سيناريو أقرب إلى وقائع معركة يفرض نفسه في موسكو ، رجال يلتسين في المخابرات يبلغونه بتفاصيل خطة اجتياح البيت الأبيض من فوق دبابته بدأ يلتسين يلقي خطابه أمام المواطنين الروس المتجمهرين حوله, حيث قال: (إن الرئيس الشرعي المنتخب للبلاد, ميخائيل جورباتشوف, قد أطيح به ليلة التاسع عشر من أغسطس. وأيا كانت الأسباب التي أعطيت لتبرير عزله, فنحن أمام انقلاب يميني, رجعي, لا دستوري. ... إني أعلن ما سمي باللجنة هيئة غير شرعية, وبالتالي فإن كل القرارات والأوامر التي أصدرتها هي قرارات لا شرعية أيضا... نحن ندعو المواطنين الروس لاعطاء منظمي الانقلاب الرد المناسب والمطالبة بعودة البلاد للحياة الديمقراطية الدستورية. ... نحن واثقون تماما من ان مواطنينا لن يسمحوا بتأسيس دولة العشوائية واللاقانون على يد الانقلابيين الذين فقدوا الحياء والضمير. وندعو العسكريين إلى عدم المشاركة في هذا الانقلاب الرجعي, وإلى حين تنفيذ مطالبنا فإننا ندعو للإضراب) . حرب المراسيم أنهى يلتسين خطابه, وعاد إلى مكتبه ليصدر فورا أول مرسومين رئاسيين من أصل عشرات من المراسيم, التي أصدرها على مدى الساعات الاثنتين والسبعين اللاحقة. في المرسوم الأول وصف الانقلاب بأنه (جريمة ضد الدولة) , وبالتالي طالب كل السلطات الروسية بعدم تنفيذ أوامر حكومة الطوارئ على الأراضي الروسية, باعتبارها أوامر غير شرعية. وهدد بمعاقبة كل من ينفذونها, وفق القانون الجنائي للاتحاد الروسي. وفي المرسوم الثاني وضع كل (فروع السلطة التنفيذية) للاتحاد السوفييتي.. داخل الأراضي الروسية) تحت (سلطته المباشرة) حتى التمكن من عقد جلسة طارئة لمجلس نواب الشعب. وتتضمن هذه (الفروع) وزارتي الدفاع والداخلية, اضافة إلى جهاز (كي جي بي) . وبهذا دخل بوريس يلتسين في سجال مع لجنة الطوارئ لكسب العامة, وذلك السجال الذي كان معركة حامية قوامها تبادل المناشدات والمراسيم حتى آخر لحظة. كانت مراسيم اللجنة تطبع في الصحف المرخص لها, وتقرأ على موجات الاذاعة والتلفزيون الرسميين. أما مراسيم يلتسين فكانت ترمى بمئات النسخ من نوافذ وشرفات البيت الأبيض للروس المحتشدين حوله الذين وصل عددهم إلى ما يتراوح بين 70 ألف شخص و100 ألف شخص. ومع كل رزمة من المراسيم تلقى إليهم, كان هؤلاء يصرخون: (المزيد! المزيد!) . وما أن يحصل المتجمهرون حول البيت الأبيض على مراسيم يلتسين المنسوخة بالتصوير أو يدويا, حتى يسارعوا إلى لصقها على أعمدة الانارة في الشوارع وعلى أبواب عربات المترو أو على جدرانها الداخلية, وتبث من الاذاعات السرية, وتطبع في الصحف المحظورة, لتنتشر في موسكو انتشار النار في الهشيم. ومع كل خطوة للجنة الطوارئ, كان يلتسين يصعد السجال بخطوة مواجهة من عيار أثقل, متبنيا تكتيكا سياسيا يعتمد مواجهة التحدي بالتحدي, والضغط بالضغط, والقوة بالقوة. وفي الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم, عقدت لجنة الطوارئ مؤتمرا صحافيا في وزارة الخارجية بثته على الهواء مباشرة. وفي