اسرار وراء الإحجام عن زيارة الاقصى ، لماذا اخضع نتانياهو كبار العاملين في مكتبه للفحص بجهاز كشف الكذب؟ في الفترة التي عملت خلالها سكرتيراً للحكومة طلبوا مني إجراء الفحص أمام جهاز الكشف عن الحقيقة مرتين, الأولى كانت في تقديري مشروعة وصحيحة إذ كان يتوجب علي عند تسلمي للوظيفة أن أقوم بالفحص كجزء من إجراءات الرقابة الأمنية والتي يمر بها الموظفون الكبار في الدولة بحكم أن أعمالهم تتيح الاطلاع على معلومات أمنية, ولقد مررت خلال عملي بمعلومات أمنية حساسة جداً. أما المرة الثانية فلقد نفذت عملية الفحص باستياء شديد, فقد كنا في نهاية فبراير عام 1998, وقد حدثت سلسلة من التسريبات من مكتب رئيس الحكومة بما في ذلك سفري مع عوزي أراد ضمن بعثة سرية إلى أوروبا والكشف عن القبض على عميل للموساد في سويسرا, رئيس الحكومة الذي كان محبطاً وغاضباً من هذه التسريبات أصدر تعليماته بإجراء الفحص لجميع أفراد طاقم مكتبه و كذلك كبار مستخدمي وزارة الخارجية وقام بالتنفيذ مسئول قسم التحقيقات في الشاباك وهكذا تم فحصُ كل من آراد وشبيرا ودافيد بارايلان وشاي بازاك. أنا لم أكن في خشية من أمر الفحص نفسه والذي تخطيته بنجاح لكنني كنت مستاء في الحقيقة من جلوس مسئول كبير في مكتب رئيس الحكومة أمام هذا الجهاز فالأمر ينطوي على نوع من الإهانة والتحقير, ولقد تحدثت مع رئيس الحكومة في الأمر بقسوة حيث قلت له: (هذه هي المرة الأولى التي أوافق فيها على إجراء الاختبار, فإذا كنت لا تثق بإنسان يعمل معك وتشتبه في تسريبه للمعومات فأبعده عن عمله فوراً كما أن معالجتك لحالة فقدان الثقة بينك وبين شخص من رجالك لا تأتي من خلال إرساله للمثول أمام جهاز الفحص) . وحتى اليوم ماأزال مقتنعاً بما قلت, فالواجب أن تكون العلاقة بين رئيس الحكومة وطاقم العمل الذي معه قائمة على أساس الثقة المتبادلة والعلاقات الإنسانية الواضحة (وكثيراً ما حدثت تسريبات من مكتب رئيس الحكومة وكانت توصيتي له أن يتخذ الإجراءات المناسبة والشديدة حيال ذلك لكنه كان يفضل التسامح في كل مرة ومع أن عدد الأشخاص الذين أعتمد رئيس الحكومة على مصداقيتهم وسريتهم كان ضئيلاً جداً إلا أن التسريبات شكلت ظاهرة في وسائل الإعلام فقط. وأعتقد أن نتانياهو لم يختلف عن شامير ورابين وبيريز في الحرص على دائرة سرية مغلقة في الإجراءات السياسية الحساسة وصحيح أنه كلما قل عدد الأشخاص في هذه الدائرة قل خطر التسريب الذي يفسد العمل وقد نجح نتانياهو في المحافظة على سرية اتصالاته مع الرئيس الأسد بواسطة رون لاودير صيف عام 98 وزيارة روس السرية عام ,1997 ومسائل أخرى, وفي المقابل فإن المسائل والقضايا التي اضطلع عليها أشخاص كثيرون لاسيما في الأوساط الموجودة خارج مكتب رئيس الحكومة تسربت سريعاً جداً لإحدى وسائل الإعلام. ثلاث مهمات أعود إلى الفحص الأخير الذي أمر به نتانياهو وقد أثار الشبهات حول مستشار رئيس الحكومة الإعلامي شاي بازاك فلم تكن المعطيات واضحة أثناء الفحص مما اضطره إلى تكرار الفحص, كما أنه لم يكن حازماً بشأن براءته بعد أعوام من العمل المتفاني فلم يصارع بازاك من أجل كرامته وحياته العملية, ولقد اعتبرت نفسي مسئولاً عنه إلى حد ما للعلاقة التي كانت تربطني به فهو بمثابة الأخ الأصغر لي, إنه