تأليف: ليون آرون ، عرض وترجمة: جلال الخليل على امتداد صفحات هذا الكتاب, يستغل المؤلف ليون آرون كل أسلحة السرد التاريخي, ليروي قصة تاريخ الثورة الروسية الرابعة ووقائع حياة بوريس يلتسين, أبرز زعمائها. (يلتسين: الحياة المتمردة) كتاب يروي لحظة بلحظة تفاصيل ساعات وأيام تاريخية قليلة, كان كل قرار فيها يعني تغيير وجه التاريخ, ويشكل الخيط الرفيع الذي يفصل بين التراخي والتماسك خلالها, الفارق الشاسع بين امتلاك ناصية المستقبل والموت ترهلا في غيابات الماضي. والمؤلف هو مدير الدراسات الروسية بمعهد أمريكان انتربرايز, عمل بالتدريس في جامعة جورجتاون, وساهم في إلقاء الضوء على القضايا الروسية عبر أجهزة الاعلام العالمية. بعد دقائق معدودة من الساعة السادسة صباح 19 أغسطس 1991 بثت جميع المحطات الاذاعية السوفييتية بيانا لنائب الرئيس الروسي جينادي ياناييف جاء فيه: (نتيجة لعجز ميخائيل جورباتشوف عن القيام بواجباته كرئيس للاتحاد السوفييتي, بسبب حالته الصحية, فقد باشرت القيام بمهمات الرئيس بناء على البند 127/7 من دستور الاتحاد السوفييتي) . وفي كل ساعة من ساعات ذلك اليوم, كان المذيعيون الواجمون يكررون هذا البيان في كل محطات التلفزيون بين فواصل من الموسيقى الكلاسيكية والباليه والمشاهد الرياضية. كما أعلنت حالة الطوارئ في بعض مناطق الاتحاد السوفييتي, ابتداء من الرابعة من فجر هذا اليوم, بحيث تسري لستة أشهر كاملة. وأصبحت البلاد تحت حكم لجنة الطوارئ الحكومية, التي تضم في عضويتها كلا من ياناييف ورئيس الوزراء فالانتين بافلوف ورئيس جهاز المخابرات الـ (كي جي بي) فلاديمير كريوشكوف ووزير الدفاع ديمتري يازوف ووزير الداخلية بوريس بوجو والنائب الأول لمجلس الدفاع عن الاتحاد السوفييتي أوليج باكلانوف ورئيس اتحاد الفلاحين ستارودوبتسيف ورئيس جمعية المشروعات الحكومية الكسندر تيزياكوف. ونتيجة لرفضه نقل السلطة إلى ياناييف, فقد وضع جورباتشوف رهن الاقامة الجبرية, في منزله الريفي في كيب فوروس بجنوب يالطا في القرم, كما حظر عليه الاتصال بالآخرين. إلى موسكو خلال سباقه الحثيث للوصول إلى مقار الحكومة الروسية في أنخانجيلسكوي, مر محافظ سانت بطرسبورج أناتولي سوبتشاك برتل من الدبابات تشق طريقها باتجاه موسكو وبكتيبة من القوات البرية قريبا من المقر الحكومي. وحينما دخل المقر الرسمي لبوريس يلتسين وجد عنده القيادة الروسية بأكملها: يلتسين ورئيس الوزراء إيفان سيلاييف ورئيس مجلس السوفييت الأعلى المنتخب حديثا رسلان حسب اللاتوف وجينادي بوربوليس وحارس يلتسين الشخصي المخلص ألكسندر كورجاكوف. وكان هؤلاء تحت حراسة ثمانية رجال يتقلدون بنادق الكلاشينكوف, هم القوة العسكرية الوحيدة التي كانت تحت امرة الحكومة الروسية صباح ذلك اليوم. كما كانت الحكومة قد اتخذت قرارها, فقد دعى القادة الروس لاجتماع طارئ لمجلس نواب الشعب الروسي. كما أملى يلتسين (مناشدة للشعب الروسي) , دعا فيها إلى مقاومة لجنة الطوارئ الحكومية. قررت المجموعة أن تركب السيارات, وتتحرك إلى موسكو, حيث البيت الأبيض. وفيما كان الحراس يلبسون يلتسين السترة الواقية من الرصاص, ساد الصمت القاعة, قبل أن تقول تاتيانا, ابنة يلتسين, له: (تماسك يا أبي فكل شيء الآن يعتمد عليك!) . على هذا النحو يصف ليون آرون واضع سيرة يلتسين تطورات الساعات الأولى من الانقلاب على الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف عام 1991, وهو