ورثت الحكومة السورية الجديدة برئاسة محمد مصطفى ميرو تركة ثقيلة من حكومة محمود الزعبي السابقة, وتبلغ هذه التركة من الثقل الى الحد الذي ادى بالمراقبين الى التساؤل: من اي الملفات تبدأ الحكومة السورية الجديدة! تراكمت الملفات المثقلة على مدى عقد التسعينيات حيث لم تتخذ حكومة الزعبي اية قرارات حاسمة لمعالجتها, وكانت الحكومة السورية السابقة تكتفي من حين لآخر بملامسة هذه الملفات على استحياء ولم تتخذ أي قرارات خلال عشر سنوات على طريق الاصلاح الاقتصادي. ووصلت البيروقراطية في سوريا الى مرحلة لم تقدم فيها الحكومة باقرار الموازنة العامة للدولة, ولأول مرة في تاريخ سوريا اقرت موازنة عام 1999 في عام 2000 اي بعد انتهاء كامل السنة المالية وهي مخالفة صريحة للدستور. وكان من الطبيعي في ظل هذا الواقع ان تتراكم المشكلات وتسود حالة لا مثيل لها من الركود ادت الى تراجع نمو الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الثابتة بنسبة 1.5% في عام 1998 في حين لم ينمو هذا الناتج سوى 1.4 في عام 1999 وكل ذلك بسبب عدم تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية وضعف الاستثمار الخاص. ومع ان الرئيس السوري حافظ الاسد حدد بدقة الملفات الاقتصادية التي تحتاج الى معالجة حاسمة وسريعة منذ بداية العام الماضي من خلال الكلمة التي وجهها الى مجلس الشعب (البرلمان) فإن الحكومة السابقة لم تقابل اي ملف من هذه الملفات وتجاهلتها تماماً الى ان جاءت الحكومة الجديدة التي تضم مواهب وكفاءات قادرة على قيادة عمليات التحديث والتطوير في الاقتصاد السوري. ومن المتوقع ان يكون لوزارة التخطيط التي يشغلها الدكتور عصام الزعيم الباحث الاقتصادي المعروف على المستوى العربي والدولي دور فاعل في عملية التحديث مما سيغير طبيعة عملها ومكانتها في الحكومة بحيث تصبح الدليل لكل الوزارات وبخاصة الاقتصاد والمالية. ولعل المهمة الاولى لحكومة ميرو محافظ حلب السابق هي اصدار حزمة متكاملة من القوانين التي تتيح مزاولة جميع الانشطة الاقتصادية بشفافية مع توفير التحفيزات الضرورية للاستثمارات وبناء صناعة وطنية متطورة. ومن الطبيعي ان تتصدر مهام الحكومة الجديدة زيادة الرواتب والاجور لذوي الدخل المحدود التي لم تعد ضرورة اجتماعية فحسب بل اقتصادية وحتى نفسية لتنشيط الطلب في السوق الداخلي وازالة حالة الركود والكساد التي اثرت على مجمل نشاط الاقتصاد الوطني. ويطالب الاقتصاديون وغرف التجارة والصناعة على مدى عقد التسعينيات بتحديث القوانين والتشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي للقطاعين العام والخاص والتخلص من موضوع ربط الاستيراد بالتصدير وتوحيد أسعار الصرف للقطاع الاجنبي والحد من تصدير المواد خاماً الى ادنى درجة ووضع قوانين ضرائبية عادلة وتحسين الوضع المعيشي واستغلال الموارد المتاحة. وكما ذكرنا آنفاً فإن امام الحكومة السورية الجديدة ملفات ضخمة وهي على الشكل التالي: ـ ملف تطوير النظام الديمقراطي. ـ ملف تحديث اجهزة الدولة. ـ ملف تطوير الانظمة النقدية والمصرفية. ـ ملف الزراعة كونها عماد الاقتصاد السوري. ـ ملف القطاع العام وتحريره من القيود. هذه الملفات لم تحاول حكومة الزعبي التعاطي معها بالجدية المطلوبة وبالتالي فإن على الحكومة الجديدة ان تعالج التركات الثقيلة وهذا ما سيكون بارزاً عندما تتقدم الحكومة ببيانها بعد فترة قصيرة الى مجلس الشعب حسب النظام الداخلي لتبين فيه سياستها وخططها. تتميز التجربة الديمقراطية في سوريا بالتعددية السياسية والاقتصادية وتستند الى اسس قوامها الواقعية وهذه التجربة ستكون في مقدمة مهام الحكومة لتطويرها وتعزيز النظام الديمقراطي لانها خيار وطني وطموح القوى السياسية في البلاد. فمن المهم في اجواء الحياة