يصغرني بعشر سنوات وكان لقائي الأول به في كنيس بيت الطالب بالقرب من مقر رئيس الدولة في القدس ثم إنني سكنت الشقة العائدة لأهله في حي القطامون القديم بالقدس وكنت قد أوصيت نتانياهو بتعيينه متحدثاً باسمه عندما كان على مقعد المعارضة, وأبدى بازاك في عمله حرصاً وولاء لا حد لهما, وربما كان هذا هو السبب الذي أربكه أمام جهاز الفحص. على كل حال فقد ترك العمل في مكتب نتانياهو وعمل قنصلاً لإسرائيل في ميامي وقناعتي مازالت حتى اليوم تقول أنه لم تتم معرفة المسئول الحقيقي عن التسريب. والشخص الذي حل محل شاي هو افيف بوشينسكي وساعده اوفير أكونيس. لم اكن موافقاً لنتانياهو على استخدام جهاز كشف الحقيقة لكنني تفهمت غضبه وحساسيُّة الموقف إزاء تسريب المعلومات بشكل خاص بعدما حدثت تسريبات تم فيها إلقاء المسئولية عليّ بشكل شخصي. كما جرى بشكل مدهش ومفاجىء كشف الصحافة للقاءات سرية. هناك ثلاث مهمات قمت بها باسم رئيس الحكومة ولم يتم الإعلان عنها: واحدة لم يجر أي حديث عنها إطلاقاً والثانية تمت فيها معرفة سفري من دون الكشف عن التفاصيل والجهة التي التقيت بها, وجاء تسريب خبر السفر عن طريق إحدى المضيفات التي نقلت الخبر لأحد الصحافيين. وكانت المهمة في باريس بمشاركة عوزي أراد تقتضي ترتيب لقاء بأحد المسئولين العرب لإنشاء أول اتصال رسمي مع زعيم دولة عربية ونتانياهو لكي تشارك دولته بالعملية السياسية, جرى اللقاء في ظل شكوك وعدم ثقة وتأكيدات من الجانب العربي ببقاء هذا اللقاء سرياً وإلا لن يكون هناك أمل في استئناف الحوار, وبالفعل التزمنا لكن الحوار لم يستأنف بعد ذلك. ولقد حرصت طوال فترة عملي على السرية لكن حدث مراراً أن كان التسريب من الجانب الآخر, إذ يوجد لدي هم أيضاً جهات من مصلحتها تسريب معلومات عن هذه اللقاءات. تركز اللقاء في باريس على طلب الطرف العربي من إسرائيل تقديم تنازلات إسرائيلية من جانب واحد خلال المفاوضات مع الفلسطينيين لكي يكون رئيس دولتهم قادراً على تبرير مشاركته في العملية كما فسروا لنا ذلك بالحاجة إلى بناء الثقة بين إسرائيل وبينهم فأجبت بأننا نكون مسرورين وسعداء حقاً لمشاركة دولتهم وعرضت صورة الوضع في المفاوضات مع الفلسطينيين بل اقترحت نقاطاً بوسع الزعيم العربي دفعها قدماً, ولكن يبدو بأن هذا لم يكن كافياً, وخلال اتصالاتي كلها مع زعماء عرب تبين لي المرة تلو الأخرى بأن خلف (مشكلة الثقة) التي عرضوها إزاء رئيس الحكومة تختفي حقيقة الخلافات حيال مفاهيمنا السياسية, وبدلاً من القول (نحن مختلفون ولا نتفق معكم " فضلوا الادعاء) بعدم الثقة (وكان شعوري بأنه في اللحظة التي يقول فيها نتانياهو) نعم (لتنازلات كبيرة فإن مشكلة الثقة ستزول وكأنها لم تكن, خبر زيارتي السرية إلى الأردن في أعقاب محاولة اغتيال خالد مشعل تسرب لوسائل الإعلام فكان الغضب الأردني كبيراً ومحرجاً لنا ودارت الشبهات حول أحد رجال الأعمال الإسرائيليين العاملين في عمان. وبتاريخ 8/9/98 توجهت إلى القاهرة للقاء الرئيس مبارك وبإيعاز من نتانياهو وكان مبارك في ذلك اللقاء على درجة عالية من التشكيك والسخرية واللامبالاة متهماً الإسرائيليين بعدم الجدية في الوصول إلى اتفاقات فاستعرضت أمامه جميع الالتزامات التي نفذتها إسرائيل وبرهنت له