تملك سوريا رصيدا من الاغنام, يشكل ثروة كبيرة لايستهان بها ابدا, يقدر ـ وحسب الاحصاءات ـ بـ 13.5 مليون رأس , تعد من افضل الغنم العواس في العالم, وبقيمة 60 مليار ليرة سورية وبمردودية سنوية تقدر بـ 40 مليار ليرة سورية. وهي تلبي 75% من احتياجات سوريا من اللحوم والمنتجات الحيوانية الاخرى، ويبلغ عدد الذين يعملون في تربيتها 1.5 مليون انسان, اضافة الى ان هناك ايضا 1.5 مليون انسان, يعملون في مهن ترتبط بالاغنام بدءا من تصنيع الحليب, وانتهاء بدباغة الجلود. وثروة سوريا الغنمية, تقف على شفير هاوية, وحالها لا تحسد عليه ابدا, مالم تكن هناك اجراءات سريعة وفاعلة تنقذ ما يمكن انقاذه. فقد اتى الجفاف في باديتها, العام الماضي, على 1.6 مليون رأس, بقيمة ثمانية مليارات ليرة سورية ويبدو ان العام الحالي ليس بافضل من سابقه, وستكون الخسائر اكبر, ان لم يكن هناك تدارك للامر, ووضع حد لاستطالته. اما مربو الاغنام, فيلفهم الحزن ويأسرهم الخوف والقلق من الوضع الذي آلت اليه اغنامهم, بسبب انحباس خير السماء والتقصير في تقديم المساعدات التي تمكنهم من تجاوز محنتهم, اغنام تموت واخرى تذبح اضطراريا .. وبعضها يباع بـ 10% فقط من سعرها الحقيقي للعجز وانعدام القدرة على تأمين الغذاء لها. والمأساة الحقيقية التي تعيشها البادية السورية, في مقدمة الاسباب, وما وصلت اليه من وضع مترد ومحزن, يزحف اليها الجفاف والتصحر بخطى حثيثة, لاسباب تتصدرها, وتأتي اولا حسب دراسة اعدها خبراء المركز العربي لدراسات المناطق الجافة (أكساد) الفلاحة الجائرة فهناك سبعون في المئة من اراضي البادية طالتها الفلاحة التي تلعب دورا كبيرا في خسارة البادية لغطائها النباتي, الذي يحتاج زمنا طويلا لاعادته كما كان. ورغم ان الدولة اتخذت قرارا بمنع فلاحة البادية, الا ان استخدامها له كان مطاطيا, وينقصه الحزم. ولا ننسى الرعي العشوائي, الذي يترافق مع احتطاب الشجيرات الرعوية, واستخدام السيارات التي تساهم في تفتيت التربة وانحسار الغطاء النباتي عنها وتعرضها لعوامل الحت والتعرية, مع اهمال الجهات الرسمية ولا مبالاتها لسنوات طويلة. وحسب (أكساد), فان البادية السورية التي تشكل 56% من مساحة سوريا , اذ تبلغ مساحتها 108 آلاف كيلومتر مربع تسودها نباتات رعوية عديمة القيمة, وبعضها سام, وانخفض انتاجها النباتي بمعدل 50% فعدد النباتات فيها لا يتجاوز 13 نوعا نباتيا اغلبها من الانواع المتوسطة وعديمة القيمة الرعوية, وعطاؤها الرعوي لايشكل سوى 32% من كميات الاعلاف المقدمة للحيوانات, وبالتالي تدني انتاجية الاغنام في اللحم والحليب. اذا, البادية السورية في حال لا تسر, فهي تعاني ضعف المردودية, وخفض الحيوية ومعدل الانتاج في وحدة المساحة وتدني المادة العضوية في تربتها التي تفتك بها عوامل الحت والتعرية. وهي لا تقدم الا نصف احتياجات الثروة الغنمية, رغم انه على اقل تقدير ـ يجب ان تؤمن 75% من هذه الاحتياجات. وبدأ النظر في حال البادية الذي اخذ في التدهور منذ عشرين عاما, بعقد مؤتمر البادية في العام 1982, الذي كان اول التفاتة الى حالها. وخرج بتوصيات هامة بقيت على ورق عدا قرار منع الفلاحة الذي وضع حيز التنفيذ. وازداد حال البادية سوءا حتى كان مشروع الحكومة (احياء البادية) , بتمويل خارجي ليقلل ما امكن من الخسائر. ولدى الحكومة الآن مشروعان احدهما قيد التنفيذ ويغطي مساحة ثلاثة ملايين هكتار اي ربع مساحة البادية السورية ويعمل على اعادة تأهيل المراعي عن طريق استزراع 270 الف هكتار بالبذور والغراس, وتنظيم استثمار حوالي 900 الف هكتار لضمان ديمومتها ودعم المشاتل الرعوية لتأمين 40 مليون غرسة رعوية, كذلك دعم مراكز انتاج البذور العروية لتوفير 1800 طن من بذور النباتات الرعوية. كما يعمل على انعاش وتنمية الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان البادية: تنفيذ شبكة طرق بطول 500 كم ـ حفر 600 بئر لتأمين مياه الشرب للسكان والاغنام, اعادة تأهيل 55 بئرا قديمة, انشاء 80 خزانا لتجميع مياه السيول واقامة سدات نشر مياه في 12 موقعا, مع منح المربين قروضا لشراء اكباش العواس, بغية تحسين سلالات الاغنام .. الخ. اما المشروع الآخر فهو مازال قيد الدراسة, وانتظار التمويل وكان لتجربة المحميات الرعوية, التي انشأتها الدولة, آثار ايجابية في التخفيف من حدة الازمة, وانعكاساتها السلبية. كما لم ينس برنامج الاغذية العالمي (الفاو) البادية السورية, وادراجها في جدول اهتماماته, فقدم لها رأفة بحالها وحال الثروة الغنمية, 24 الف طن من المواد الغذائية الى حوالي 330 الف انسان من مربي الاغنام, وبقيمة 5.5 ملايين دولار لمساعدتهم على تجاوز الازمة, باقل الخسائر الممكنة. ويحظى الواقع السيىء للبادية السورية الآن بنصيب وافر من مناقشات مجلس الشعب, الذي شكل لجنة مهمتها دراسة البادية واوضاعها, واتخاذ ما يلزم من اجراءات انقاذية قبل فوات الاوان. جهود ـ ان طبقت ـ لعل وعسى ان تكون مفيدة في انقاذ البادية من حال اوصلها اليه تعامل لا مسئول واهمال امتد سنوات.