بعد ان فرغ من الحملة التي تشنها روسيا في الشيشان ويرقد الآن في مستشفى سان بطرسبرج يعطي نيكولاي لمحة بسيطة فقط عما حدث في المعركة التي شنتها روسيا في الشيشان. وتعهد الجندي الروسي البالغ من العمر 20 عاما بالا يتحدث عن اي اسرار. ويقول وقد غطى ساقيه المصابتين بملاءة بيضاء واخذ يحملق في السقف (افكر في الحرب... والناس الذين شاهدتهم وهم يموتون هناك.. بصرف النظر عما حدث... لن انطق بكلمة عن اي انسان ابدا) . وتعهد نيكولاي بالتزام الصمت بعد اسابيع من مغادرته ميدان المعركة مصابا الا ان مثل هذه التعهدات يأخذها عشرات آلاف المقاتلين المخضرمين الروس من اعوام على أنفسهم بعد عودتهم الى حياتهم المدنية. وفي الوقت الذي تقوم فيه روسيا بتقييم الاضرار التي لحقت بجنودها نتيجة الحملة التي شنتها في الشيشان واستمرت ستة شهور يخشى اطباء نفسيون ان يؤدي عدم تنفيذ برامج اعادة تأهيل للجنود الى مولد جيل جديد من الشبان الذين ستفسد حياتهم. وقال البرت بارانوف المتخصص في علم الاجتماع بالاكاديمية الروسية (لا يعانون هم فقط وانما يسببون المعاناة لاخرين.. يتحولون الى افراد مضطربين نفسيا وهم خطر على روسيا وعلى أنفسهم) . ويبلغ اجمالي عدد الجنود الذين شاركوا في حملة الشيشان رسميا 93 الفا وهو ضعف العدد الذي ارسل للحرب في الشيشان من قبل في الفترة من عام 1994 الى عام 1996 . وقتل نحو الفي جندي في الشيشان وفي القتال الذي نشب في داغستان. ومضى بارانوف يقول (يصعب على المجتمع فهم ان اعراض الحرب لا تزول.. وتخصص العديد من الدول موارد ضخمة لبرامج اعادة التأهيل الا ان روسيا لا تضع خطة ابدا للتعامل مع آثار الحرب) . وتقول منظمة المحاربين الروس انها لا تحصل على اي مساعدات من الدولة للتغلب على بعض التحديات مثل مشاكل الاسكان والعلاج واعادة تأهيل الجنود. ويجد كثير من الجنود السابقين صعوبة ايضا في العثور على وظائف. وقالت ايلانا فيلينسكايا احدى رئيسات منظمة امهات الجنود في سان بطرسبرج انه بعد انتهاء الحرب يدخل كثير من الجنود عالم الجريمة مضيفة ان العديد منهم ينتحر ايضا. وقابلت فيلينسكايا في الاونة الاخيرة جنديا شابا اثناء زيارة روتينية قامت بها لمستشفى وقالت انه ذكر انه قتل 14 شيشانيا بينهم امرأة حبلى. ومضى يقول (توسلت المرأة لكي ابقي على حياتها... كانت تزحف على بطنها امامي) . وقالت فيلينسكايا ان القتل (دمر شخصية الشاب... ولم يعاقبه احد بل جعلوا منه بطلا... لا يستطيع هؤلاء الشبان الان العيش دون حرب) . وفي مستشفى اخر زارت فيلينسكايا ستة جنود واعرب واحد منهم فقط عن رغبته في العودة الى ساحة المعركة. وقالت (عندما سألته عن السبب قال ان المعركة تجعل الانسان يشعر بالقوة اذ يكون قادرا على الابقاء على حياة الناس او القضاء عليها واذا قضى عليها لا يعاقبه احد) . ويقول اطباء نفسيون ان الحرب تترك بصمتها على الناس اما بالانجذاب الى العنف والقتل او الشعور بالذنب وكراهية النفس مما قد يدفع الى الانتحار. واليكسي الذي ادمن المخدرات وشرب الخمر اثناء حرب الشيشان السابقة حاول مرتين القفز من نافذة منزل والدته ولكن الجيران انقذوه. ولكن مشكلته لم تنته عند هذا الحد فبعد سجنه مرة حوكم اليكسي ثانية وادين بتهمة الاغتصاب. وتقول والدته فالنتينا التي رفضت نشر اسم عائلتها (انظر اليه وادرك انه ليس طبيعيا ولكنه يرفض ذكر اي شيء عما حدث في الشيشان) . وقالت مارينا بوريسوفا الاستاذة بكلية علم النفس بجامعة موسكو انه عندما يواجه انسان جرائم قتل اثناء الحرب (كل شيء يتغير فيه من تعليمه واحساسه بالحياة وقيمه.. في الحرب يتحتم عليك ان تقتل واما ستقتل) . وتضيف ان الجنود يقولون انهم اعتادوا على النوم وسط اصوات نيران المدفعية مشيرة الى انه (في الحرب الصمت يعني الخطر... ومن ثم عندما يعود جندي لا يستطيع ان يتحمل الهدوء.. ولكي ينام يحتاج الى ضوضاء) . ويقول اطباء نفسيون ان اخطر الآثار النفسية تكون عندما يسأل جندي نفسه عن جدوى ما كان يفعله ولا يجد اجابة. وقال سيرجي زاخاروف (23 عاما) الذي قاتل لمدة عشرة شهور في الشيشان ان الجنود الروس خدعوا في هذه الحرب الاولى. وتساءل (لماذا قاتلنا.. هل كنا نحمي انفسنا ام بلادنا.. عندما عدنا من الشيشان اصبح الذين كنا نقاتلهم الزعماء الشرعيين للشيشان... كان قتالهم عبثا اذن) . رويترز