جدا ان تعيد منظمة التحرير فتح خطوط التقارب مع سوريا * د. محمد الحيالي: جامعة الدول العربية وقفت ضد وحدة سوريا والعراق * خورشيد دلي: بسبب الخلافات افتقرت العلاقات السورية التركية الى الادارة السياسية لاقامة مشاريع اقتصادية *عماد هرملاني: الخلاف على تقاسم مياه دجلة والفرات ايقظ مشاعر العداء الغافية بين سوريا وتركيا * يوسف الجهماني: احتقان العلاقات بين الشعب السوري وتركيا بدأ قبل افول الامبراطورية العثمانية أدار الندوة ـ يوسف البجيرمي: تحت عنوان (سوريا ودول الجوار) عقد مكتب (البيان) في دمشق ندوة شارك فيها: نصري الخوري الامين العام للمجلس الاعلى السوري ـ اللبناني وجبارة برغوثي الكاتب والباحث الفلسطيني وعلي بدوان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الفلسطينية ود. محمد جعفر الحيالي ممثل الحركة الاشتراكية العراقية في سوريا وخورشيد دلي الباحث في الشئون التركية والباحث عماد هرملاني والباحث والناشر يوسف الجهماني. قبل الدخول الى تفاصيل الندوة لا بد من الاشارة الى ان علاقات سوريا بجيرانها منذ استقلالها عام 1948 وحتى نهاية عقد التسعينيات ظلت متوترة في اغلب الاوقات خلال هذه العقود الخمسة. وقد شهدت هذه العلاقات تحسنا لفترات قصيرة لكنها كانت تعود اكثر توترا كما كان الحال مع العراق وتركيا والاردن, ولم يشذ لبنان عن هذه القاعدة الا في العقدين الاخيرين, اما منظمة التحرير الفلسطينية فعلى عكس لبنان كانت العلاقات معها طيبة حتى الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 حيث تأزمت مع رئيسها ياسر عرفات وتفاعلت الازمة اكثر فأكثر مع توقيع اتفاقيات اوسلو وقيام سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. افتتح الحديث نصري الخوري متناولا العلاقات السورية اللبنانية: لا بد لنا من التأكيد هنا ان العلاقات ما بين لبنان وسوريا هي علاقات تاريخية مميزة تمتد جذورها عميقا عبر التاريخ, وتكريسا لهذه العلاقات التاريخية المميزة وانطلاقا منها ومن روابط الاخوة بين لبنان وسوريا وروابط التاريخ والقربى جاءت معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق لتشكل قفزة نوعية في تاريخ البلدين, ولهذا ولعدة اسباب لا مجال لذكرها الآن نقول انها جاءت لتؤكد على عمق هذه العلاقات ولترسم آفاقا مستقبلية لهذه العلاقات والنشىء الاجهزة المشتركة التي تسهر على تنفيذ بنود المعاهدة وما ينجم عنها من اتفاقات تصب كلها في اطار تحقيق اهداف التعاون والتنسيق للوصول الى نوع من التكامل في مختلف مجالات الحياة, وهذا التكامل برأينا اذا ما تحقق يعيد دورة الحياة الى طبيعتها بين لبنان وسوريا وخاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المجالات الاخرى الثقافية والسياسية, وانطلاقا من هذه المعاهدة وكما هو معروف وفي اطار المؤسسات او الاجهزة المشتركة التي انشئت هناك لجان وزارية مشتركة, فهناك مجلس اعلى لرسم السياسة العليا للتنسيق والتعاون والذي يرعى مسيرة هذا التعاون ويحدد الاهداف وهناك لجان متخصصة منها لجان الشئون الخارجية ومجلس الدفاع والامن وسائر اللجان الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية وفي الاطار السياسي فان هناك تلاحما وتعاونا وثيقا في مختلف المجالات السياسية بين لبنان وسوريا وهذا التعاون اثمر واعطى نتائج جديدة ايجابية ليس فقط على مستوى البلدين بل على مستوى الوطن العربي حيث اصبح هذا المحور محور صمود في وجه المطامع الاسرائيلية وفي وجه المخططات الاسرائيلية الهادفة الى ضرب مفهوم السلام العادل والشامل وافراغه من محتواه والى فرض مفاهيم اسرائيلية لهذا السلام مغايرة تماما ومناقضة لمفهوم السلام العادل والشامل الذي انطلقت على اساسه عملية السلام في مدريد ومن هنا جاءت وحدة المصير ما بين لبنان وسوريا لتعبر عن نفسها في اكثر من مجال سياسي وفي اكثر من محفل دولي, حيث اظهر هذا التعاون وهذا التكامل في المواقف السياسية وهذه الوحدة المصيرية ووحدة المسار فعالية كبيرة ساهمت الى حد كبير في حفظ الكرامة القومية وصيانة الحقوق القومية وفي حمل دول اخرى والرأي العام العالمي والعربي على تفهم هذه المواقف والتعاطف معها, كما ساهمت ايضا ليس فقط في تحريك التضامن العربي بل احياء فكرة التضامن العربي حيث بدأنا نشهد ملامح عودة الروح التضامنية مابين الدول العربية والتي تتجلى في الالتفاف ودعم الموقف السوري المتمسك بقواعد السلام العادل والشامل والتمسك بالقرارات الدولية وحق لبنان وسوريا في تحرير كل شبر من ارضهما المحتلة والمغتصبة وحق الشعب الفلسطيني. هذه المواقف السورية اللبنانية والتكامل السياسي أعطيا فاعلية وساهما مساهمة كبيرة في دعم المقاومة اللبنانية من اجل التحرير وفي تكريس المبادىء والحقوق الوطنية والقومية وتحريك التضامن العربي, ونحن على ثقة تامة بأن النتائج الاولية التي بدأت تظهر وتعطي ثمارها سوف تكبر مع الايام ونحن ايضا على ثقة ان الاتفاق العربي والتضامن العربي حول الموقف السوري والثوابت اللبنانية والسورية سيعطي نتائجه وبالتالي سوف يساهم كثيرا في تحريك الرأي والمواقف العالمية لدعم هذا الحق السوري ـ اللبناني في تحرير الارض. السوق السورية ـ اللبنانية المشتركة ولا بد من الاشارة الى انه في اطار معاهدة الاخوة والتنسيق تم التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من هذه المعاهدة وفي الواقع هذه الاتفاقيات تركز على نوعين من الاتفاقيات, اتفاقيات تتناول موضوعا بالمعنى الواسع الاقتصادي واتفاقيات تتناول