على أن الجانب الفلسطيني هو الذي لم ينفذ لكنه رفض الاقتناع وطلبت منه أن يكون إيجابياً في أمر تنفيذ الاتفاقية بشأن الانسحاب الثاني لدى إبداء الرأي للفلسطينيين وأضفت قائلاً (نتانياهو يقدر زعامتك وقدرتك على التأثير) مؤكداً له على أننا نعلم بأن عرفات يتشاور معه باستمرار فكان جوابه (لن نقول للفلسطينيين ما ينبغي عمله وما لا ينبغي) لكن معارضة مبارك إزاء الإجراءات لانت قبل اتفاقية واي مما يعني بأن زيارتي تكون قد أسهمت بشيء ما لإحداث انطلاقة أدت إلى اتفاقية واي. وقلت للسفير المصري في إسرائيل محمد بسيوني بعد التوقيع على اتفاقية واي (كلما قلتموه عن حكومتنا حتى الآن كان خاطئاً بكل بساطة فنحن نسعى للسلام وإنجاز الاتفاقيات ولكننا نفعل ذلك بطريقة أخرى. هكذا وقعنا اتفاق الخليل واتفاقية واي ولكن ينبغي عليكم أن تتذكروا شيئاً واحداً هو أنه طالما كانت حكومتنا تقود دولة إسرائيل فإننا نصر على وفاء الفلسطينيين بالتزاماتهم وإذا حصل ذلك فسيستمر التقدم) , ولم أكن على علم بأن أيام حكومتنا باتت معدودة وحملة الانتخابات تقف على الأبواب. الأقصى والشاباك عدا عن هذه المهمات والبعثات السياسية السرية فقد عملت في قضايا حساسة أخرى كان منها تشكيل الطاقم الخاص بمعالجة موضوع المسجد الأقصى وبهدوء وبدون أي إعلان كان يجتمع في مكتبي يومياً مندوبون عن الشاباك ورجال الشرطة والنيابة العامة للدولة وسلطة الآثار لمناقشة الموضوع وكنت أطلع رئيس الحكومة منفرداً على النتائج, فموضوع المسجد الأقصى يشهد معركة يومية بينما المفاوضات السياسية تجري بين مد وجزر ففي اكتوبر عام 1996 ظهرت مشكلة الدور الخاص للأردن في إدارة الأماكن المقدسة في القدس وهو الالتزام الذي أعطاه رابين ضمن اتفاقية السلام مع الأردن حيث جاء بالنص (تحترم إسرائيل الدور الخاص الذي يقوم به الأردن بشأن الأماكن المقدسة في القدس وفي حال إجراء مفاوضات حول التسوية الدائمة تولي إسرائيل أولوية عليا للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن) . وقد حاول الفلسطينيون منذ اتفاق اوسلو تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وابعاد الأردن عن الإشراف على الأماكن المقدسة وكانوا بذلك يناقضون الاتفاقية المرحلية التي تحظر على السلطة الفلسطينية ممارسة أي نشاط في القدس. أنا شخصياً لم أزر المسجد الأقصى حتى اليوم امتثالاً لقول أبي المستمد من الشريعة التي تحظر علينا زيارة المكان. لكن التوجه الخطير في موضوع المسجد الأقصى هو تدخل الحركة الإسلامية في إسرائيل ففي عام 1995 حصل الفلسطينيون على موافقة إسرائيلية لفتح موقع (اسطبلات سليمان) لأداء الصلاة في شهر رمضان ومنذ ذلك الحين والحركة الإسلامية تدفع باتجاه تغيير التوازن الحساس القائم في المسجد الأقصى, وتفاقمت المشكلة بالطبع في أعقاب عملية فتح النفق في سبتمبر 1996 ولقد استخدم ر جال الوقف الإسلامي هذا الأمر ذريعة لقطع الاتصال الدائم مع سلطة الآثار وقصره على ضباط الشرطة متجاهلين قوانين التخطيط والبناء أيضا كما أنهم يقومون باستمرار بإبعاد أعضاء سلطة الآثار عن المكان مما يشكل صعوبات في مجال الإشراف والحيلولة دون القيام بأعمال غير قانونية في المسجد الأقصى, تلقى الطاقم الذي شكلته معلومات استخبارية