الانقلاب الذي شهد أحداثا مثيرة وتحولات يصعب تفسيرها حتى الآن, ويتابع آرون سرده للأحداث فيوضح ان قرارات لجنة الطوارئ الحكومية قرارات ملزمة ويجب تنفيذها بصرامة من قبل السلطات والمواطنين على السواء, كما طالبت اللجنة كل السلطات وعلى كل المستويات من السلطات الاتحادية في موسكو وحتى المحلية في القرى ان (تضمن الاحترام الكامل لقرارات حكومة الطوارئ, كما حظرت اللجنة الاجتماعات العامة والتظاهرات والاضرابات وكل التحركات العامة التي تعيق سير الأمور على طبيعتها, وأجازت فرض حظر التجول إن كان ذلك لازما, وأعلنت عن عزمها على اخماد أي شائعات تهدف لاثارة القلاقل ووأدها في المهد. في اليوم التالي أصدرت لجنة الطوارئ قرارا يطلب من كل محطات الاذاعة والتلفزيون ان تنصاع لقراراتها, ثم ألغت كل التصاريح السابقة للبث, وطلبت من حامليها اعادة التقدم للحصول على تصاريح جديدة. وبرر أعضاء لجنة الطوارئ انقلابهم على ميخائيل جورباتشوف بالحالة الاقتصادية المزرية التي وصلت إليها البلاد, وانهم أرادوا انقاذ الشعب من السقوط في الهاوية. وينطلق المؤلف ليناقش مدى مصداقية ادعاءات لجنة الطوارئ فيما يتعلق بحالة الدولة التي وصلت لها, مشيرا إلى انه من الصعب فعلا تنفيذ ما جاء من مبررات في (خطابها للشعب السوفييتي) فقد وصلت البيروسترويكا الى النهاية مع فشلها في تحقيق وعودها بالرخاء للناس, حيث وقع الاتحاد السوفييتي أسير كارثة اقتصادية حادة وقاسية, وأصبح أقرب إلى المستحيل تأمين حاجات المواطنين, من مأكل ومسكن, بل ان الحياة اليومية لملايين البشر صارت مهددة بتفكك الدولة والسلطات من قمة الهرم وحتى قاعدته وباستفحال الجريمة. كذلك دخل الانتاج في حالة من التراجع المستمر وراح مستوى معيشة الناس يتدهور بسرعة مخيفة, ومما زاد من سوء الوضع التضخم المستفحل, حتى أصبح الشعب السوفييتي على شفا المجاعة الحقيقية, نظرا لتوقف المزارع الجماعية عن الانتاج نتيجة عدم توفر قطع الغيار والوقود, وأصبحت المهمة الكبرى التي تواجه الحكومة انقاذ الموسم الزراعي وتأمين احتياجات الغذاء لفصل الشتاء, ولا عجب ان حدث الانقلاب في أغسطس أي في موسم الحصاد. وقد بنت حكومة الطوارئ طرحها على هذه النقطة حيث جاء في بيانها ان استيلاءها على السلطة ليس إلا خطوة أملتها الضرورة والحاجة الماسة لانقاذ الاقتصاد من الدمار والبلاد من الجوع, وفيما وعد أعضاؤها بدعم العملية الديمقراطية الحقيقية وبعدم ايقاف الاصلاح الاقتصادي والمشروعات الخاصة, فإنهم أكدوا على ان الانتقال إلى اقتصاد السوق (لن يبنى على مستويات المعيشة المتدهورة) . كما وعدت اللجنة أيضا بتطهير الشوارع من المجرمين, إذ أصبحت حتى السلامة الشخصية للمواطنين مهددة أكثر وأكثر, فالجريمة تتفشى بسرعة, وأصبحت مسيسة ومنظمة, والبلاد تنزلق نحو هاوية العنف وانعدام القانون, ولهذا فإن حكومة الطوارئ ستضع حدا لطغيان من يسرقون موارد الشعب ولاخطبوط الجريمة وانعدام الاخلاق الفاضح, والفساد والخوف من المستقبل والارتباك الحكومي واقتصاد الظل) . وفيما كانت حكومة الطوارئ توقع الأوامر وتصدر البيانات, مضت القوات تتدفق على العاصمة موسكو من كل الاتجاهات: على الطرق السريعة القادمة من مينسك وموجايسك وكوتوزوفيسكيي بروسبيكت طوابير لا تنتهي من الشاحنات العسكرية والدبابات وناقلات الجند المدرعة المحملة بالمدافع الرشاشة الثقيلة والجند المسلحين بالكلاشينكوف. تشكلت القوات التي دخلت موسكو بأوامر