شقا اساسيا مكملا للشق الاقتصادي وهي اتفاقيات التعاون في مجال الثقافة, اما في الموضوع الاقتصادي لابد اولا من القول بأن هناك اتفاق اطار عام او ارضية اساسية لمجمل اتفاقيات اخرى والتي تتناول مختلف الشئون الاقتصادية والاجتماعية وهذا الاتفاق يعرف باسم اتفاق التعاون الاقتصادي والاجتماعي الذي وقع عام 1993 وقد حدد مجموعة من الاهداف التي يجب تحقيقها تدريجيا وبخطوات مرحلية ومرنة تأخذ بعين الاعتبار الاوضاع والظروف الموضوعية التي نشأت بكل من البلدين على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وهذه الاهداف يمكن تلخيصها بأن العمل جار على تكامل وقيام السوق اللبنانية السورية المشتركة في المجال الاقتصادي وبالتالي تحديد آلية الوصول الى هذه الغاية وآلية عمل جميع اللجان المعنية بهذا الشأن الاقتصادي والاجتماعي. بمعنى آخر الموضوع لا يقتصر في اطار اتفاق تعاون اقتصادي واجتماعي على موضوع تبادل المنتجات او تخفيض الرسوم الجمركية بل بتبادل سلسلة من الامور المرحلية التي يجب ان تصل بنا الى تحقيق الهدف الاساسي وهو التكامل والسوق المشتركة, ومن هنا كان هذا الاتفاق الذي نص على موضوع اللجان في الصناعة والنقل والكهرباء والنفط والغاز بالاضافة الى المواضيع المتعلقة بالسياحة والصحة والشئون الاجتماعية واعتبر الموضوع الاقتصادي الاجتماعي كلا متكامل وتم تناوله من كل جوانبه وزواياه واشير الى ضرورة ان تكون هناك لجنة بالاضافة الى هذه اللجان للتخطيط المشترك وتنسيق السياسات في هذه الميادين اي في المجال الزراعي والاقتصادي عموما. ومن هنا هذا الاتفاق الذي يسمى باتفاق الاساس هو الاتفاق الام لهذه الاتفاقات التي شملت مختلف الميادين التي اشرنا اليها والخطوات العملية التي من شأنها ان تصل بنا الى وحدة التكامل, في اطار هذا الاتفاق جاء موضوع تسريع عملية تحرير واطلاق حرية تبادل المنتجات الصناعية والزراعية بين لبنان وسوريا واختصار المهن المحددة في اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية وبالتالي ايضا تسريع تخفيض الرسوم الجمركية اولا والاتفاق بدون شك سبقه سلسلة من الخطوات التمهيدية تبين لنا ان هناك حاجة لذلك على ضوء دراسة الامور الواقعية والتشريعات والتعليمات الادارية وهناك مجموعة من الامور المتراكمة التي كان لابد من معالجتها مما له علاقة بشهادة المنشأ وقواعده وما له علاقة باجازات الاستيراد والتصدير, بعض القرارات التي صدرت خلال فترة الحرب اللبنانية والتي منعت من استيراد بعض الامور تمت معالجتها نحو الوصول الى اطلاق حرية تبادل المنتجات الصناعية وحرية المنشأ بين البلدين وتم الاتفاق على هذا الموضوع ابتداء من بداية عام 1999 بحيث تخفض الرسوم الجمركية 25% سنويا لتصل الى مرحلة اطلاق حرية تبادل هذه المنتجات وطنية المنشأ خلال الاربع سنوات اي ان تتحول لبنان وسوريا الى منطقة تبادل حر للمنتجات الوطنية, ودون شك في اطار تنفيذ هذا الاتفاق بعض الاستثناءات التي نحن بصدد معالجتها بكل ايجابية وتوافق بين البلدين بما يخدم مصالحهما ومصالح الشعبين الشقيقين ويسهم في تعزيز اواصر الاخوة والتعاون والتنسيق بينهما وصولا الى مرحلة التكامل التام. العلاقات السورية الأردنية جبارة برغوثي باحث فلسطيني (اردني) تحدث عن العلاقات السورية الاردنية: ليست العلاقات السورية الاردنية على اكمل وجه ولم تكن كذلك الا في عقد السبعينيات وبخاصة بعد قيام الحركة التصحيحية بقيادة الرئيس حافظ الاسد. لا اريد الخوض في الماضي ولكنني اريد التذكير بأن قيادة حزب البعث طلبت من الضباط الاحرار في الاردن عدم تنفيذ خطة انقلاب تبدأ باغتيال الملك حسين. يقول اللواء السابق محمود المعايطة انه شخصيا ـ وهو البعثي منذ الخمسينيات ـ كان المنقذ الرئيسي للملك حسين بعد ان تلقى امرا من قيادته الحزبية بذلك لمعرفة تلك القيادة ان اسرائيل كانت ستجتاح الضفة الغربية لو سقطت الملكية في الاردن, كان ذلك في عام 1957, اذن هل كانت اعتقالات البعثيين ومطاردة الوطنيين في ذلك العام وبعده بتوجيه او ان الاردن لم يحمل جميلا لاولئك الذين اعتبروا اغتيال الملك جريمة تقود الى ضياع وطن. من قراءاتي واطلاعاتي ومعرفتي الشخصية استطيع ان اؤكد وبعد ان نفى رئيس الوزراء الاسبق سليمان النابلسي وجود مؤامرة على المملكة الاردنية من قبل الوطنيين والقوميين ان الامر كان مفتعلا من جهات خارجية اولها اسرائيل التي غاظها وجود ديمقراطية حقيقية في الاردن بدأت مع طرد كلوب من الانتخابات النيابية الحرة في عام 1956, يعزز هذا القول تعثر التوجه الديمقراطي الذي دعا الىه الملك الراحل حسين عام 1990 لان المخابرات الاردنية خاصة بما فيها الامن العام والاستخبارات لم ترض عن التوجه الديمقراطي . سبب رئيسي للأزمة نعود الى التأزمات في العلاقات الاردنية السورية فهي الى حد الآن غير صافية والثقة بين الجانبين مزعزعة, في عام 1958 حمل الاردن البعثيين مسئولية قتل وقلب العائلة الهاشمية في العراق. في عام 1966 انتصرت سوريا للكفاح الفلسطيني وأدت مساعداتها للفلسطينيين تسليحا وتدريبا الى تأزم علاقاتها مع الاردن ومن ذلك التاريخ وحتى سبتمبر 1970 شكل الدعم السوري للفلسطينيين السبب الرئيس في ذاك التأزم وربما تشكل الايديولوجية السورية البعثية الداعية للوحدة والاشتراكية سببا في تعاون الاردن مع جماعة الاخوان المسلمين السورية منذ نهاية السبعينيات واعتبرت سوريا ذلك غدرا كبيرا بعد ان وصلت علاقات البلدين درجة عالية من التنسيق والثقة .. التي وصلت الى حد تجاهل سوريا لذاك