إزاء نوايا الحركة الإسلامية فرض الأمر الواقع من خلال تنفيذ أعمال جديدة في المكان ولقد بذلنا جهوداً حثيثة لوقف هذا الأمر فقمنا بإغلاق فتحة كانوا قد فتحوها. بمعنى آخر فإن المسجد الأقصى يحتوي على جميع عناصر الكارثة المحتملة فهو المكان المقدس لليهود والمسلمين أيضاً كما أنه يمثل حلبة صراع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن والحركة الإسلامية في إسرائيل واليهود الذين يطمحون إلى الصلاة هناك بل يتطلعون أيضاَ إلى إعادة بناء الهيكل من جديد وأشياء أخرى. وقد قام مرة أحد المعتوهين الأستراليين بإضرام النار في المسجد إضافة إلى محاولة يهودا عتسيون ورفاقه نسف المسجد والتي تم الكشف عنها خلال المحاكمة عام 1974 وكنت حينها متدرباً في المحاماة لدى المحامي شلومو توسيا كوهين وصدمت من مدى اقتراب نجاح مؤامرة عتسيون والتي كان من شأنها إضرام النار في الشرق الأوسط كله وليس في المسجد وحده, ولطالما تلقت الأجهزة الأمنية معلومات عن محاولات خطيرة من هذا النوع ونتيجة لهذا كله فإن عيون المسئولين الأمنيين في إسرائيل لا يغمض لها جفن إزاء هذه السيناريوهات المتطرفة والمرعبة وحتى ونحن على أعتاب عام 2000 كان الخوف يسيطر علينا من إمكانية استغلال أي معتوه لفرصة يلفت فيها أنظار العالم إليه. حكايتي مع الانترنت إن الوضع القائم الذي تحدد عقب حرب يونيو 1967 من قبل موشي دايان حيث حصلت الأوقاف الإسلامية على حكم ذاتي في المسجد الأقصى يعتبر في نظري خطأ تاريخياً غير أنه لا يمكن إعادة الماضي وتغيير ما جرى وأن ما ينبغي علينا القيام به هو منع أي قضم أو تراجع آخر في هذا المكان والمحافظة على التوازن الحساس القائم هناك. ومع المفاوضات المتعلقة بالتسوية الدائمة سيتم تصعيد الموضوع بل سيكون حجر عثرة كبيراً تعترض طريق التسوية, وكلي أمل في أن تستمر حكومة إسرائيل خلال الأعوام المقبلة بالمحافظة على التوازن الحساس كما ذكرت وتمنع أي محاولات لفرض واقع من جانب واحد هناك. وإضافة إلى جدول أعمالي المكثف كسكرتير للحكومة ومشرف على المفاوضات السياسية ومهتم بقضية بولارد والأقصى أضيفت لي مهمة أخرى ورثتها عمن سبقني في العمل وهي المسئولية عن هيئة متابعة الظواهر اللاسامية في جميع أنحاء العالم والتي شكلها الياكيم روبنشتاين عندما كان سكرتيراً للحكومة. اللاسامية مازالت موجودة ولقد حظرت مراراً من تصاعد اللاسامية الممثلة باليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وتلك التي يمثلها الإسلام الأصولي. وباعتباري من الجيل الثاني للكارثة فإن الشعور يغمرني بأنني أحمل رسالة الكفاح والمقاومة للعنصرية اللاسامية ومحاولة إنكار الكارثة (المحرقة) ولقد مررت بلحظة مؤثرة جداً في حياتي حين زرت المقبرة اليهودية في براتسلافا عاصمة سلوفاكيا مسقط رأس أبي ووجدت قبوراً لأفراد من عائلتي, وكنت حينها أشارك في رفع الستار عن النصب التذكاري الذي يخلد الكارثة, وألمانيا هي الدولة الوحيدة التي لم تطأها قدماي قط ولم انضم إلى أي وفد حكومي زارها. وشبكة الإنترنت شكلت ظاهرة حديثة تتعلق بنشر اللاسامية ففيها مئات المواقع العنصرية واللاسامية التي تصل إلى ملايين البيوت في جميع أنحاء العالم من خلال استغلال حرية الرأي, وهكذا تحولت الولايات