الساعة الخامسة والنصف بثت الاذاعة قرارا لياناييف يعلن فيه الأحكام العسكرية في موسكو وتعيين جنرال من الجيش حاكما عسكريا لها. كما حذرت اللجنة في رد على مناشدة يلتسين القيادة الروسية من محاولة التحريض على (أعمال غير قانونية) وألمحت بقوة إلى امتلاكها الوسائل والتصميم على تنفيذ قراراتها. وجاء رد يلتسين الساعة الخامسة والثلث بتوقيعه بيانا للجنود الروس ثم وجه خطابا لسكان موسكو في الساعة السابعة يناشدهم عدم الاعتراف بسلطة اللجنة والدفاع عن (سلطتهم المنتخبة) في البيت الأبيض وأن يشرحوا للجنود الطبيعة غير الدستورية لقرارات الانقلابيين. ثم وجه رده الأقوى على تهديد اللجنة باستخدام القوة, وذلك بتوقيعه لمرسوم الساعة العاشرة والنصف وهو (المرسوم رقم 63) الذي يتهم فيه أعضاءها, ويعددهم بالاسم والوظيفة الرسمية, بارتكابهم (أشنع الجرائم ضد الدولة) بموجب خمس مواد من مواد القانون الجنائي, ويصفهم بـ (الخارجين على القانون) . وباسم (الشعب الذي انتخبه) وعد يلتسين (بالدفاع القانوني والمعنوي) عن أولئك الذين يرفضون أوامرهم. على هذا النحو يصف المؤلف ليون آرون تفاصيل اليوم الأول للانقلاب في موسكو والمواجهة التي احتدمت بين يلتسين وحكومة الطوارئ لحظة بلحظة وساعة بساعة. وفي اليوم التالي أعلن يلتسين نفسه قائدا عاما للقوات المسلحة السوفييتية داخل الأراضي الروسية حتى (العودة التامة لنشاطات المؤسسات الدستورية) واطلاق سراح رئيس الاتحاد السوفييتي, ثم أمر القوات بالعودة أو البقاء في ثكناتها وعدم تنفيذ أوامر الجنرال يازوف. وعاد يلتسين لاحقا ليأمر بفصل الحاكمين العسكريين, اللذين عينتهما اللجنة لموسكو ولينينجراد. وبعد ظهيرة يوم 20 أغسطس رفع نائب الرئيس الروسي الكسندر روتسكوي ورئيس مجلس السوفييت الأعلى رسلان حسب اللاتوف قائمة إلى لوكيانوف تتضمن (اجراءات يجب اتخاذها فورا) ومن بينها رفع كل القيود المفروضة على وسائل الاعلام وسحب القوات من موسكو وحل لجنة الطوارئ وايقاف التهديدات ضد القيادة الروسية واطلاق سراح الرئيس جورباتشوف. كما طلب يلتسين من لوكي نوف تنظيم اجتماع بين القيادة الروسية وجورباتشوف, وأن تقوم لجنة طبية من منظمة الصحة العالمية بفحص جورباتشوف والسماح بعودته إلى مكتبه الرئاسي, فورا إذا ما ثبت انه لائق صحيا لذلك. وحينما نجح رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور في تأمين اتصال هاتفي مع يلتسين, كان جميع الموجودين في البيت الأبيض يعتقدون أن الهجوم عليهم أصبح وشيكا. وأخبر يلتسين ميجور بأن الدبابات تتحرك باتجاه المبنى, وكانت أولى مطالبه أن يضغط الغرب لتحقيق افراج فوري عن جورباتشوف. وعد بالحرية أنهى يلتسين مكالمته مع ميجور ليصدر بيانا عاما من البيت الأبيض المحاصر, يناشد فيه الجنود, ويعدد فيه التهم ضد أعضاء لجنة الطوارئ, وهي التهم التي تضمنت (خيانة الدولة) و(انتهاك القانون) ووصفهم (بمجموعة من المتهورين) وذكر يلتسين الجنود في بيانه بالحجج التي استخدمها قبل ذلك بسبعة أشهر