العون العسكري الاردني لحزب الكتائب اللبناني الذي وصفه امين الجميل بأنه تضمن دبابات ومدفعية. وشكل اعتراف الملك حسين باخطائه في دعم الاخوان المسلمين فاتحة لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين في النصف الثاني من الثمانينيات, لكن العلاقات بقيت فاترة لهذا ليست اتفاقية وادي عربة بين الاردن واسرائيل هي السبب في العلاقات المتعثرة لان العثرات سبقت ذلك ثم ان سوريا كانت على علم بعلاقات الملك حسين واتصالاته مع الاسرائيليين من خلال ماتناقلته اجهزة الاعلام العالمية حتى السورية, ولم يشكل ذلك سببا رئيسيا في بقاء العلاقات بين فاترة ومتوترة. اعتقد وهذه وجهة نظر شخصية ان جهات خارجية لا تريد لسوريا والاردن ان يكونا في جوار حسن وايجابي فاسرائيل عثرت الديمقراطية التي حاول الملك الراحل حسين اشاعتها في الاردن, والولايات المتحدة لا يهمها ان يلتقي عربي مع عربي. وهناك جهات عربية مرتبطة مصالحها الامنية والشخصية بالدعم الامريكي لها لذلك لا تريد ان يكون بين الاردن وسوريا رابطة قوية وهو ما توضح في حرب الخليج الثانية. ولاني لا استطيع الخوض في هذا الموضوع هنا فاذكر بما قاله الشاعر حافظ ابراهيم (لو اخلص النيل والاردن ودهما لتصافحت منهما الامواج والعشب) والمقصود هنا مصر وبلاد الشام مجتمعة. في العامين او الثلاثة الماضية كادت العلاقات السورية الاردنية تصل الى حد القطيعة, وبعد وفاة الملك حسين ومشاركة الرئيس الاسد في جنازته توقفت الحملات على بساطتها. ولا ننكر هنا ان من صناع القرار في الاردن اشخاص اما من اصول سورية مثل رئيس المخابرات العامة او ممن درسوا في الجامعات السورية. سوريا وفلسطين حول العلاقات السورية الفلسطينية كان المتحدث هو علي بدوان عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الذي قال: تكتسي العلاقات الفلسطينية ـ السورية اهمية كبيرة بل واستثنائية, ليس فقط بسبب التداخل الواسع بالقضايا الوطنية الشائكة في مسار الصراع العربي ـ الصهيوني بين سوريا وفلسطين, انما ابعد من ذلك في سياق الارث التاريخي والعمق البشري والجغرافي والتداخل الذي لم يكن سوى جزء متكامل من علاقات مصيرية ربطت ومازالت تربط سوريا الطبيعية باجزائها ومكوناتها. وفق ذلك وفي صيرورة الصراع مع الغزو الاستيطاني الصهيوني للجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام, مثلت حالة التوافق الفلسطينية ـ السورية كما هي حالة التوافق المصرية ـ السورية ضرورة استراتيجية لتأمين الحد الادنى من التماسك العربي ـ العربي, والحد الادنى من مقومات الثبات والنهوض في وجه الغزو الصهيوني. وبعد نكبة 1948, لم يكن امام شعب فلسطين وجراحه المثخنة من ملاذ امن سوى المحيط الديمغرافي / الجغرافي والبشري على حدود فلسطين (سايكس - بيكو) وفي القلب من ذلك تقع سوريا بدورها الاستراتيجي خاصة الخطاب القومي والفعل التجميعي الوطني/ القومي/ العربي. لذا ليس سرا او عبثا القول بأن رصاصات الثورة الفلسطينية المعاصرة اطلقت انطلاقا من سوريا معلنة ثورة الشعب الفلسطيني. وفاتحة الطريق نحو اعادة بناء الكيانية الوطنية والتمثيلية للشعب الفلسطيني في اطار منظمة التحرير الفلسطينية. الآن ومع وقائع كارثة الخليج الثانية وانهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي, نشأت معادلات جديدة دولية اقليمية, جعلت من الجناح القيادي المسيطر على القرار في اطار منظمة التحرير يندفع نحو حلول التسوية مع الدولة العبرية على اساس مغاير لما نادت به القمم العربية وما نادت به منظمة التحرير وكل ائتلافها الوطني المتشكل من قوى وشخصيات وفصائل وفعاليات مناضلة في الوطن الفلسطيني وكل مواقع الشتات. الشرخ ان التسوية التي تمت في اوسلو وتطبيقاتها اللاحقة فوق الارض الفلسطينية احدثت شرخا مؤسفا في العلاقات العربية ـ العربية وفي ترابط وتماسك مسارات التفاوض مع الدولة العبرية الاسرائيلية الامر الذي اضعف الموقف العربي برمته واضعف بشكل خاص الموقف السوري واللبناني المشترك. لذا كانت المبادرة تأتي دوما على يد العديد من فصائل المعارضة الفلسطينية لتجاوز واقع الانقسام في الحالة العربية ـ العربية, وضرورة اعادة بناء وربط جسور الثقة والتماسك بين كل من سوريا وفلسطين باعتبار ان جوهر قضايا الصراع مع العدو الاسرائيلي مازال مفتاح حله لفرض تطبيق قرارات الشرعية الدولية على الدولة الاسرائيلية وهذا الامر لا يمكن ان يتم انجازه بشكل تام وكامل بدون توفير مقومات الحد الادنى من التماسك في الموقف العربي وفي القلب منه في تماسك وترابط وتنسيق وتجاور الموقف الفلسطيني مع الموقف السوري. بكل الحالات, ان التداعيات السلبية وحالة الاحتراب او حالة الانهيار بالوضع العربي/ العربي وفقدان العمل المشترك على المسار الفلسطيني والسوري في العملية التفاوضية مع العدو الاسرائيلي, ستكون نتائجهم كما برهنت الوقائع الماضية خسارة اضافية للطرف الفلسطيني المقيد تحت سقف معادلة القوة الاسرائيلية. ان من المفيد جدا, ان تعيد منظمة التحرير الفلسطينية مراجعة التجربة وفتح خطوط التقارب الحقيقية وليس التكتيكية مع سوريا العربية وعلى قاعدة اعادة ترتيب العلاقة المشتركة وخلق الحدود الدنيا من العمل التحاوري في سياق العملية التفاوضية الراهنة. وهنا من الضروري الاستفادة من الدرس اللبناني وفي تلازم المسارين اللبناني/ السوري والنتائج الايجابية التي تحققت بحيث جعلت من حكومة باراك تدرك بأن حلول التسوية فوق هضبة الجولان لن تكون بدون حلول التسوية الكاملة والانسحاب الاسرائيلي