في حديث شامل لـ (بيان الاربعاء) اكد خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة ثورة يوليو رئيس حزب التجمع المصري المعارض ان القرن الجديد سيشهد ظهور قوى عالمية جديدة وسيصبح العالم متعدد الاقطاب خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة. وقال محيي الدين ان حزبه ليس ضد السلام ولكنه ضد اختراق اسرائيل للشرق الاوسط. وكشف عن الكثير من الاسرار المتعلقة بثورة يوليو 1952 وعلاقته بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وقال ان عقد قمة عربية امر ضروري لعدة اسباب مشترطا الاعداد الجيد لها. * ماذا عن مشوار حياتك؟ ـ دخلت الكلية الحربية سنة 1938 وتخرجت في 7 سبتمبر 1940 وكان دخولي هذه الكلية ضد رغبة والدي الذي كان يريدني أن أكون مهندسا زراعيا, ولكني كنت مهووسا بالجيش والحربية واستقلال مصر, وأن أكون أحد أفراد جيش مصر الوطني ولكن عندما عشت النظام العسكري والطاعة العمياء داخل الكلية الحربية قررت أن أغير مجرى حياتي فنقلت نفسي الى ادارة التدريب الجامعي ثم طلبت من عميد كلية التجارة بجامعة القاهرة أن ألتحق بالكلية ودرست شعبة المحاسبة التي أضافت لي ثقافة اقتصادية الى جانب خبرتي العسكرية بالاضافة الى وجودي داخل الجامعة واطلاعي الواسع الذي جعل تفكيري يختلف الى حد ما عن تفكير باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة مما أثار الخلاف بيننا وخاصة حول قضية الديمقراطية. أيضا اكتسبت خبرة سياسية وتنظيمية كبيرة نتيجة رئاستي لحزب التجمع الذي يعد أول حزب يساري علني شرعي ولكن للحقيقة أقول ان أمام الحزب وقتا طويلا لكي يؤقلم نفسه داخل المجتمع لأن اليسار يواجه دائما بهجوم عليه و متهم بأن أفكاره مستوردة وأن أعضاءه غير مؤمنين بالله (سبحان الله) , ولقد دخلت هذه المعارك وحسمناها في حزب التجمع لوجود تيار ديني مستنير. * كيف كانت علاقتك بثورة يوليو قبل وبعد قيامها؟ ـ قبل الثورة كانت ذكرياتي مع زملائي (طيبة) حيث كنا نفكر سويا ونعمل معا من أجل الوصول للهدف الذي اتفقنا عليه, ألا وهو انقاذ الوطن من الاحتلال أما بعد الثورة فقد دب الخلاف بيننا, ولكن رغم الخلافات التي وقعت الا أنني أكن لهم جميعا كل الاحترام. عبد الناصر والسادات * هل كان الخلاف بينك وبين عبد الناصر تحديدا؟ * في البداية لم يكن بيننا خلاف, فلقد حاول عبد الناصر أن يلتزم بما اتفقنا عليه وهو العودة للحياة النيابية سريعا, لكنه اكتشف أن القوات المسلحة وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة ضد هذا الرأي, فاختلفت معهم وأيد موقفي محمد نجيب أيضا, وبدأت الأزمات تتصاعد منذ عام 1954 ولكن رغم هذا فان لثورة يوليو قيمتين أساسيتين و هما: أنها أكدت معنى الاستقلال الاقتصادي والسياسي لمصر وثانيهما: أنها استطاعت تحقيق العدالة الاجتماعية بين المصريين. * رغم خلافك مع عبد الناصر خاصة وأنه أقصاك عن الحكم, ورغم أن السادات أعاد لك مكانتك ومنحك ترخيص حزب فانك تؤيد عبد الناصر وتعارض السادات.. فلماذا؟ ـ أنا أؤيد عبد الناصر سياسيا, فلقد حقق لمصر الاستقلال السياسي والاقتصادي والعدل الاجتماعي بأبعاده المعروفة وكان خلافي معه ينحصر في قضية الديمقراطية فقط, كما أنني أعتبر موقفه الشخصي مني واقصائي عن الحكم قضية شخصية لا تهمني كثيرا, أما السادات فرغم اسناده لي منبر اليسار عندما أنشأ ما يسمى بالمنابر الا أنه كان يشن على اليسار وعلي أنا شخصيا حملات عنيفة جدا وكان يشهر بنا. عودة الاشتراكية * أين موقع الاشتراكية في ظل النظام العالمي الجديد؟ ـ الاشترا كية قد تكون انهزمت أمام الرأسمالية لكن هذا لا يعني أن المعركة قد انتهت, فالاشتراكية ستعود ولكن بصورة أخرى لأن الرأسمالية ليست قادرة على حل مشاكل العالم, فالفقر يتزايد والبطالة أيضا تتزايد وسيبحث الناس عن طرق أخرى لحل مشاكلهم وليس معنى عدم نجاح التجربة الأولى للاشتراكية أنها ستنهزم في المرة القادمة.. بشرط أن تطور نفسها وفقا للظروف العالمية الجديدة. * هل تتوقع ظهور اقطاب جدد على الساحة العالمية؟ ـ بالتأكيد, فهناك قوى مثل أوروبا الموحدة واليابان والصين واحتمال أن تعود روسيا اذا ما حسنت اقتصادها واستعادت مكا نتها وسوف يصبح العالم متعدد الأقطاب خلال الخمس عشرة سنة المقبلة. * وما الوسائل التي يمكن للفكر الاشتراكي من خلالها أن يطور نفسه؟ ـ لابد له من تحقيق الديمقراطية الكاملة, وتحقيق مستوى حياة أفضل للمواطنين, فاذا لم يستطع أن يحقق هذه المعادلة فسوف ينهزم ثانيا. * هل يعود تراجع حزب التجمع في التسعينيات لانهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط النظرية الاشتراكية؟ ـ من قال اننا تراجعنا في التسعينيات! نحن لم نتراجع ولكن المهمة أصبحت أكثر صعوبة والمنافسة مع النظام الرأسمالي جعلتنا نعيد النظر في أمور كثيرة ووضعنا برنامجا جديدا تحت اسم ( مجتمع المشاركة الشعبية) وهو مرحلة بناء طويلة للوصول الى الاشتراكية. * برز اتجاه قوي في حزب التجمع في الفترة الأخيرة لاستبعاد كلمة الاشتراكية من وثائق الحزب وكانت هناك مواجهة عنيفة في المؤتمر الأخير بين أعضائه فهل يعني ذلك أن الحزب في طريقه الى تغيير منهجه؟ ـ لقد كانت هناك آراء كثيرة وأفكار مختلفة طرحناها في المؤتمر الأخير ولكن العبرة بالنتيجة النهائية, فلقد انتهينا الى أن الاشتراكية هي الهدف النهائي وان كنا لم نحدد شكل المجتمع الاشتراكي حتى الآن, لأنه لا توجد لدينا الا التجربة السوفييتية وتجربة عبد الناصر وكان علينا أن نفكر في الظروف والمتغيرات العالمية والمحلية. دماء جديدة * أنتم تطالبون النظام الحاكم دائما بالتغيير في حين أنكم لا تقومون بأي تغيير في حزبكم ولا الأحزاب الأخرى كما لا يوجد صف ثان بأي حزب.. فما ردك؟ ـ لقد حدث تغيير كبير بالأمانة العامة لحزب التجمع في الانتخابات الأخيرة وصل الى حوالي 55% من الأعضاء, كما انخفض المستوى العمري عندنا لدرجة كبيرة بالأمانة العامة والمركزية, و دخل بهما عدد لا بأس به من الشباب. * أتعني أن هناك فرصة لصف ثان في حزبكم؟ ـ بالتأكيد, وحسب لائحة الحزب لن أستطيع ترشيح نفسي كرئيس للحزب في المؤتمر الحزبي المقبل, ولا أعتقد أن هناك حزبا آخر في مصر لديه لائحة تنص على مثل هذا. * هناك اتهام موجه اليكم كحزب, بالاضافة لباقي الأحزاب الأخرى وهو عدم وجود ديمقراطية داخل أحزابكم فما رأيك؟ ـ حزب التجمع يتمتع بديمقراطية كاملة, لأن كل كوادره وقياداته بالانتخاب, قد تكون هناك ترتيبات للانتخابات لكن هذا أمر موجود في كل الأحزاب, غير أن مشكلتنا الحقيقية هي أننا محاصرون ولا يمكننا الخروج من مقارنا مما يحجم النشاط السياسي للأحزاب. * ما معنى أسلوب المشاركة الشعبية الذي طرحتموه في المؤتمر العام الأخير لحزب التجمع؟ ـالمشاركة الشعبية تعني الديمقراطية في جميع نواحي الحياة, ليس فقط في الانتخابات البرلمانية كل في النقابات والجامعات والمدارس فلابد أن يكون لكل انسان رأي ويشارك في الاصلاح, وبرنامجنا الجديد لحزب التجمع ينادي ببناء (مجتمع المشاركة الشعبية) فنحن نريد أن يشارك الشعب في كل شيء وهذه قضية كبيرة تحتاج لعمل طويل. المعارضة المستأنسة * رغم وجود لجنة تنسيق بين الأحزاب الا أنه توجد قضايا حولها خلاف بين هذه الأحزاب.. بم تفسر ذلك؟ ـ نحن متفقون على التنسيق من أجل الاصلاح السياسي والديمقراطي, وفيما عدا ذلك توجد خلافات حول تعبير (المجتمع الاشتراكي الديمقراطي) ودور القطاع العام في المجتمع.. الخ.. لكننا اتفقنا على ألا نطرح القضايا الخلافية في هذه المرحلة وأن تكون هناك حدود للاتفاق حول قضايا معينة. * المعارضة المصرية متهمة بأنها أصبحت مستأنسة حاليا بعدما كانت متشددة في عهد الرئيس السادات, فما رأيك؟ ـ هذا غير صحيح فنحن ننتقد الحكومة الحالية ونرفض ما يتعارض مع رؤيتنا في حلها لكثير من المشاكل ونعبر عن هذه المواقف في مجلس الشعب علنا, ولكن يبدو أن الناس تريد من الأحزاب أن تقوم هي وحدها بالتغيير دون مساندة الجماهير لها, وهذا أمر مستحيل, فالتغيير في أي مجتمع مسئولية الجماهير وليس الأحزاب وحدها. * عارضتم اتفاقية كامب ديفيد بشدة ثم وافقتم على مؤتمر مدريد ونتائجه واتفاقية وادي عربة في الأردن مع اسرائيل, هل هذا يرجع لموقفكم الشخصي من أنور السادات أم أن هناك أسبابا أخرى؟ ـ أولا نحن لم نوافق على اتفاق وادي عربة, وأصدرنا بيانا لم نعارض فيه مدريد و لكن كان لنا تحفظات على الاتفاق, ومعارضتنا لكامب ديفيد كانت بسبب انفراد السادات بالحل مع اسرائيل, لكننا لسنا ضد الحل السلمي الذي يحقق السلام الشامل والعادل, ولقد أيدنا اتفاق أوسلو واعتبرناه خطوة مهمة لاعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وعودة غزة وأريحا للفلسطينيين. * عاصرت خمسة عهود مختلفة, العصر الملكي, محمد نجيب, جمال عبد الناصر, السادات, وحاليا الرئيس حسني مبارك, فما الفرق بين قادة هذه العهود في رأيك؟ ـ كل زمن له رجاله وظروفه, فأيام الملكية كان الملك يملك ويحكم, له نفوذ على القوات المسلحة ويمكنه فرض رأيه على الناس, وعندما قمنا بالثورة اتفقنا على أن نلغي هذه المزايا وأن تصبح القوات المسلحة ملكا للوطن والشعب. وعندما جاء محمد نجيب كان شخصية جماهيرية محبوبة, لكنه حكم لفترة قصيرة نتيجة تصادمه مع الضباط الأحرار, لكن عبد الناصر استطاع أن يتمكن من الحكم وأن يأخذ فرصته كاملة, وعاش عصر عدم الانحياز, وكان أحد قادة مؤتمر باندونج, وكسر احتكار بيع السلاح لمصر من قبل أمريكا وانجلترا, حيث اشترى السلاح من الاتحاد السوفييتي سابقا وقام بتأميم قناة السويس, وقد استطاع عبد الناصر أن يحقق أحلام وآمال الجماهير المصرية والعربية, وعمل