السورية توفير الظروف المناسبة التي تتيح لكل مواطن اداء دوره والمشاركة في القرارات وصياغة المشاريع والقوانين التي تفيد الوطن وفي ذلك ضمانة لتحقيق المسار الديمقراطي. كما ان من المهم ان تمارس المؤسسات الديمقراطية دورها كاملاً وفق ما حدده الدستور. ومن المهم ايضاً ان يكون هناك تعاون بين مجلس الشعب ومجالس الادارة المحلية والاجهزة الحكومية بحيث لا يكون على حساب اي دور من هذه المؤسسات وبخاصة مجلس الشعب الذي عليه ان يمارس بصورة فعالة دوره في الرقابة والمتابعة والمحاسبة لان هذه الممارسة لا تعبر عن ديمقراطية سليمة فقط بل هي حماية للحكومة من الوقوع في الخطأ. تحديث اجهزة الدولة هذا الملف يرتبط بالملف السابق بشكل عضوي اذ كيف يمكن دون ممارسة المؤسسات الديمقراطية لدورها ان تحقق عملية تحديث الاجهزة. ولا يخفى على أحد انتشار الفساد والتسيب الاداري في اجهزة الدولة خلال عهد الزعبي اذ ان التسيب والبيروقراطية والروتين وتجميد الاجور والتضخم وانتشار البطالة وغيرها الكثير ادى الى بروز ظاهرة الفساد بمختلف اشكاله, وقد نشرت وسائل الاعلام السورية حوادث كثيرة عن الاختلاسات بسبب وجود ثغرات في اجهزة الدولة لم تعالج فاستفحلت. عدم معالجة هذا الملف ادى الى استمرار حالات التقصير والاهمال والاساءة وكما هو معروف فإن تحديث اجهزة الدولة يقتضي تنمية الشعور بالمسئولية ورفع الكفاءة الادارية والمهنية من خلال قيام كل عامل في الدولة مهما علا موقعه بتحمل مسئولياته كاملة ووضع الحدود لكل من يتهرب من المسئولية لانها هي بالمحصلة اخلال بالواجبات الوطنية سواء كانت مسئولية القرار ام مسئولية التنفيذ ام مسئولية المراقبة والمتابعة. كما ان تحقيق التوازن الاقتصادي من الملفات الهامة امام الحكومة الذي يشمل على ضرورة تحقيق التوازن في الاقتصاد الوطني عبر العمل على زيادة الانتاج وتوسيع قاعدة التنمية والاستثمار ويشمل تطوير الانظمة المصرفية وتحديثها لتكون قادرة على جذب الادخار واموال المستثمرين, وامام الحكومة الجديدة مهمة اجراء التعديلات الاساسية على قانون الاستثمار واصدار الانظمة والاجراءات المتممة له كالسوق المالية والمدن الصناعية ومصارف الاستثمار والغاء القوانين المعيقة للاستثمار كالقانون 24 او تعديل بعضها الآخر كقانون الايجار وقانون التجارة وقانون العلاقات الزراعية والقوانين المالية والضريبية. تحرير القطاع العام كان هذا الملف مفتوحاً ومطروحاً للنقاش منذ منتصف الثمانينيات بهدف تحريره من القيود الادارية والمالية ومع ذلك فإن اي اجراء جدي وملموس لم يتخذ بشأنه وبما ان هذا القطاع يشكل القاعدة الرئيسية للاقتصاد الوطني وعامل التوازن الاقتصادي والاجتماعي فإن من اولى واجبات الحكومة الجديدة تحريره من القيود ووضع انظمة متطورة تتيح له حرية العمل والتحرك وبهامش عريض من الاستقلالية في اطار الخطة العامة للدولة. ومن مهام الحكومة في المرحلة الحالية ان تحقق للقطاع العام شروط المنافسة اسوة بالقطاعات الاخرى لانه لا يستطيع ان يفعل ذلك وهو مكبل بسلسلة محكمة من الانظمة والقوانين منذ سنوات طويلة وريثما تعمل الحكومة على تحديث الانظمة والقوانين فإن من الاهمية القصوى ان تبادر بسرعة الى الغاء القرارات والتعاميم والبلاغات التي اصدرتها الحكومة السابقة والتي ادت الى زيادة التعقيدات والارباكات وانعكست سلباً على النشاط الاقتصادي وان الالغاء بات ضرورياً ليصبح القطاع العام اكثر قدرة على التعاطي مع اقتصاد السوق ومع الاستحقاقات القائمة والقادمة مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والشراكة مع اوروبا ومنظمة التجارة العالمية. ان المرحلة المقبلة من عمل الحكومة تحتاج الى معالجات سريعة وفعالة وهي مهمة غير سهلة على الاطلاق. دمشق ـ يوسف البجيرمي