المتحدة أكبر دولة ديمقراطية إلى أكبر مصدرة للمواد العنصرية عبر الإنترنت ولهذا ظهرت حوادث عنف ضد اليهود مثلما حصل في الثاني من يونيو 1999 في شيكاغو وفي اغسطس من العام نفسه في لوس أنجلوس حيث تم إطلاق النار على الأولاد في المركز اليهودي. ولا يمكن إيقاف هذا النوع من الحوادث بواسطة الشركة بل من خلال القانون الأساسي المتعلق بحرية الرأي الذي يكفل وقف هذه الدعاية والتحريض اللاسامي. ولقد وجدت نفسي ذات مرة وأنا سكرتير للحكومة أوجه النقد لها في أعقاب قرار السماح للعنصري الافروامريكي لويس فرحان بزيارة إسرائيل في الخامس عشر من يوليو ,1997 وكذلك لم أتردد في شن هجوم حاد على المنشورات اللاسامية في الإعلام الفلسطيني والدول العربية. لكن المشروع الذي اعتز به أكثر من أي شيء آخر هو مبادرتي لإجراء مسابقة لطلاب المدارس الثانوية حول كتابة مقالة عن موضوع اللاسامية والتنكر للكارثة فقد اعتبرتها مهمة هامة للجيل الثالث الذي ترعرع في البلاد أو قدم إليها حديثاً كي يتعرف على الكارثة وموضوع اللاسامية. مجرد تعقيب يتضح من هذه الحلقة أن بنيامين نتانياهو كثير الشكوك في مستشاريه ومساعديه ويتميز بالتعالي عليهم والاستخفاف بهم, وإلا كيف يخضعهم لجهاز فحص الكذب, والأهم من ذلك هو كيف يقبلون ذلك من الأساس, وكيف يمكن لمسئول على مستوى رفيع أن يمثل أمام الجهاز صاغرا ويقبل ضمنا الاتهام بأنه لا يؤدي واجبه وأنه يسرب معلومات سرية ومهمة من مكتب رئيس الوزراء. حول نتانياهو مجموعة صغيرة من المقربين إليه, أما باقي مساعديه ومستشاريه فقد دفع بأغلبيتهم للاستقالة أو قام هو بإقالتهم, وانطبق الأمر على وزراء وقادة رئيسيين في الليكود ممن ضاقوا ذرعا بهذا القادم الجديد من الصفوف الخلفية رئيسا لهم ويتجاوز كل أمراء (الليكود) كما يسمونهم ويمارس معهم التعالي والاحتقار. يقول نافيه إنه غضب من المثول أمام الآلة, لكنه في النهاية وافق على ذلك صاغرا واستمر في عمله في خدمة رئيس الحكومة الإسرائيلية حتى النهاية. يتحدث نافيه في هذه الحلقة عن موقفه البغيض من المسجد الأقصى الذي رفض الاقتراب منه طوال حياته, لأن الشريعة تحظر ذلك إلى أن تتم عملية إعادة بناء الهيكل المزعوم, الذي تثبت الدراسات الإسرائيلية ذاتها كما تم نشرها مؤخرا, بأن لا وجود لمثل هذا الهيكل في الحفريات التي أجراها العديد من المختصين في إسرائيل في هذا الموضوع. يتم التعتيم على مثل تلك الدراسات ولكنها لقيت في نهاية المطاف طريقها للنشر العلني واطلعنا جميعا على ذلك. ويرى المؤلف أن إعطاء ما يشبه الحكم الذاتي للأماكن المقدسة في القدس كان الخطأ الرئيسي لموشي دايان بعد احتلال يونيو ,1967 وهذا يؤكد ما كان يرمي له الليكود من نزع الصفة المميزة في الإشراف على الأماكن المقدسة من الهيئات الإسلامية في القدس والأراضي الفلسطينية, وعلى أية حال فإن التدخلات الحكومية الإسرائيلية في عهدي العمل والليكود في عمل الهيئات الإسلامية واسع جدا وقد جرى توثيقه من قبل لجان القدس: اللجنة الملكية لشئون القدس في الأردن, والعديد من المؤسسات المقدسية وفي المقدمة منها بيت الشرق وجمعية الدراسات العربية, وفي خلال عقود الاحتلال فقد جرى إبعاد الشيخ عبد الحميد السائح الذي كان رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس, ومازالوا يرفضون عودته لمنزله حتى يومنا هذا رغم أنه جاوز التسعين من عمره, كما أبعدوا روحي الخطيب أمين القدس وغيره من الشخصيات المقدسية التي أصرت على استقلال عمل الهيئات المشرفة على الأماكن المقدسة, ولكن التدخلات الإسرائيلية كانت واسعة وأدت لإعتقالات وإبعادات على امتداد العقود الماضية. الموضوع الرئيسي الآخر الذي يتحدث عنه نافيه في هذه الحلقة, هو المخاوف المبالغ فيها من انتشار اللاسامية ومما يجري على الإنترنت من عداء لاسامي كما أنه يتحدث عن حوادث العنف التي وقعت ضد اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية وفي مناطق أخرى من العالم, ويزعم أن هناك انتشارا جديدا لدراسات ومقالات تنكر حدوث (الكارثة) ضد اليهود ويرى أن أهم إنجازاته في عهد الحكومة السابقة, هو المسابقة التي أعدها لطلاب المدارس حول مزاعم (إنكار المحرقة) فهؤلاء هم الجيل الثالث الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية بكثير وليس مرتبطا بما جرى لليهود في تلك الأثناء. لا بد من التعليق على هذا الموضوع الذي يتكرر بصورة واسعة في الكتابات الصهيونية وخاصة في الفترة الأخيرة, وهو المبالغة الواسعة في ظواهر لاسامية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. لا بد من القول بداية أن الحركة الصهيونية استثمرت العداء اللاسامي من أجل دفع اليهود للهجرة صوب اتجاه واحد هو فلسطين, ولابد من التأكيد أن الصهيونية تعادي بشكل واسع اندماج اليهود في مجتمعاتهم وكان ديفيد بن جوريون يرى أن يهودية اليهودي لا تكتمل إلا بالهجرة إلى فلسطين. ذلك لا يعني للحظة واحدة أن الحركة الصهيونية متحالفة مع النازيين كما يقول أنصار (نظرية المؤامرة) في الساحة العربية, ولكنه يعني الاستثمار الصهيوني للواقع الذي كان قد نشأ في أوروبا. تحضرني بهذه المناسبة ما جاء في كتاب اسحق شامير الأخير (أحاديث مع شامير) وما صرح به في مقابلاته الأخيرة وهو أنه من الضروري عمل كل ما يجب عمله لإحضار يهود الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسرائيل, وذلك يجب أن يكون, في رأيه, الهدف الرئيسي في هذا العقد الجديد. كيف يمكن فعل ذلك في أوساط ملايين اليهود الأمريكيين الذين كان يسميهم بن جوريون باستخفاف: (صهيونيو البر والإحسان) , والمندمجين في المجتمع الأمريكي بشكل كامل, ولا يفكرون بالهجرة على الإطلاق, لا صوب إسرائيل, ولا صوب أي مكان آخر. ذلك يتطلب إزعاجهم ومضايقتهم حتى يبدأوا التفكير بالهجرة, ولهذا فإن المبالغة في ظواهر الاعتداء على اليهود, كما حدث في شيكاغو, يستهدف دفع ما يمكن دفعه منهم للتفكير في الهجرة ومغادرة الوطن الذي عاشوا فيه وعاش فيه آباؤهم وأجدادهم. لا توجد طريقة أخرى لحثهم على الهجرة, فالإقناع الأيديولوجي لم يعد ممكنا, والأيديولوجية الصهيونية نفسها تعاني من كساد وانحسار, كما يقول رجالات الوكالة اليهودية أنفسهم. لعلنا نتذكر جميعا الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي, وكيف جرت حملة واسعة معادية لليهود تبين أن جزءا منها يعود لتحريك صهيوني من أجل حثهم للهجرة صوب إسرائيل, وذلك ما تحقق في نهاية المطاف حيث وصل أكثر من سبعمئة ألف يهودي من الإمبراطورية السوفييتية