بدون قيد او شرط من جميع الاراضي اللبنانية المحتلة حتى خطوط الهدنة لعام 1949. ان خطوات تقارب فلسطينية ـ سورية على الارض اصبحت قضية لا غنى عنها من اجل تجاوز الواقع الصعب الذي تمر فيه المسألة التفاوضية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي بعد الاستعصاءات التي دخلت فيها. وبالضرورة يجب ان تترافق هذه العملية مع اعادة ترتيب البيت الفلسطيني واعادة توحيد وتجميع عناصر القوة الفلسطينية تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية الواحدة الموحدة وعلى اساس برنامجها الوطني الائتلافي المشترك. هكذا خطوات سياسية, يتبعها بالتأكيد خطوة اكثر ملموسية واكثر تثميرا من خلال الانفتاح وفتح الطريق لقمة عربية شاملة بحضور الجميع دون فيتو من احد مع احد لوضع خطوط لاستراتيجية عربية ـ عربية امام انعطافات هائلة في الوضع الدولي والاقليمي وامام مفاوضات مع العدو الاسرائيلي يبدو بأنها مازالت طويلة وتحتاج مجهودا وطاقات من اجل اجبار الدولة العبرية على وقف سياستها التوسعية التهويدية. من سوريا الى العراق تناول د. محمد جعفر الحيالي العلاقات بين سوريا والعراق: ادى تقاسم الوطن العربي بين الدول الاستعمارية الى ظهور البدايات الاولى للتمايزات السياسية والجغرافية بين الاقطار العربية ككيانات قائمة بذاتها. ولم يكن ذلك نتيجة لسياسة الدول الكبرى القائمة على مبدأ التجزئة لادارة الهيمنة والحفاظ على المصالح وحسب, بل ايضا جاء اختلاف سياسات هذه الدول بالنسبة لكل طرف قياسا بالطرف الآخر, وهو امر منح صيغة معينة لطابع التطورات السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية في كل بلد عربي على حدة, وعلى مجموع الوطن العربي. وبقدر ما يتعلق الامر بالعلاقات بين سوريا والعراق, فقد تم تكريس التمايز بينهما بشكل علمي اولا, واكتملت هذه العملية بظهور كيانات سياسية بدأت بالتطور الذاتي على الانفراد, وسط عملية معقدة لا تخلو من التأثير والتأثر المتبادل بين البلدين من جانب, وبينهما وبين سياسات الدول الكبرى في كل منهما. وقد فرض ذلك حتى على اشد دعاة الوحدة بين البلدين من الساسة العمل انطلاقا من واقع قائم, وحقائق عملية وسياسية وجغرافية جعلت من الدعوة للوحدة والاندماج بمثابة هدف آني وبعيد في نفس الوقت. اذ وجد هؤلاء الساسة انفسهم يواجهون العقبات التي تحول دون انجاز اهدافهم, ومصدرها العامل الخارجي, اضافة الى ظهور بدايات التفكير القطري, والسعي في كل بلد من البلدين لنيل الاستقلال, او تحسين ظروف الاستعمار وشروطه, وقيده, وحتى حين يندفع القادة السياسيون باتجاه الوحدة, فانهم يضعون شروطا بحيث لاتضر الوحدة بمصالح احدى الدول الكبرى, وهو ما ميز الكثير من مشاريع الوحدة التي طرحها الساسة العراقيون بوجه خاص. لقد اقنعت سنوات الحرب العالمية الثانية بريطانيا بضرورة ايجاد حل لمسألة تطلع العرب نحو الوحدة, ومن هنا جاء اقتراحها عام 1943 باقامة جامعة الدول العربية واطار يجمع الدول العربية ككيانات قائمة ويحد من التطلع نحو وحدة الدول العربية, وكانت بريطانيا تدرك جيدا ان اقامة الجامعة من شأنها ان تخلق تنافسا بين الدول العربية, خاصة بعد ان اوكلت مهمة اخراج الجامعة الى حيز الوجود الى مصر, ذلك ان الواقع الجيوسياسي المصري ـ السوري ـ العراقي غاية في الحساسية باعتباره مركز تجاذب وصراع في آن واحد, دام قرونا في عهد الدولة العربية الاسلامية, وكان الخلاف المصري العراقي حول سوريا اولى ثمرات هذا التنافس, فقد اثبتت السنوات الاولى من اقامة جامعة الدول العربية حقيقة ان الجامعة وقفت ضد وحدة سوريا والعراق. اذ رفضت الجامعة بشكل واضح وعملي اقامة اي اتحاد او وحدة بين البلدين ـ وادى استقلال سوريا عام 1946 مع بقاء العراق تحت الاحتلال, الى ظهور مشكلة سياسية حقيقية تمثلت بعدم استعداد السوريين التخلي عن استقلالهم والعودة للسيطرة الاستعمارية تحت شعارات الوحدة مع العراق. وقد استهلكت هذه المشكلة الكثير من الجهود السياسية من الطرفين, هذا اضافة بالطبع الى وجود مناورات سياسية استثمرت الواقع السياسي الجديد, وهذا الاستغلال ادخل تغييرا ملحوظا في توجهات الساسة في سوريا, اذ كان اهتمامهم الاول يصب في اتجاه المحافظة على الاستقلال وبأي ثمن ورفض اية مشاريع توحي بان الاستقلال السوري قد يمس جراءها. على الرغم من ان الخطر الصهيوني كان وما زال يقلق الامة العربية, غير ان هذا القلق ليس في درجة متساوية لدى العرب عموما, وانما هناك تفاوت الى حد كبير, فالاقطار العربية ـ ومنها سوريا والعراق ـ هي التي يبدو عليها القلق اكثر من سواها, بسبب الاطماع الصهيونية التي تستهدف البلدين من جهة, واتساع الحد القومي الوحدوي فيهما, وكان اهتمام سوريا والعراق بالقضية الفلسطينية بحكم العلاقة التاريخية الوطيدة التي تربطها بها, ولان سوريا اكبر التقسيمات السياسية التي وجدت بعد تقسيم بلاد الشام, وعليها تترتب المسئولية الاولى, وبالنسبة للعراق فان قيام دولة يهودية في فلسطين يعتبر خطرا جسيما على كيان العراق السياسي والاقتصادي والقومي وبخاصة انه سيحول دون تحقيق الوحدة العربية باعتبار فلسطين قلب الوطن العربي ـ وقد افادت تجربة الحرب في فلسطين العسكريين العراقيين والسوريين, الذين شاركوا في المعارك بادراك حقيقة ان هناك الكثير من المناورات في طروحات السياسيين حول الوحدة بين القطرين, وقد عزز هذا اتجاه الضباط للاستيلاء على السلطة في البلدين. الانقلابات العسكرية وفي عهد الانقلابات العسكرية السورية عام 1949 اثار