لاقناع القوات الروسية بعدم اطلاق النار على مواطني استونيا وليتوانيا ولاتفيا, حينها قال لهم: تذكروا قسمكم, ولا توجهوا أسلحتكم نحو شعبكم, نحو أحبائكم, لا تلوثوا شرف السلاح الروسي ومجده بدم الناس) . لكن الفكرة المحورية في خطابه ذاك لم تكن خرق القانون, بل كانت روحا لم يكن الروس قد اعتادوها من قبل, إنها الحرية قال يلتسين مخاطبا الجند: (إن النظام الذي يعد به من نصبوا أنفسهم مخلصين لروسيا الوطن سيتحول إلى مأساة, إلى قهر ومعسكرات موت واعتقالات في منتصف الليل... بمقدور المرء أن يصنع عرشا من الحراب, لكنه لن يتمكن من الجلوس عليه طويلا. لن تكون هناك عودة للماضي... إن غيوم الرعب والطغيان تتجمع فوق روسيا... لكنها لن تتحول ظلاما سرمديا... إن شعبنا الذي عانى طويلا سيستعيد حريته. هذه المرة. وللأبد) . في قلب موسكو أخذ المتظاهرون يهاجمون الحافلات ليستولوا عليها ويسدوا بها الشوارع الرئيسية المؤدية للساحات العامة. كما أوقف سائقو الشاحنات عرباتهم بجانب الحافلات لتعزيز الحواجز. وسرعان ما وجد أعضاء أطقم الدبابات أنفسهم محاطين بالحشود التي طلبت منهم تفسير معنى وجود دباباتهم في موسكو ورجتهم عدم اطلاق النار. أما الدبابات والمدرعات الأخرى التي كانت لا تزال تتحرك حتى منتصف يوم 19 أغسطس فكانت القضبان الفولاذية التي راكمها المتظاهرون تعترض طريقها, فيما وقفت أمامها حشود الناس الغاضبة. معظم الدبابات توقفت وبعضها عادت أدراجها, تتبعها صيحات النصر من حناجر المتظاهرين. ومع ان بعض الدبابات حاولت اختراق الصفوف, إلا انها لم تستطع تفريق جموع المحتشدين ولا حتى باطلاق قذائفها. في البيت الأبيض في اليوم الثاني والحاسم للانقلاب, اشتدت حدة التظاهرات حول البيت الأبيض. وكان من المقرر أن يلقي يلتسين خطابا من الشرفة بعد الظهر, إلا انه أجله حتى الساعة الثالثة خوفا من القناصين, وفعلا ظهر على الشرفة, أخيرا, يحيط به حراسه الذين يحملون دروعا واقية من الرصاص. وفجأة أثناء القائه خطابه قفز أحد المتظاهرين المسلحين أمامه ليشير بيده إلى ما قال بأنه قناص رآه على الطابق العلوي من مبنى مجاور. اختصر يلتسين خطابه, وأقسم على البقاء في البيت الأبيض ما دام ذلك ضروريا لمقاومة اللجنة ومحاكمتها أمام العدالة, ثم طلب من الناس أن يبقوا هادئين, وأن يتجنبوا استفزاز الجيش. دخل يلتسين المبنى ليبدأ سيل من الشخصيات المعروفة بالقاء خطبهم واحدا تلو الآخر, وكان من بينهم نواب برلمانيون ووزير الخارجية السوفييتي السابق ادوارد شيفرنادزه, الذي حذر من الديكتاتورية, تلاه ناشطون ديمقراطيون وكتاب مشهورون وموسيقيون وسينمائيون, ثم أتى دور الشاعر الروسي يفجيني يفتوشينكو, الذي ألقى قصيدة ألهبت مشاعر المتجمهرين دعا فيها للدفاع عن الحرية, وصعد للشرفة بعده نجم الكوميديا الروسي جينادي خازانوف الذي أخذ يقلد ساخرا ياناييف في مؤتمره الصحافي جاعلا منه أضحوكة لحوالي 100 ألف من البشر. أما أكثر المتحدثين أهمية بالنسبة ليلتسين فكان الفنان المنشق