تابع الالمان على مدى الشهور الخمسة الماضية وقائع سقوط (شجرة السنديان) وهو الاسم الذي اطلقوه على المستشار السابق هيلموت كول طيلة 16 عاما من اعتلائه كرسي المستشارية في بون, وكان السقوط المدوي لكول بسبب تلقي حزبه (المسيحي الديمقراطي)، تبرعات مالية ورشاوى من شركات المانية واجنبية لتمويل الانتخابات على مدى اكثر من 6 سنوات مضت, لقد انهار كول بالفعل فور تكشف انباء تلك الفضيحة وعرض لانتقادات عنيفة قضت على مستقبله كصانع للوحدة الالمانية واضرت بتاريخه وماضيه السياسي بصفته (بسمارك) المانيا الحديثة ورغم استقالة كول من الحزب ومن ثم استقالة فولنجانج شوبليه من منصب رئيس للحزب المسيحي الديمقراطي الا ان الحزب شهد عاصفته مدوية من الانتقادات التي برع الاشتراكيون في اطلاقها عبر وسائل الاعلام الالمانية. وفي مواجهة تلك الازمة ـ الفضيحة ـ بادرت قيادات الحزب الذي حكم المانيا لمدة 16 سنة متتالية في عهد كول وهي الفترة الاطول في تاريخ المانيا الحديث, بادرت الى انتخاب رئيس جديد للحزب وحدث ذلك في جلسة طارئة للحزب في العشرين من مارس 2000 حيث تم انتخاب انجيلا ميركيل زعيمة للحزب المسيحي الديمقراطي وهي ألمانية شرقية من ولاية برلين, انضمت لهذا الحزب بعد قيام الوحدة في عهد كول ثم تدرجت بسرعة بفضل اعجاب المستشار السابق بـ (شخصيتها الجذابة والقوية) الا انه لم يكن يدر ان هذه المرأة سوف تخلفه في زعامة الحزب لتكون بالتالي اول امرأة في المانيا تتولى احد اكبر الاحزاب السياسية في المانيا منذ الحرب العالمية الثانية. نهاية مستشار (شجاع) مثلما انتهى هيلموت كول من الحياة السياسية الالمانية يصر خصومه السياسيين على حرمانه من الحديث عن ماضيه السياسي, فالخلاف الذي احتدم حول الممارسات المالية لهيلموت كول والذي هز المانيا كلها منذ شهر ديسمبر 1999 قضى على الانجازات التي حققها المستشار السابق الذي كان يطلق عليه الالمان (شجرة السنديان) لقوته وصلابته, غير ان هيلموت كول انهار دفعة واحدة تحت وطأة الفضيحة المالية, وتعرض لانتقادات شرسة لانه يرفض ذكر الاسماء او المؤسسات التي سلمته مبالغ مالية للحزب المسيحي الديمقراطي, وكان كول قد اكد في مقابلة تلفزيونية يوم 16/12/1999 ان المتبرعين اشترطوا عدم ذكر اسمائهم تحت اي ظرف من الظروف ونتيجة لذلك هدد رئيس لجنة التحقيق (نويمان) الذي ينتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي باللجوء الى القضاء الجنائي بغية فرض سجن قسري على كول من اجل ارغامه على ذكر اسماء المتبرعين. ان الالمان لم يغفروا للمستشار السابق الذي تربع على كرسي المستشارية لمدة 16 عاما هذه السقطة الكبيرة, وتقول كارن بوتشر من مدينة (ماربورج) القريبة من فرانكفورت: الشعب لم يغفر لكول هذا الخطأ الكبير فنحن لم نتعود من قادتنا ممارسة الاختلاس والفشل وغسل الاموال, هذه ليست ممارسات الديمقراطية الالمانية . رشاوى واختلاسات يقول رئيس لجنة التحقيق في هذه الفضيحة انه تم كشف رشاوى دفعتها شركةEIF الفرنسية قيمتها 85 مليون مارك مقابل تسهيل شراء مصانع شركة (Leuna) الالمانية, في شرق المانيا, وقيل ان هذه الاموال حولت الى حساب خاص داخل الحزب المسيحي الديمقراطي, ومن الملفت للنظر هو اعلان موظفي مكتب المستشار كول السابقين فقدان وثائق وملفات هامة تتعلق بصفقة بيع مصانع (Leuna) الكيماوية في شرق المانيا وكان من المقرر وضع هذه الملفات والوثائق تحت تصرف لجنة التحقيق, ويؤكد المتحدث باسم مكتب المستشار الالماني شرويدر ان الوثائق الخاصة بمصانع (Leuna) ليست موجودة فعلا في الارشيف