العراقيون حفيظة الساسة في سوريا لنزوعهم الشديد نحو التدخل المباشر في شئون سوريا الداخلية, ويمكن القول ان الانقلابات العسكرية في سوريا كانت تأتي في الغالب في اطار التخوف من السياسات العراقية. ويؤكد هذا حدوث الانقلاب العسكري الاول في سوريا رغم تعدد المشاكل الداخلية فيها, اذ كان لطرح العراق مشروعه الوحدوي مع سوريا عام 1948 اثر مباشر في وقوع الانقلاب, اما الانقلاب الثاني الذي قاده العقيد سامي الحناوي فقد جاء بمثابة رد على الانقلاب الاول, ولنصرة الاتجاهات العراقية في السياسة السورية آنذاك. الا ان انقلاب الشيشكلي اعاد اتمام دورة الانقلاب الاول والثاني, اذ ناصب حكام العراق العداء الشديد حتى الاطاحة به عام 1954. وبامعان النظر في الاتجاهات العراقية لتحقيق الوحدة مع سوريا خلال الحكم الملكي, يلاحظ الباحث وجود خلافات في التوجهات تتعلق باختلاف الظروف في المنطقة العربية واحداثها فكان الطابع الابرز للسياسة العراقية هو العمل على اقامة روابط اوثق مع الدول غير العربية, وخوض فصول كثير من المناورات فيما يتعلق بالوحدة مع سوريا او بصدد مفهوم الوحدة العربية ككل. ومن مناورات نوري السعيد الذي تولى رئاسة الوزارات العراقية عدة مرات طرحه لمشروع وحدة بلدان الهلال الخصيب, اذ كان هذا المشروع يطرح لاعتراض المشاريع الجادة من جانب, ولاثارة الخلافات العربية من جانب آخر, ومن جانب ثالث الهاء العرب بضجيج مشاريع سرعان ما تتبخر, ولا يبقى منها سوى اثرها المرير في النفوس, وعلى حركة الوحدة العربية الجادة. وقد امتاز الحكم العراقي آنذاك بسيطرة النخبة السياسية التي كانت في كل الاحوال تسعى للمحافظة على مصالحها الخاصة, ولم تكن النخبة تدخل تعديلات على الاتجاهات السياسية الا في حالة وجود ضغوط شعبية, بهدف تخفيف تأزم وتوتر الاوضاع الداخلية. النخب عاجزة عن مقاومة هذا المد القومي التحرري الذي تبناه الشعب السوري: وكانت كل من القاهرة ودمشق تدركان جيدا موقع سوريا في النضال العربي, لهذا كان العامل الوطني المحلي هو الهاجس, باتجاه مواجهة التهديدات الاسرائيلية من جانب وتهديدات حلف بغداد السياسية من جانب آخر, وبالقدر الذي كانت فيه دمشق تبتعد عن سياسات الغرب ومصالحه ومشاريعه, كان العراق يلتصق بها اكثر فاكثر. وبلغ ذلك ذروته في تآمر حلف بغداد على سوريا الذي جعل امكانية التقارب مجددا شبه مستحيلة. وقد ساهمت بعض الاحداث في ابراز سعة الخلافات السورية ـ العراقية. فقد تباينت مواقف الحكومتين كثيرا من احداث العدوان الثلاثي ضد مصر, ولم يكن هناك من تعاون للعراق بشكل مباشر او غير مباشر مع مصر جراء ارتباطه بحلف بغداد, وهذا ما يفسر ضخامة ردود الفعل الشعبية في سوريا والعراق ضد العدوان الثلاثي وضد سياسة حكام بغداد في نفس الوقت. وخلال الفترة مابين ثورة 14 يوليو عام 1958, وانقلاب 17 يوليو عام 1968 في العراق, لم تشهد العلاقات السورية ـ العراقية اي تحسن, الا خلال فترة عام 1963, وهي الفترة التي تولى فيها حزب البعث السلطة في العراق, والاسباب التي حالت دون تحسن هذه العلاقات تعود الى اختلاف توجهات قادة البلدين, ففي الوقت الذي كانت فيه سوريا متحدة في دولة الوحدة مع مصر, كان الزعيم عبد الكريم قاسم في العراق يقف على نقيض اية سياسة وحدوية, مما خلق حالة من التوتر الدائم بين البلدين. وبين الحيالي ان الفترة التي شهدت توترا دائما في علاقات البلدين هي الفترة الممتدة من عام 1968 وحتى الآن, بسبب سياسات النظام العراقي الذي جعل احد اسس سياسته تطبيق سياسة المحاور في العلاقات العربية ـ الغربية. وعدم ثبات هذا النظام على سياسة واضحة محددة المعالم والابعاد . وتجلت السياسة العراقية المعادية لسوريا بعد قيام الحركة التصحيحية في سوريا عام 1970 التي قادها الرئيس حافظ الأسد, فقد طرحت سوريا في عهده, ومن منطلق تجميع الطاقات العربية في مواجهة الكيان الاسرائيلي وغطرسته شعار التضامن العربي باعتباره شعارا عمليا, ومن اجل وضع هذا الشعار موضع التطبيق العملي قام الرئيس حافظ الاسد بزيارة بغداد عام 1979 بهدف تخفيف حدة التوتر بين سوريا والعراق وخلق حالة من الاستقرار في علاقات البلدين, من جهة, وضمان قدرات العراق العسكرية والاقتصادية وتوظيفها في خدمة عملية الصراع العربي ـ الصهيوني من جهة اخرى. وقد تجاوزت المفاوضات بين الطرفين حدود المستطاع ـ في ظل هذه العلاقات ـ وهي تحقيق ميثاق العمل القومي بين البلدين, الا ان هذا الميثاق لم يجد طريقه الى الحياة والاستمرار, بسبب سياسة صدام حسين ـ باعتباره آنذاك نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ـ الذي عمل جاهدا على ابعاد الرئيس العراقي احمد حسن البكر عن السلطة, وتوليه مهام رئاسة الجمهورية, مما اتاح له الفرصة في تصفية العديد من اعضاء القيادة القطرية للحزب الحاكم. ولم يتوقف صدام حسين عند هذه الحدود بل اخذ يعمل على دعم عدد من السوريين للقيام باحداث انفجارات داخل دمشق والمدن السورية الاخرى لخلق فجوة في الاستقرار الامني الذي يعيشه السوريون. غزو الكويت وتقاطعت سياسة كل من سوريا والعراق ازاء احتلال القوات العراقية لدولة الكويت, ففي الوقت الذي رأت سوريا ان هذا العمل يؤدي الى الشلل في العلاقات العربية ـ العربية, وتبديد للطاقات العراقية والعربية التي يجب تجميعها لمواجهة عدو الامة المشترك الكيان الاسرائيلي, اوغل الرئيس العراقي في سياسته التي قادت الى تدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية, وفرض الحصار الدولي على شعب العراق, وخلق حالة