من حكومة الطوارئ من ألوية ثلاثة تعد أفضل تشكيلات عسكرية في الجيش السوفييتي والقوات الآلية من سلاح الحرس الثاني ودبابات سلاح الحرس الثالث والقوات المحمولة جوا من الحرس 106 المتمركز في تولا. كما نشرت وزارة الداخلية قواتها الخاصة بها أيضا والتي تتضمن فرقة ديرجنسكي وكتائب مكافحة الشغب الخاصة, المرهوبة الجانب ببزاتهم العسكرية وخوذهم سوداء اللون. ويأخذنا المؤلف آرون ليصف اجواء العاصمة موسكو بشكل يذكرنا بالأفلام الحربية التي تصف اجتياح الجيش الأحمر لبعض كبريات العواصم الأوروبية أيام الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية. يقول آرون: امتلأت الاجواء في موسكو بالغازات الخانقة المنطلقة من عوادم الدبابات ومدرعات بي إم بي وهي تسحق تحت سلاسلها احجار الارصفة واسفلت الشوارع ورخام الساحات العامة, لتأخذ مواقعها في الطرق الرئيسية وتحيط بالمباني الحكومية الهامة كالمصرف المركزي والمصارف الحكومية الاخرى, ومجلس بلدية موسكو ومحطات التلفزيون ووزارات الخارجية والدفاع ومقرات قيادات الاركان والمكاتب الصحفية لكبريات الجرائد السوفييتية مثل (برافدا وازفستيا وموسكوفساكيا نوفوستي) , اما مبنى الادارة العامة للبرق فاحتلته كتيبة من الحرس الثاني الميكانيكي. حتى الساحة المحيطة بمسرح البولشوي امتلأت بمدرعات بي ام بي, فيما احتلت قوات مكافحة الشغب الساحة الحمراء ومعهم ثلاث دبابات وجهت مدافعها نحو كاتدرائية سانت باسيلي وبرج سباسكايا. الصعود على الدبابة حين وصلت سيارة الليموزين السوداء التي يستقلها يلتسين إلى مجلس السوفييت عند سد كرازنو بريسنسكايا, كانت الدبابات تحيط بالمبنى, فيما الشاحنات المحملة بقذائف المدفعية تقف بالقرب منها, الا احدا لم يمنع السيارة من الدخول إلى موقف السيارات تحت الارض على كل حال. كان المثقفون الروس قبل ذلك بعام قد اطلقوا اسم البيت الابيض على سبيل السخرية, مقارنة بالبيت الابيض الامريكي, على مبنى مجلس السوفييت, لكن التسمية وجدت من يستخدمها باستمرار حتى اصبحت اسما فعليا له برخامه الابيض الذي يكسوه بالكامل, لكن المواقف المناهضة للانقلاب التي صدرت من داخله جعلت الروس يقبلون هذه التسمية بفخر وللابد. فور وصوله للبيت الابيض عقد الرئيس يلتسين مؤتمرا صحافيا, قال فيه: إن خطوة لجنة الطوارىء هي انقلاب لا شرعي وانها (جنون) واصر على ان مصداقيته كرئيس لروسيا تأتي من الشعب, وان لا احدا سوى الشعب الروسي يستطيع ان يخرجه من مكتبه الرئاسي, كما دعى إلى الاطلاق الفوري لسراح الرئيس السوفييتي جورباتشوف والذي فشل في محاولة التحدث اليه هاتفيا. ثم دعا يلتسين ابناء موسكو للخروج في مظاهرات (دفاعا عن الديمقراطية) وفيما كان يتحدث للصحافيين, قاطعه احد مساعديه الذي دخل مسرعا ليهمس بشيء في اذنيه, وحينها التفت يلتسين إلى من حوله قائلا: (هناك خمسون دبابة على الاقل تشق طريقها باتجاه هذا المبنى, من يريد ان ينجو بجلده فليذهب, اما نحن فباقون هنا لنتابع عملنا) . انهى يلتسين مؤتمره الصحافي, ثم انطلق خارجا من المبنى, ليصعد فوق احدى الدبابات ويصافح افراد طاقم الدبابة المذهولين بتصرفه. ثم صاح بأعلى صوته: ما داموا لن يسمحو لي بالتحدث عبر الاذاعة أو التلفزيون, فسألقي خطابي من هنا حيث اقف, وفيما كان يلتسين يلقي خطابه مناشدا (مواطني روسيا) اطرق احد افراد طاقم الدبابة وغطى وجهه بيديه ليلتقط احد المصورين هذه اللمحة التي ما زالت مشهورة حتى الان.