وان البحث مازال جاريا عنها وتفيد تقارير صحفية ان موظفي هيئة الائتمان الالمانية التي كانت مسئولة عن خصخصة القطاع الصناعي والاقتصادي في المانيا الشرقية سابقا تلقت رشاوى من الشركة الفرنسية (ELF) في اطار صفقة كبيرة حصلت الشركة الفرنسية بموجبها على مصانع كيمائية في شرق المانيا وذكرت الصحيفة (برليز مورجنبوست) التي تصدر في برلين, ان النائبة اجنس هيرلاند بونتج التي تنتمي الى الحزب المسيحي الديمقراطي والتي تقلدت منصب وكيل وزارة الدفاع في الفترة 1987 الى 1990 تلقت حوالي 8 ملايين مارك كرشوة من شركة (يتشن) العملاقة التي اعترفت بدفع هذا المبلغ في اطار مشروع مصانع (Leuna). وذكرت تقارير اخرى ان النيابة العامة في باريس طلبت مساعدة قانونية من الحكومة الالمانية في اطار التحريات بخصوص دفع مبلغ 75 مليون مارك كرشاوى لمسئولين المان من قبل شركة (ELF) الفرنسية, كما تبحث النيابة العامة السويسرية في الوقت الحالي عن بقاء 85 مليون مارك دخلت حسابات سويسرية في الاعوام الاخيرة. ويرى رئيس لجنة التحقيق الالمانية ان هناك صلة بين الحسابات البنكية السرية, وبين الصفقات المذكورة وان فتح حسابات بنكية سرية يهدف الى التمويه عن مصادر التبرعات المالية ولو كشف النقاب فعلا عن هذه المصادر لامكن التأكد مما اذا كانت هذه التبرعات مرتبطة بقرار سياسي محدد. مهمة التخلص من كول في اعقاب الفضيحة المالية المثيرة للمستشار الالماني السابق هيلموت كول تحرك عدد من كبار قادة الحزب المسيحي الديمقراطي الذي ترأسه كول لمدة 25 عاما, والحزب المسيحي الاجتماعي, الحزب الشقيق الاصغر, الحاكم في ولاية بافاريا للتخلص من هيلموت كول, وبالتالي من الاضرار التي الحقها بالحزب المسيحي الديمقراطي العمود الفقري للمعارضة السياسية ـ النيابية في المانيا, من خلال ارغامه على ذكر اسماء المتبرعين المجهولين ويرى بيتر ايرفاند احد اعضاء الحزب المسيحي الاجتماعي في ميونيخ في لقاء معه مؤخرا ان الحلقة الاخيرة من هذا المسلسل الدرامي دارت حول اعتراف رولاند كوخ, رئيس وزراء ولاية هسن, رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي في هذه الولاية بانه ادلى باقوال خاطئة بشأن الفضيحة اثناء التحقيقات في ملابسات هذه القضية خلال الاسابيع القليلة, الماضية, واضاف انه كان على علم بتزوير بعض الوثائق المتعلقة بقروض مالية مقدمة للحزب عن طريق امين الصندوق, وانه وافق على ذلك على مضض وطالب بتسديد هذه القروض باسرع وقت ممكن, واعتذر كوخ اثناء مؤتمر صحفي للادلاء باقوال خاطئة التي وصفها بأنها حماقة. وليست عملا جنائيا, واكد كوخ ان الحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية (هسن) استخدم مبالغ من الحسابا السرية في الخارج لتمويل الحملة الانتخابية التي فاز بها ومكنته من تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الديمقراطي الحر في الولاية. وفي اعقاب تلك الازمة هدد الحزب الديمقراطي الحر الشريك الاصغر في الائتلاف الحاكم في ولاية هسن بالخروج من الائتلاف اذا ثبت ان كوخ الذي ينتمي الى الحزب المسيحي الديمقراطي قد استخدم اموالا من حسابات سرية لتمويل الحملة الانتخابية والآن وبعد ثبوت ذلك من خلال اعترافات كوخ نفسه يرفض قادة الحزب الديمقراطي المسيحي الحر الخروج من الائتلاف ويرحبون بقيام كوخ بتصحيح اقواله وعقدت محكمة التدقيق في الانتخابات اجتماعا في 3/3/2000 للنظر في استخدام اموال غير شرعية في تمويل الحملة الانتخابية للحزب المسيحي الديمقراطي الا ان رئيس وزراء ولاية (هسن) كوخ حاول الخروج من هذه الازمة بالحصول على كبش فداء جديد وهو (مانفريد كانتر) وزير الداخلية الفيدرالي الالماني الاسبق الذي ينتمي للحزب نفسه والذي كان يبحث طيلة توليه منصب وزير الداخلية عن (اكباش فداء) مثل المطالبين باللجوء السياسي الى المانيا والذين كان يصفهم دائما بالمحتالين. من هو المحتال؟ لقد اشتهر كانتر في تلك الفترة بتقيده الشديد بالقوانين الخاصة بالامن والنظام الى درجة جعلت الكثير من خصومه السياسيين يتهمونه بالصرامة المفرطة, ودارت الايام ليكشف النقاب في اطار الفضيحة المالية التي هزت المانيا ان (كانتر) كان من بين مهندسي نظام مالي معقد يعتمد على تهريب الاموال وتبييضها منتهكا بذلك القوانين والاحكام التي كان يتظاهر بحرصه الشديد على احترامها وتطبيقها, واضطر كانتر لتقديم استقالته من عضويته السياسية في مجلس النواب الاتحادي, وما زالت النيابة تحقق في الدور الذي لعبه كانتر في هذه القضية في العقود الماضية بعد ان صادرت ملفات كثيرة من منزله ومكتبه. حدث شنيع يقول فولفجانج تيرزة رئيس مجلس النواب الاتحادي الالماني ان ممارسات هيلموت كول تشكل حدثا بارزا جدا في تاريخ المانيا الاتحادية, مستشار الماني سابق اعترف بخرق قانون الاحزاب,والقانون الاساسي بشكل منتظم لسنوات عديدة, هذا الاعتراف هو حدث شنيع, ولا يلقي هذا الحدث بظلال قاتمة على الاحزاب فحسب, بل يخلق جوا مليئا بالشكوك والاتهامات ضد السياسيين. وسئل عما اذا كان كول قد خرق القوانين, اجاب تيرزة, الوضع القانوني حول التبرعات التي اعترف بها كول واضح كالشمس, لان الامر يدور حول انتهاك مبدأ الشفافية المنصوص عليه في القانون الاساسي. وعن الفترة التي سيشملها التدقيق من حكم كول قال: يجب الاحتفاظ بالدفاتر والميزانيات لمدة عشر سنوات, وهذه المدة يجب التدقيق فيها كاملا, فالقانون الاساسي ينص صراحة على ان تتسم ممارسات الاحزاب وسلوكياتها بالشفافية المطلقة دائما, وبناء على ذلك لابد من توضيح جميع المخالفات القانونية حتى ولو حدثت منذ مدة طويلة, وعما اذا كان كول قد قدم حسابات مزورة منذ عام 1993 قال تيرزة: هذه هي النقطة الحاسمة, كما ان الاحزاب تفقد حقها في الحصول على مساعدات مالية من الدولة في حالة ارتكابها مثل هذه الجنايات كما سئل عما اذا كانت هناك حاجة الى اعادة النظر في نظام تمويل الاحزاب في ضوء تطورات فضيحة كول قال رئيس البرلمان الاتحادي الالماني ان خرق القانون لا يعني ان القانون هو المذنب بل المذنب هو من ارتكب هذا الخرق, ويبدو ان الاحزاب الاخرى تقيدت بالقوانين المعمول بها, واكد ان العقوبات صارمة جدا, لكن كول لن يتحمل المسئولية بل الحزب هو المسئول عن كل الاخطاء التي وقعت اثناء حكمه. وحول الآثار التي خلفتها فضيحة كول وحزبه على الثقافة السياسية في المانيا قال ان انتهاك هيلموت كول وغيره من المشاركين في هذه القضية القانون يعد انتهاكا صارخا, وهذه الممارسات تثير الحقد والكراهية ضد الاحزاب, وبالتالي ضد النظام الديمقراطي. تصفيات حزبية وقد اسفرت الانتخابات النيابية التي اجريت يوم 27/2/2000 في ولاية شليسفيج هو لشتاين شمال المانيا والتي يحكم فيها ائتلاف مكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر عن فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 43.1% من الاصوات فيما حصل الحزب المسيحي الديمقراطي على 35.6% والديمقراطي الحر 7.7% وحزب الخضر 6.2% وبلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 70.2% وتعتبر نسبة المشاركة في الاقتراع دليلا على ان الفضيحة المالية التي تورط فيها المستشار السابق