أدمن اللبنانيون على الموت, فباتت زوايا الوفيات في وسائل الاعلام تتوسع يوميا بشكل كان اقل بكثير حتى خلال سنوات الحرب والقتل والتدمير والتي ازهقت طوال 17 سنة ما يقارب المئة الف شخص حسب احصاءات متداولة, لكنها غير نهائية ولا رسمية. لكنه بات للموت في السلم (نكهة) اخرى اكثر ايلاما, واشد بأسا للظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية القاسية التي تدفع ببعض من اصحابها على اصعب الخيارات الانتحار. سجلت التقارير الأمنية خلال السنوات العشر الاخيرة (وهي عمر السلم الاهلي ما بعد الحرب), ارتفاعا ملحوظا في اعداد المنتحرين, وكشفت ان هذا الخيار العدمي بقتل الذات من صاحبها يتسع انتشارا في صفوف جيل الشباب, وحتى المراهقين والمراهقات, اي في شريحة الفئة التي يفترض انها ما تزال دون الاصابة باحباطات الفقر والعوز, باستثناء تلك المتعلقة باحلام تتطاير, وطموح يتناثر. (ممازحة) الموت في هذه الحالة يصبح تجريب اي شيء صعب عاديا, حتى ولو كان الموت نفسه, وحتى لو كان الممازح الصغيرة مريم (11 سنة) ابنة عبدالله وزهرة من بلدة الغازية في جنوب لبنان. سئمت مريم من اللعب مع اولاد الجيران, اصابها ملل تكرار المكان نفسه, وأساليب اللهو ذاتها, فبدأت تفتش عما هو اكثر جاذبية, من دون ان تدرك اي مصير سيجعلها تحت الارض الجاذبة, في بطن ترابها. يقول والدها: بدأت رحلتها مع الموت, عندما كنا نشاهد فيلما للفنان فؤاد المهندس عبر شاشة التلفزيون وكان المشهد محاولة شنقه لحماته (والدة زوجته) سألته مريم هل ستموت يا بابا؟ فأجبتها: ابدا انه مجرد تمثيل يا مريم) . لكن الطفلة البريئة لم تدرك ما معنى عبارة (كله تمثيل بتمثيل) . فاستحضرت مشهد التلفزيون من اوله: زنار, كرسي, اسندت اليه كتابا عقدت طرفي الزنار اعلى الباب بعد ان احكمت ربطه حول عنقها, ودفعت بقدمها الكتاب من تحت الكرسي, لتتحول الى جثة معلقة دون نبض. شهيد الروك وفي طرابلس سجلت حادثتا انتحار لشابين انما لاسباب ودوافع مختلفة, منها ماهو عبثي حيث اقدم سومر غسان فوزي مرعي 16 عاما على رمي نفسه من طابق البناية التي يسكن فيها, وافيد وفق شهادة صديق كان يزوره قبل ذلك بقليل ويدعى طارق شحادة نصر الدين 18 عاما, انه اقدم على الانتحار متأثرا بالمطرب الاجنبي توبال المقتول عام 1996, وبموسيقى الروك اندرول والهارد روك. كتب للرئيس وانتحر اما الحادثة الثانية فتجسدت في اقدام الشاب عبدالله شاهين 31 عاما على الانتحار بعد ان كتب رسالة الى رئيس الجمهورية إميل لحود بثها حالات الوجع والقلق الذي يواجهه جيله الشاب. كان عبدالله او (عبودي) كما تلقبه والدته رشيدة: عاطفيا فوق الوصف, وكان راتبه 340 الف ليرة لبنانية ما يعادل 225 دولارا امريكيا بالكاد يكفي مصاريف طعامه واقساط جامعية لاخوته, زوجي يعمل في طلي الجدران في المنازل, وابنتي موظفة ايضا, كان كلهم يتعاونون على تلك المصاريف, كان (عبودي) نظيف الكف في الدائرة العقارية حيث يعمل, يسهل معاملات المواطنين ويرفض تقاضي اي رشوى, ما استغربه انني لم اسمعه يوما يتذمر بشكل جدي من اية مدفوعات يلتزم فيها حيال البيت كان يردد انه مبسوط لانه يعمل, رغم راتبه الضئيل, وحجته انه يعمل في حين ان شبانا كثيرين لايجدون عملا. شبيبة اليأس اذن, لماذا انتحر (عبودي) وهو الذي يتمتع بكل تلك الخصائص والفضائل والروح الرضية؟ لعل الجواب الوحيد ضمنه رسالته الى الرئيس لحود حيث شكواه من الفساد واليأس والعجز عن بناء المستقبل, ولا حتى عن تأسيس اسرة, يقول في رسالته بالحرف: انا الموقع ادناه عبدالله شاهين. إني أقر وأعترف بأنني انا من قتلت نفسي. انني سئمت هذه الحياة ولا ارى معنى لها, ولا مستقبل للشبيبة فيها, فقد قاموا بتدمير حياتنا لقاء بناء قصورهم وعظمتهم ولم يهتموا ابدا لوضعنا ومستقبلنا بل تركونا لكي نفقد كل امل بالحياة وبناء المستقبل وانصرفوا الى تحقيق رغباتهم ونزواتهم, فاطلب من رئيس الجمهورية العماد إميل لحود المحترم ان يقوم بتحرك سريع لمساعدة الشبيبة في لبنان والتخفيف عنهم وتأمين فرص عمل افضل لتأمين مستقبلهم وحياتهم وتأسيس عائلة, لاننا لا نستطيع ان نبني مستقبلنا بمبلغ 340 الف ليرة ولا نريد ان نكون فاسدين مثل غيرنا بطرق غير مشروعة من اختلاس او سرقة, فيأتي جيل من بعدنا ويحصد ما نحصده نحن اليوم. ان الم معظم الشبيبة معلق عليك وعلى هذه الحكومة فاطلب منك ان لا تخيب امالهم لان هناك عددا كبيرا من هذه الشبيبة يشعر بهذه الحال من اليأس, فلا تدعهم يقدموا على ما اقدمت انا عليه, واخيرا اطلب من اهلي ورفاقي وكل من احبني ان يصلوا على جثماني وان لا يبكوا علي لانني لا استحق دموعهم, واطلب من كل رفاقي ان ينفذوا وصيتي وخصوصا طلال وبلال وداني وان تصل هذه الرسالة الى المعنيين وخصوصا الى فخامة الرئيس المحترم, اخترت هذا اليوم (الاحد) لكي لا تكون خطيئتي كبيرة جدا. ضحية العنف المنزلي أما سكنى احمد منصور, وهي صبية متزوجة في مقتبل العمر, ولها ابنتان في الـ 14 و 15 ربيعا, فقد دفعها العنف المنزلي الى الانتحار. كيف؟ تقول احدى المسئولات عن (الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة) راوية القصة التي دفعت بالزوجة الشابة الى الانتحار بالقاء نفسها من على سطح احدى الابنية في منطقة رأس الجبل في مدينة عاليه: عاشت (سكنى) في سنواتها الاخيرة وحيدة معزولة متشردة لم تجد من يؤويها وابنتيها الاثنتين ( 14 و 15 ربيعا) سوى تلك البيوت المهجورة في رأس الجبل في عاليه, فالتجأت الى هناك علها تجد في ذلك المكان مأوى يحميها وطفلتيها من غدر الزمان وغدر الاشخاص الاقرباء منهم والغرباء. كانت (سكنى) قد روت لدى زيارتها لنا قبل شهر تقريبا من وفاتها بانها تزوجت من رجل مارس عليها العنف بمختلف اشكاله, من شتم وضرب واهانة فضلا عن كونه كان ينفق معظم امواله على المخدرات والنساء اللواتي كان يحضرهن الى المنزل الزوجي في بيروت لذا اخبرتنا (سكنى) انها كانت تضطر لمغادرة البيت وطفلتيها وتفضل النوم في العراء لتجنيبهما مشاهدة كل هذا الشذوذ. عندما فقدت القدرة على الاستمرار في تحمل تلك الحياة, اخذت ابنتيها وانتقلت بهما الى الجبل, وكانت في حينه قد بدأت تصاب بعوارض انهيار عصبي. ولم تجد عند ذويها اي تعاطف, خاصة وانها كانت قد اختارت ذلك الزوج رغما عنهم. هذه هي باختصار قصة (سكنى) نرفعها بوجه المسئولين في الدولة ونوجه اليهم السؤال الآتي: هل يجوز ان تبقى مثل هذه الحالات قائمة والا تجد لها اية حماية لدى المؤسسات العامة؟ هل يجوز ان تبقى محاولات انقاذ تلك الحالات مقتصرة على ما يمكن ان يقدمه الافراد أو المؤسسات الاهلية من مساعدة متواضعة؟ الا يفترض ان تعطي الدولة اولوية لايجاد مراكز ايواء لمثل تلك الحالات والعائلات المتشردة خاصة ان المسألة تتعلق ايضا بمصير فتيان وفتيات في مقتبل العمر لم توفر لهم الحياة بعد فرصة ليتعرفوا الا على ماهو سلبي ومأساوي فيها ويتعرضوا لاشكال الانحراف كافة؟ رأي اخصائية نفسية لماذا تتزايد ظاهرة الانتحار بين الشباب اللبناني؟ تقول الدكتورة نازك ـ الاخصائية في علم النفس المرضي, المعالجة النفسية, والاستاذة في الجامعتين اللبنانية واليسوعية. في نطاق عملنا, نعاين عددا كبيرا من المراهقين والشباب الذين يعانون ازمات عاطفية, واضطرابا وقلقا نفسيا وحالات كآبة وحالات ادمان مخدرات ومسكنات وكحول, وكذلك نعاين حالات ليست بالضرورة مرضية, بل مشاكل معينة تؤثر على سير حياتهم فيستشيروننا لايجاد الحل المناسب, ونعمل معهم على تحقيق الراحة النفسية والانسجام مع الذات والتأقلم مع المحيط والتوفيق بين المتطلبات النفسية والمعطيات الواقعية. ومن هؤلاء الاشخاص الذين يستشيروننا كاخصائيين يمكننا ان نحصي عددا من المحاولات الانتحارية او الافكار الانتحارية او السويداء وتمني الموت التي يمكن ان يعبروا عنها تلقائيا, او نتوصل الى اكتشافها عبر الجلسات العلاجية, يذكر انه في بعض الحالات يستعمل الاشخاص محاولة الانتحار كسلاح تهديد, وهو مانجده خصوصا عند المراهقين الذين يتقصدون ان يتكلموا عليه ليحصلوا على مبتغاهم او ليدفعوا الآخرين الى الشعور بوجودهم ومهما اختلفت دوافع المحاولات الانتحارية واسبابها يجب ان نأخذ هذه الحالات على محمل الجد ونتعامل مع الوضع ليس بخوف وارتباك بل بوعي وروية, وخصوصا ان فكرة الانتحار او محاولة الانتحار تشكل مؤشرا الى وضع ان لم يكن مرضيا, فهو بالتأكيد يستدعي المساعدة. ومن الامثلة التي توردها الدكتورة الخوري عبر عملها الميداني ومعالجتها مثل هذه الحالات: (ان شابا في السادسة عشرة من عمره حاول الانتحار ولم ينجح, وتبين انه كان يعاني حالة كآبة وفراغ وهي حالة يعانيها معظم المراهقين وخصوصا في بلدنا, وناتجة من مشاكل مع الاهل وتأخر في الدراسة, مما جعله يصطدم بحائط مسدود وانه مامن حل الا بالهرب عن طريق الانتحار, واشرفت على متابعة هذا الشاب عبر علاج نفسي منتظم لمعرفة الاسباب والدوافع ومساعدته في تخطيها, بالفعل استطعنا بعد علاج طويل وعمل معه ومع محيطه ان ننزع فكرة الانتحار من رأسه. تتابع الخوري: وثمة محاولات انتحار كثيرة منتشرة بين المراهقين الذين يتعاطون المخدرات, والادمان يشكل خطرا حقيقيا على المراهق لانه شخص سريع التأثر بمحيطه, واذا صادف ان عاشر اشخاصا يتعاطون المخدرات يكبر احتمال تعاطيه هذه المواد وخصوصا انه في عمر (التفعيل السريع) والعفوية في التصرف, مما يفقده مناعته تجاه الانتحار) . ومن الامثلة ايضا: فتاة حاولت الانتحار مرتين 16 عاما, كانت تردد دائما انا وحيدة وماحدا بيفهمني وضع مقرف, ما في حل, وبعد جلسات علاج عدة تبين انها تعاني نقصا عاطفيا مع اهلها مع كل ما ينتج من هذا الشعور من قلة ثقة بالنفس واحتقار للذات, وعندما حللنا هذا الوضع قالت لي الفتاة في احدى الجلسات: صحيح مثل ماقلتيلي كل شيء له حل, بس انا ماكنت عم شوف الحلول, ومن هذه اللحظة بدأنا نطبق الحلول وتغيير سلوكها وطريقة تفسيرها للامور. بيروت رانيا يونس