على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي الى أن حدثت نكسة يونيو 1967 فكانت كبوته الكبرى التي لا نزال نعاني منها حتى الآن. أما السادات فكان صاحب قرارات كبرى, كالتعددية الحزبية, وان كانت وقتها شكلية, وقرار العبور, وذهابه الى اسرائيل وخطابه في الكنيست رغم اعلان مناحم بيجين وقتها أنه لا عودة لحدود 1967 ولا لدولة فلسطينية بين الأردن واسرائيل, وكانت بالاتفاقية قيود كثيرة نحن نعترض عليها, وكما قلت نحن لسنا ضد السلام ولكن ضد شروطه. أما الرئيس مبارك فقد ورث الأوضاع السابقة كلها, ونحن نحترم فيه أنه لا يغامر بالمصالح القومية العليا للوطن وأيضا لا يدخل في صراعات مع القوى الكبرى, وهذه أهم ميزاته, كما أنه يبذل جهدا كبيرا لحل المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الوطن. القمة العربية * يدور الحديث كثيرا الآن حول احتمالات عقد قمة عربية, فهل تتوقع عقدها.. وما أهميتها؟ ـ القمة العربية ضرورة, والاعداد الجيد لها هو الأهم كي تنجح, فلابد من تنسيق المواقف العربية جيدا وتوحيدها وأعتقد أنه رغم التفوق العسكري الاسرائيلي والعلمي, الا أن العرب بأيديهم أوراق مهمة يجب أن يستغلوها جيدا. * وماذا عن موقفكم من قضية السلام في الشرق الأوسط واتفاقية أوسلو؟ ـ لقد وافق حزب التجمع على اتفاقية أوسلو مع بعض التحفظات التي تقف ضد الاختراق الاسرائيلي للشرق الأوسط, ونحن ننطلق من أن القرار الخاص بفلسطين يخص القيادة والشعب الفلسطيني فهم أعلم بظروفهم, ونحن لسنا ضد حل القضية الفلسطينية على مراحل, ولكننا نريد حلاً سياسيا يمكن الأجيال القادمة من استكمال المسيرة وامكانية تغيير الأوضاع التي لا نقبلها. * ماذا يمثل القلم في حياة السياسي والكاتب خالد محيي الدين؟ ـ السياسي لا يستطيع الاستغناء عن القلم لأنه بحاجة للكتابة دائما, فالكتابة جزء هام في حياته, وهي مرتبطة بالاطلاع المستمر, وأنا شخصيا مهتم بالا طلاع على أدبيات الأحزاب الأخرى, ومواقف الحكومة وبياناتها, بالاضافة لممارسة الحياة السياسية التي تعلمنا الكثير والتي يجد فيها القلم مادة خصبة للكتابة التي تهم الناس. * خلال مشوار حياتك الطويل, عاصرت أسماء لامعة في سماء الصحافة مثل محمد حسنين هيكل, على ومصطفى أمين, موسى صبري, وغيرهم, ماذا عن ذكرياتك مع هذه الأسماء؟ ـ هناك صحفي أهم عندي من هذه الأسماء وهو محمد عبد القادر حمزة ابن صاحب جريدة البلاغ, فهو الذي علمني الصحافة من (الألف الى الياء) عندما التحقت بجريدة (المساء) ولم تكن لدي خبرة صحفية مسبقة ولذلك فأنا مدين له بالكثير. أما محمد حسنين هيكل فقد كان صديقا لكل أعضاء مجلس قيادة الثورة وصديقا شخصيا لي ولعبد الناصر, ولكني اختلفت معه لفترة عندما كنت (أمين الصحافة) عام 1946 وكان المفروض أن أعرف كل المعلومات الرئيسية عن نظام الحكم ولكن الواقع كان غير ذلك, هذا ما دفعني لترك هذا الموقع, ولكن علاقتي الشخصية بهيكل ظلت جيدة حتى الآن, فهو صديق بالاضافة الى انه كفاءة صحفية نادرة وكاتب متميز. أما علي ومصطفى أمين فلم أحتك بهما كثيرا, ولكن موسى صبري تعاملت معه عندما رأست (أخبار اليوم) لمدة عامين وكانت علاقتنا جيدة رغم أنه لم يتوقف عن اتهامي بأنني شيوعي.