تدميرية في العلاقات العربية ـ العربية, ولا تزال الامة العربية تعاني تداعيات هذه السياسة. لقد ادركت الدول الكبرى ان الوطنية المتمثلة بالقومية العربية هي الخطر الحقيقي, لان القومية العربية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كحقيقة اساسية وقوة فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية العربية. ومن هذا المنطلق كانت هذه الدول تخشى اي لقاء بين سوريا والعراق ـ ففرنسا وقفت ضد اي تقارب بين البلدين, لان التقارب هذا يبدد احلام فرنسا في سوريا ولبنان, والقضاء على كل زعم في علاقات ثقافية كانت ام تاريخية. وان مصلحة بريطانيا كانت تتمثل في المحافظة على صداقة سوريا واستقرارها لتؤمن سلامة الانابيب النفطية المارة عبر اراضيها, ولم تكن لديها اية مصلحة في اتحاد سوريا والعراق, بل اخذت اوساط بريطانية تروج ان هناك فوارق بين شعبي البلدين. اما بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية فان سياستها تقوم على تطبيق الامر الواقع وقد ادت هذه السياسة الى معارضة الاتجاهات والحركات التي تسعى الى تغيير الامر الواقع, ويمكن الحديث عن وجود علاقة طردية ايجابية بين تزايد المصالح الامريكية في المنطقة, ورغبة الولايات المتحدة في التعامل مع دول هذه المنطقة كل منها على حدة, وبالذات عندما تتضمن حركة التقارب افكارا حول ضرورة السيطرة على الموارد النفطية, ورأت السياسة الامريكية ان اي تقارب بين سوريا والعراق سيكون خطرا على حليفتها اسرائيل. وفيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي السابق, فقد ابدت الاوساط السياسية فيه بعض الاعتراض على مشروع اتحاد سوريا والعراق بحجة ان الشرق الاوسط بهذا الاتحاد سيصبح ألعوبة بيد الدول الغربية والولايات المتحدة. ولا ريب في ان العداء الاسرائيلي لتقارب سوريا والعراق يشكل اخطر العوائق, ذلك لانه لا يكتفي بالتأثير في مواقف دول الجوار وحسب, بل يتغلغل الى داخل بنية المجتمعات العربية, ليفاقم من عوامل التفرقة. فتعاون او اتحاد سوريا والعراق يهدد قبل كل شيء الكيان الاسرائيلي, ويجعل منه عاجزا عن مقاومة قدرات الدولتين, لذا اتسم الموقف الاسرائيلي بالعداء الصريح والمباشر, لاية فكرة اتحادية. بين دمشق وأنقرة خورشيد دلي الباحث في الشئون التركية تناول مسيرة العلاقات بين دمشق وانقرة: اتسمت العلاقات التركية ـ السورية طيلة العقود الماضية بالقلق والتوتر وغياب الثقة بسبب طغيان المشكلات الخلافية كالمياه والحدود والامان فضلا عن الارث التاريخي لهذه العلاقة الذي كان له دور سلبي في هذا السياق, اقل ما يمكن ان يقال عنه انه ساهم في حجب الحوار لصالح تصورات سلبية رسختها احداث تاريخية بدت لكل طرف من زاوية مغايرة تماما. فالاتراك الذين كانوا يرون في دمشق اقرب المدن العربية الى السلطنة والسلطان وجدوا انها تحولت في مطلع القرن العشرين الى مركز للحركة العربية التي تطالب بالاستقلال عن الدولة العثمانية وما ان حلت احداث الثورة العربية الكبرى عام 1916 حتى رسخت في اذهان الاتراك قناعة بان العرب تآمروا مع الاستعمار الغربي لتقطيع اوصال الامبراطورية العثمانية التي انهارت في الحرب العالمية الاولى, في المقابل رأى العرب بان الدولة العثمانية كانت اهم اسباب تخلف بلادهم حضاريا وتقنيا وان العروبة ظهرت بشكلها العنيف في مطلع القرن الماضي ردا على سياسة الاتحاديين الاتراك وبخاصة التتريك. في التجربة السياسية اضيف الى البعد التاريخي ابعاد سياسية وامنية دولية ادت الى انتهاج كل بلد سياسة متباينة, فتركيا التي انضمت مبكرا الى الحلف الاطلسي عام 1952 وكذلك الى عضوية عدد من المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية الغربية وجدت في سوريا التي لها حدود مشتركة معها تقدر بنحو 900 كيلو متر دولة تنشد مشروع الوحدة القومية العربية وتنتهج سياسة موالية للاتحاد السوفييتي السابق, ومن الطبيعي ان تكون مثل هذه السياسة مصدر قلق للاتراك. وبسبب التباين في السياسات والتوجهات والمصالح كثيرا ما شهدت العلاقات التركية ـ السورية توترات امنية وصلت الى حد اجواء الحرب كما حدث في عام 1957 عندما حشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود الشمالية السورية في اعقاب الخطوات الوحدوية مع مصر وكذلك في صيف عام 1998 في اعقاب اتهام انقرة دمشق بدعم حزب حزب العمال الكردستاني وايواء زعيمه عبدالله اوجلان, في المقابل اتسمت السياسة السورية حيال تركيا بالحذر والهدوء ومحاولة امتصاص التهديدات التركية وقد نجحت السياسة السورية هذه في فض الازمات الطارئة التي حدثت بين البلدين وكانت ابرزها في صيف 1998 التي انتهت بتوقيع اتفاق اضنة الامني بين البلدين في اكتوبر من العام نفسه. وبسبب هذه الخلافات افتقرت العلاقات التركية ـ السورية الى الارادة السياسية لاقامة مشاريع اقتصادية مشتركة على الرغم من توفير الارضية المناسبة لاقامة مثل هذه المشاريع خاصة في مجالات النقل والمياه والمواصلات والتجارة علما ان حركة التجارة الرسمية وغير الرسمية بين البلدين تسير بشكل جيد حتى في اوقات الازمات. اذ ان سوريا تشكل منفذا بريا للتجارة التركية الى الدول العربية ولاسيما الخليجية منها. الماء, الامن, الحدود والاقليات ان القضايا والعوامل التي اطرت العلاقات التركية ـ السورية ضمن اشكال سلبية تحكمها الخلافات المائية والامنية وقضايا الاقليات والحدود اضرت بهذه العلاقات كثيرا ومنعت من تبلور حلول واقعية تقوم على النظر الى هذه الخلافات كخلافات ناتجة عن الجغرافية