كول وبالتالي الحزب المسيحي الديمقراطي لم تؤثر سلبا على موقف الناخب الالماني وتدفعه الى مقاطعة صندوق الانتخاب بينما الحزب الخاسر هو المسيحي الديمقراطي الذي تزعمه كول لمدة 20 عاما ولذلك يرى المحللون السياسيون ان نتائج هذه الانتخابات هي انتصار للديمقراطية الالمانية وترى رئيسة الوزراء في ولاية شليسفيح ـ هولشتاين (هايدي سيمونز) التي تنتمي الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي وهي المرأة الوحيدة التي تتقلد هذا المنصب في الولايات الالمانية, ترى ان نتائج الانتخابات في الولاية تعزز موقف المستشار شرويدر الذي يتنمي للحزب نفسه, وتضع حدا للهزائم التي مني بها هذا الحزب في الانتخابات السابقة منذ عام 1998, واعربت سيمونز عن ارتياحها لاحراز اعلى نسبة في الانتخابات تمكنها من البقاء في الحكم مع حزب الخضر, ورفضت استبداله بالحزب الديمقراطي الحر الذي يشكل القوة السياسية الثالثة في مجلس النواب التابع للولاية. ويعتقد العديد من قادة الحزب المسيحي الديمقراطي على الصعيد الاتحادي ان نتائج الانتخابات الاخيرة في الولاية المذكورة تثبت ان الحزب قد تجاوز نقطة الصفر التي وصل اليها اخيرا بسبب الفضيحة المالية ويشيرون الى ان الحزب المسيحي الديمقراطي كان من المتوقع ان يفوز في هذه الانتخابات لو لم تحدث الفضيحة المالية في المانيا. ولكن على مايبدو ان الحزب المسيحي الديمقراطي, ابتهج بخسارته في الولاية المذكورة لانها كانت اقل بكثير من المتوقع نظرا لما عاناه وما زال يعانيه الحزب بسبب الفضائح المالية على مستوى المانيا وكذلك فان هذا الوضع ينطبق على حزب الخضر الذي خسر نسبة اقل مما كان متوقعا في ظل حالة البلبلة السائدة بين جناحيه الاصولي والبراجماتي الذي يقوده وزير الخارجية الالماني يوشكافيشر المتهم بانه يتجاوز المبادىء الاساسية لحزب الخضر في سبيل الحكم, مما يهدد بفقدان الخضر هويتهم الحقيقية من حيث الدفاع عن اسس الحفاظ على نقاء البيئة وعدم الانصياع الى مصالح المؤسسات الصناعية الكبرى التي يضطر شرويدر الى مجاراتها في ميدان تقنية المحطات النووية. صراع وراء الكواليس وبعد ان نجح فولكر روهه رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية (شليسفيج ـ هولشتاين) في الحفاظ على تماسك الحزب وقوله, بانه حقق (معجزة متوسطة) على الرغم من الفضيحة المالية سعى الى تولي منصب رئيس الحزب على المستوى الاتحادي في مواجهة الامينة العامة للحزب انجيلا ميركل التي اعترفت بالجهود التي بذلها روهه اثناء الحملة الانتخابية في الولاية والتي ساهمت في اعادة الحياة مجددا للحزب المسيحي الديمقراطي. وظن روهه ان خبرته السابقة كوزير للدفاع وعضو قديم مخضرم قد تؤهله للفوز امام منافسته ميركيل الامينة العامة للحزب على منصب رئاسة الحزب في عموم المانيا. وحينما يقارن روهه نفسه كان يرى انه الاوفر حظا على اعتبار ان ميركيل وافدة من احدى مناطق المانيا الشرقية قبل الوحدة وهو صاحب توجهات يمينية بينما تتزعم ميركيل يسار الحزب وامام شخصية ميركيل القوية والمؤثرة فشلت الاستراتيجية التي اعدها كل من فولكر روهه وشتوبير رئيس حكومة ولاية بافاريا وميرتس الرئيس الجديد لكتلة CDU البرلمانية لمقاومة ترشيح ميركيل وفوزها بمنصب رئاسة الحزب وخاصة لانها تحظى بشعبية واسعة لدى اعضاء القيادة الحزبية, الامر الذي دعم موقف ميركيل هو انها بادرت بالوقوف امام المستشار السابق كول وكانت اول شخص انتقده من داخل الحزب على سوء التصرف الذي ادى الى الفضائح المالية فاكتسبت بذلك سمعة جيدة ومصداقية لدى قواعد الحزب.