السابقة إلى إسرائيل في أقل من عقد من الزمن. وفي الخمسينيات جرى الكشف عن أحداث تعرض لها اليهود في العراق واليمن وتبين أنها تحريك صهيوني من أجل دفعهم للهجرة نحو فلسطين. المعادلة واضحة وليس فيها رائحة من فكر تآمري. إسرائيل تريد هجرة اليهود من البلدان التي يعيشون فيها وذلك يحتاج لأن يقبلوا ذلك وهم لا يقبلون على الهجرة ما داموا يعيشون مرتاحين كاملي الحقوق والواجبات في أوطانهم, والحل الوحيد هو مضايقتهم وتوسيع دائرة المبالغة في ظواهر اللاسامية حيثما يوجد يهود في هذا العالم. بضاعة الليكود أما موضوع إنكار ما يعرف (بالهولوكست) وهو مذبحة اليهود على أيدي النازيين, فمن الضروري التأكيد أن ما تعرض له اليهود على يد هتلر هو جريمة كبيرة بكل المقاييس وقد دفعنا نحن الفلسطينيين والعرب ثمن تلك الجريمة الهائلة التي لا علاقة لنا بها ولم نساهم فيها من قريب أو بعيد وبأية صورة من الصور, وكثيرا ما كتبت في دراساتي أن إقامة دولة لليهود في فلسطين كان أمرا مشكوكا فيه لو لم تحدث مذابح النازيين ضد اليهود في أوروبا بحيث تعاطف معهم العالم بعد ذلك وساند حركتهم الصهيونية واتجه اليهود أنفسهم لهذه (الصهيونية) بحثا عن ملاذ, وقد كانت قبل الحرب العالمية الثانية, حركة معزولة في أوساط أغلب يهود العالم وقال عنها رجالاتها أنفسهم إنها كانت (جيشا من الشحاذين والحمقى) , وكان اتجاه الانصهار في أوساط يهود العالم وخاصة أوروبا هو الاتجاه الأقوى وجاءت المذابح الهائلة التي تعرضوا لها آنذاك لتقلب الاتجاه العام رأسا على عقب: اتجاه شعوب أوروبا واتجاه يهود العالم, وانتصرت الصهيونية لأسباب عديدة في مقدمتها مآسي الحرب العالمية الثانية. لا مجال لإنكار حدوث المذابح ضد اليهود, وإذا كانت هناك أصوات قليلة تتحدث بذلك فهي أصوات محدودة, ولكن ما يجري في الأوساط السياسية والأكاديمية هو إعادة دراسة تلك المرحلة, على ضوء حقائق الحاضر وبأفق نقدي. في أوروبا قانون اسمه (منع المراجعة) أي منع مراجعة ما حدث في الحرب العالمية الثانية ومنع فتح ملف (محاكمات نورمبرج) , وقد استهدف الأوروبيون من ذلك إعطاء مجال جديد لحياة جديدة للأجيال الجديدة من دون أن تطاردها أشباح الماضي واستهدف الأوروبيون تجاوز الماضي بكل آلامه بحثا عن آفاق رحبة لعيش مشترك بين الشعوب الأوروبية. لكن أوروبا التي تؤمن بحق الباحث في إعادة النظر بكل المسلمات لا تستطيع أن تمنع الباحثين من إعادة قراءة تاريخ الحرب العالمية الثانية, وإذا كانت الصهيونية واثقة من روايتها بمقتل ستة ملايين يهودي فلماذا تقف ضد المراجعة ما دامت ستؤدي لإبراز الحقائق من جديد؟ سيكون هناك باحثون معادون للسامية يحاولون أن يقلبوا الحقائق لكنهم لن يستطيعوا ذلك إذا تم فتح الملف, ومعالجة الأمور بروح علمية اعتمادا على الوثائق والحقائق. وداني نافيه يريد للأجيال الجديدة في إسرائيل أن تتشبع بروح (الكارثة) وأن تبقى أسيرة الماضي وأسيرة المخاوف من الغد, وهي بضاعة الليكود واليمين في إسرائيل, الذي لا يريد للإسرائيليين أن يتحرروا من الخوف وأن يتحرروا من كوابيس الماضي البعيد, ولا يريد لهم أن يعيشوا مع جيرانهم بسلام. من يطرح شعار أن (الانسحاب من نابلس اليوم, يعني الانسحاب من تل أبيب غدا, يبشر شعبه بحرب أبدية) .