السياسية المشتركة التي قسمتها الاتفاقيات الدولية في مطلع القرن الماضي وان المشكلات التي برزت في هذا السياق بحاجة الى معرفة كل طرف بالآخر وفهمه لا اغلاق الباب وحجب الحوار والنظر الى الامور من زاوية ابراز المركزية الامنية في المنطقة وفي الواقع ينبغي القول ان انتهاج كل بلد ثقافة سياسية وامنية مغايرة منذ البداية ووصول الامور بينهما الى حد القطيعة شكلت مدخلا لقيام علاقة تركية ـ اسرائيلية مبكرة هدفت اسرائيل منها في البداية الى اختراق الحصار العربي المفروض عليها ومن ثم تطويق سوريا بها من خلال الارتقاء بهذه العلاقة الى اعلى المستويات السياسية والامنية حتى اضحت هذه العلاقة وخاصة بعد توقيع اتفاق التعاون العسكري بين البلدين عام 1996 قلقا امنيا كبيرا لسوريا اضافة الى عدد من الدول العربية الاخرى وكذلك ايران. الآن وبتأثير من المتغيرات الدولية والاقليمية الجارية والابعاد التي ترتبت على الدولتين بتأثير هذه المتغيرات فان كل دولة بذلت وتبذل جهودا سياسية مضاعفة في السنوات الاخيرة للقيام بدور حيوي في الخريطة السياسية للمنطقة والتي بدأت تتشكل من جديد تحت تأثير انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية وعملية التسوية العربية الاسرائيلية وسعي الولايات المتحدة الى استيعاب المنطقة بمفرداتها السياسية في استراتيجيتها الدولية, ولكن في الوقت نفسه وبتأثير من هذه المتغيرات واحتمال تغير الاولويات والأبعاد المستقبلية فإن كلا من سوريا وتركيا بدأتا تكتشفان اهمية بناء علاقات ايجابية خاصة بعد طي ملف حزب العمال الكردستاني الذي سبب توترا امنيا بينهما طيلة السنوات الماضية, كما ان تركيا بدأت تنظر بقلق الى تطورات عملية السلام على المسار السوري ـ الاسرائيلي واحتمال التوصل الى اتفاق سلام بينهما قد يكون له الاثر السلبي على علاقاتها المميزة مع اسرائيل وبما يخلق اولويات جديدة لاسرائيل حيال العرب, وعليه يسأل العديد من الاوساط التركية عن اهمية خيارات اكثر ايجابية لعلاقات بلادهم مع الدول العربية وتحديدا سوريا. في الوقت الذي ترغب سوريا فيه برؤية تركيا دولة جارة تربطها بها علاقات تتناسب والهوية الحضارية وحسن الجوار والمصالح المشتركة عبر ايجاد حلول واقعية لمشكلات المياه والحدود. لواء الاسكندرون يواصل الحديث عن العلاقات السورية التركية الباحث عماد هرملاني ويركز بصفة خاصة على مشكلة (لواء اسكندرون) والحساسيات التاريخية والاستياء من اعتراف تركيا باسرائيل: عانت العلاقات السورية ـ التركية على الدوام من حالة فتور يمكن العودة بجذورها الى مراحل موغلة من تاريخ المنطقة تصل الى مرحلة التصادم العربي ـ التركي في اواخر العهد العثماني, والتي اتسمت في بلاد الشام بحساسيات خاصة نتيجة سياسة البطش التي اتبعها الوالي العثماني جمال باشا ضد السوريين خلال سنوات الحرب العالمية الاولى, وقد خلفت مواجهات تلك المرحلة في نفوس الشعبين السوري والتركي ترسبات عميقة وجدت ما يغذيها في الملابسات التي احاطت بعملية تشكل الدول الحديثة في المنطقة على انقاض الامبراطورية العثمانية التي تفككت في نهاية الحرب, وهو ما ينطبق بشكل خاص على مشكلة لواء الاسكندرون الذي سلخته تركيا من الاراضي السورية في عهد الانتداب الفرنسي. ولاشك في ان حالة التنافر المذكورة وجدت ما يغذيها ايضا في ظروف الاصطفاف الاقليمي لدول المنطقة ضمن اطر النظام الدولي الذي نشأ في اعقاب الحرب العالمية الثانية, حيث شكلت العلاقات المميزة التي ربطت منذ منتصف الخمسينيات بين سوريا والاتحاد السوفييتي عامل ضغط اسهم في لجم الطموحات الاقليمية لتركيا وحد من قدرتها على الاستفادة من مزايا انخراطها ضمن معسكر الحلف الاطلسي المناهض للنظام الشيوعي الحاكم في موسكو. وفي مقابل ذلك تجدر الاشارة الى مشاعر الاستياء التي عمت الشارعين السوري والعربي ازاء قرار الاعتراف باسرائيل الذي اتخذته الحكومة التركية عام 1949 لتكون بذلك الدولة الاسلامية الوحيدة التي اعترفت باسرائيل في ذلك الوقت واقامت معها علاقات اقتصادية ودبلوماسية, كما يشار الى الدور البارز الذي لعبته تركيا في الترويج لمشاريع الاحلاف الغربية التي طرحت في المنطقة خلال مرحلة الخمسينيات والتي ابدت العاصمة السورية حماسا كبيرا في معارضتها, وهو ما وضع البلدين في حالة مواجهة سياسية كادت ان تتحول الى صدام عسكري واسع لعب هاجسه دورا اساسيا في تسريع اعلان الوحدة المصرية ـ السورية عام 1958. تقاسم المياه وما اريد الاشارة اليه في هذا المجال ـ والحديث لا يزال للباحث عماد هرملاني ـ هو ان الخلافات التاريخية التي تم ذكرها اسهمت دون شك في عميق تفاعلات الازمة المفتوحة التي سيطرت على مسيرة العلاقات السورية ـ التركية خلال العقدين الماضيين, والتي نجمت بشكل اساسي عن لجوء تركيا الى محاولة استخدام مياه نهري دجلة والفرات الذين ينبعان من اراضيها ويشكلان مصدر حياة رئيسي في كل من سوريا والعراق, وتوظيفها كورقة ضغط في معركة التنافس التي تدور منذ ذلك الوقت بين الدول الثلاث بهدف الاستحواذ على مركز فاعل ضمن النظام الاقليمي القائم في المنطقة وقد بات من المعروف في هذا المجال ان الجانبين السوري والعراقي بذلا محاولات عديدة من اجل توقيع اتفاق نهائي بين الدول الثلاث حول تقاسم مياه النهرين, وفي عام 1987 تم التوصل خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء التركي آنذاك توروجوت اوزال, الى توقيع بروتوكول اولي وافقت تركيا بموجبه على ضمان تدفق مياه نهر الفرات نحو الاراضي السورية بمعدل 500 