مستيسلاف روستروبوفيتش, الذي كان قد عاد بآلاف المنشقين الروس اللاجئين في الغرب إلى موسكو, وعلى شرفة البيت الأبيض قال انه يريد أن ينضم للمدافعين عن السلطة الشرعية, وطلب الحصول على بندقية كلاشينكوف. كان خطابه مع ذلك الأقصر على الاطلاق. وكل ما قاله للحشود هو (أنا أحبكم, أنا فخور بكم) . ويتذكر يلتسين لاحقا هذه الساعات ليقول ان حضور روستروبوفيتش كان هبة لا تقييم بثمن, فقد كان يتمتع بسحر خاص وحضور غريب مميز. لكن الدبابات والجند عادوا للتحرك نحو البيت الأبيض, وأذاع راديو موسكو في 20 أغسطس بيانا للحاكم العسكري لموسكو جنرال نيكولاي كالسينين يفرض بموجبه حظر التجول في موسكو من الحادية عشر ليلا وحتى التاسعة صباحا. ولم يكن لذلك إلا تفسيرا واحدا بين الجموع, وهو ان الجيش يستعد لاجتياح البيت الأبيض, وان اللجنة تحاول أن تخيف المتظاهرين الذين أخذوا بالاستعداد لقضاء ليلتهم حول المبنى. وفعلا وصلت يلتسين تحذيرات من ان الجيش سيهاجم البيت الأبيض من قبل أعوانه السريين داخل جهاز الـ (كي جي بي) . ولهذا وزعت أقنعة الغاز على الموجودين داخل المبنى, كما أمرت النسوة بالانصراف. وحصل يلتسين لاحقا على تفاصيل الخطة التي وضعت للهجوم على المبنى, حيث ستقوم آليات خاصة بفتح ممر خلال المتاريس, ثم تبدأ ثلاث فصائل من الدبابات باصابة المدافعين عن المبنى بصدمة من الذعر عبر فتح نيران خلبية من مدافعها. وحينما تقوم الوحدات الخاصة بمكافحة الشغب المعروفة باسم (أومون) بشق طريقها بين الحشود, فيما يبدأ جنود العمليات الخاصة من لواء (ألفا) بالهجوم على المبنى بقذائف الآر بي جي لتدمير البوابات وشق طريقهم عنوة نحو مكتب يلتسين في الطابق الخامس. وفي غضون ذلك تقوم مروحية في الأعلى بتأمين الدعم الناري للهجوم برصاص مدافعها الرشاشة. ونتيجة لتخوفه من مثل هذا السيناريو, الذي قد ينتهي باعتقاله, أو حتى مقتله, أرسل يلتسين إلى مدينة سفرولوفوسك مجموعة من المسئولين الروس على رأسهم النائب الأول لرئيس الوزراء أوليج لوبوف لادارة الاقتصاد الروسي وضمان استمرار البنية الإدارية للدولة. كما أرسل وزير خارجيته أندريه كوزيريف إلى باريس ليعلن قيام حكومة روسية في المنفى, إذا كان ذلك ضروريا. حصن الموجودون داخل المبنى غرفة الاستقبال في مكتب يلتسين الرئاسي بالخزائن والمقاعد والطاولات. وحينما كان يحتاج لأخذ غفوة, كان الحراس المسلحون بالكلاشينكوف يقفون أمام باب مكتبه, فيما يذهب هو لينام في إحدى الغرف الصغيرة في مكان آخر, والتي لا يعرفها إلا القلائل في محاولة للتمويه. وقد قضى يلتسين ليلته الأولى في غرفة طبيب البرلمان الذي تشرف نوافذها على ردهة داخلية لا يحتلها الجند, وبذلك يقل خطر اصابته برصاصة أو شظية في حال حدوث هجوم. وفي تلك الليلة أتى رئيس الوزراء الروسي, إيفان سالييف, إلى يلتسين وقال له: (اعذرني يا بوريس, أنا سأذهب إلى البيت. أريد قضاء الليلة مع عائلتي) . حينها أدرك يلتسين انه يريد القول: (لا معنى للمقاومة فالهزيمة حتمية) .