متر مكعب في الثانية, والحقيقة هي ان هذا البروتوكول تعرض لاختراقات كثيرة من جانب تركيا التي اعلن المسئولون فيها اكثر من مرة ان البروتوكول المذكور هو اتفاق مؤقت وليس تعهدا ملزما, وقد زاد الوضع تعقيدا بعد ان بدأت تركيا في تنفيذ مشروع (غابة الاناضول) الذي يقضي باقامة (17) سدا على نهر الفرات و (4) سدود على نهر دجلة اضافة الى (19) محطة لتوليد الطاقة الكهربائية, وهو ما يهدد بحدوث انخفاض كبير في مستوى تدفق مياه نهري دجلة والفرات نحو الاراضي السورية والعراقية وتعطيل قسم هام من مشاريع الري والطاقة في البلدين اضافة الى اضرار بيئية اخرى يمكن ان تصيب الاراضي الزراعية فيهما بالملوحة والتلوث. واذا كان من الجائز القول هنا بان الخلاف على تقاسم مياه دجلة والفرات قد اسهم في ايقاظ مشاعر العداء الغافية التي تعمقت بين البلدين الجارين مع مرور السنين وتعاقب الاحداث التي دفعت بهما للسير عبر طرق متباعدة, فان مما لاشك فيه ان التطورات المتسارعة التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط خلال السنوات الماضية ساعدت بدورها على احداث جرح جديد في جسد العلاقات السورية ـ التركية المثقلة بهمومها القديمة والجديدة. وما نقصده هنا هو الاشارة الى التحالف العسكري الذي اقامته تركيا مع اسرائيل في اوائل عام 1996 والذي شعرت دمشق على الفور ان هدفه الاساسي يكمن في محاولة محاصرتها بين فكي كماشة من الجنوب والشمال وذلك كحلقة في مخطط عزلها والضغط عليها من اجل تطويع مواقفها ازاء تطورات عملية السلام التي انطلقت مسيرتها في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية. حزب العمال الكردستاني ورغم ان الحكومات التركية عمدت طوال العقدين الماضيين, الى تبرير سياساتها العدائية تجاه سوريا عبر اصرارها على تحميل العاصمة السورية مسئولية العمليات المسلحة التي قام بها حزب العمال الكردستاني في مناطق جنوب شرق الاناضول حيث كان الحزب ينادي باقامة دولة كردية مستقلة, فالواقع ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين الجانبين السوري والتركي في اعقاب الازمة العاصفة التي اوشكت ان تنفجر بين البلدين اواخر عام 1998, وما اعقب ذلك من تطورات على صعيد الازمة الكردية انتهت بتمكن الاجهزة التركية من القاء القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان بعد اختطافه من مقر السفارة اليونانية في كينيا, نقول انه بعد هذه التطورات كلها لم يعد من باب التجني ان يقال بأن الكرة اصبحت الآن داخل المرمى التركي بشأن رسم وجهة الآفاق المستقبلية لتطور العلاقات التركية ـ السورية بشكل خاص, والعلاقات التركية مع العالم العربي بشكل عام. واذا كان من المسلم به, وفق وجهة نظر هذه المداخلة, هو ان مفتاح اعادة تطبيع العلاقات التركية مع سوريا والعرب يكمن في موافقة الحكومة التركية على اعادة النظر في التحالف العسكري المريب الذي تقيمه مع اسرائىل, وعلى التخلي عن سياسة الابتزاز المائي التي مارستها الحكومات التركية خلال المرحلة السابقة كمدخل لتعزيز دورها ونفوذها ضمن النظام الاقليمي القائم في المنطقة, والموافقة بالتالي على بدء مفاوضات جادة من اجل التوصل الى اتفاق عادل حول تقاسم مصادر المياه المشتركة مع سوريا والعراق, فان في تقديرنا ان اقدام الحكومات التركية على اتخاذ خطوة جدية وجريئة في هذا الاتجاه سوف يساهم في فتح آفاق نوعية لمسيرة التطورات التي ينتظر ان تشهدها المنطقة على ابواب القرن الجديد وعلى خلفية المخاضات التي تعيشها منطقة الشرق الاوسط حاليا تمهيدا لبلورة نظامها الاقليمي الجديد. وان كان ثمة اشارة لابد من اثارتها هنا وهي ان اقدام الحكومة التركية على اختيار السير في مثل هذا الطريق لا يندرج في عداد القضايا التي تحتاج الى قرار بسيط, بل انه يرتبط بالتعقيدات المتشابكة التي يفرزها واقع التجاذبات الداخلية التي يشهدها المجتمع التركي منذ عدة سنوات وهو يبحث عن هويته التائهة بين تطلعات النخبة العلمانية التي لا تزال تلهث وراء سراب تأكيد الانتماء الغربي للبلد الذي قاد امبراطورية شرقية لاكثر من اربعة قرون, وبين التيارات المتنامية التي بدأت تجاهر بقناعتها بان مصالح البلاد باتت تقتضي تصالحها مع محيطها الشرقي وتاريخها الاسلامي, وهو مدخل يمكن ان يذهب بنا بعيدا عن موضوع هذه الندوة ولذلك نكتفي بالوقوف عند عناوينه العريضة فقط. كان آخر المتحدثين صاحب الملفات التركية يوسف الجهماني الذي قال ان تركيا ـ الى حد الآن والى ان يتم اعتراف سوريا باسرائيل في تسوية مقبلة ـ هي الجارة غير العربية الوحيدة لسوريا ولها الشريط الحدودي الاكبر معها والذي يقدر طوله بنحو 900 كيلومتر. وعقد الجهماني المقارنة التالية: السكان المساحة الناتج القومي ميزانية الدفاع تركيا 60 مليون 780 الف كيلومتر مربع 153 مليار دولار سنويا 5.7 مليارات دولار (1996) سوريا 14 مليون 186 الف كيلومتر مربع 30 مليار دولار في عام (1953) 1.8 مليار دولار (1996) واذا عدنا والحديث للجهماني الى وصف طبيعة العلاقات السورية ـ التركية, يجدر بنا ان نبدأ بعلاقات سوريا مع الدولة العثمانية, والتي حينها انحصرت بشكل من العلاقات كالتي تدور بين المستعمر والمستعمر, على الرغم من ان كلا الشعبين يدينان بديانة واحدة ـ الاسلام. ناهيك عن ان جزءا من الشعب المسلم في سوريا كان يعتبر الخلافة العثمانية, امتدادا للخلافتين العباسية والاموية, وهذا الجزء لم ير بالاتراك مستعمرين. قبل الأفول احتقنت العلاقات بين الشعب السوري وحكومة الاستانة, قبيل افول