ترصد سوريا اعتمادات كبيرة وتتخذ اجراءات عملية لمواجهة العجز المائي معززة سعيها باعتماد التقنيات الحديثة عدا عن الجهود الحثيثة لدراسة مواردها المائية على المستوى القومي والقطري. ويواجه هذا السعي تحديات تفرضها المرحلة, منها الجفاف، الذي يجتاح سوريا لاسباب كثيرة منها ندرة الهطولات المطرية وتقليل حصص سوريا من مياه الفرات النابعة من تركيا واثر ذلك بشكل سلبي على مناسيب المياه الجوفية والمحاصيل الزراعية. ذلك دفع حكومة سوريا بانتهاج استراتيجية تأخذ في اعتبارها البدائل المتاحة, وضمنت هذه الاستراتيجية خطه للتغلب على العجز وترشيد المياه لوقف تفاقم ندرة المياه. عن مفردات هذه الخطة يتحدث وزير الري السوري عبدالرحمن المدني لـ (البيان) متناولا التشريعات والمفردات للخطة المقصودة كما يتناول التحديات التي تواجه تنفيذها. يقول الوزير السوري عن اثار موجة الجفاف السلبية على المحاصيل وكيفية تعامل سوريا مع تبعيات هذا الجفاف واجراءاتها. لقد اعتمدت سوريا استراتيجية اخذت في اعتبارها البدائل المتاحة لتجاوز الفجوة المائية الحالية مابين العرض والطلب, بين الموارد المائية المتاحة والاحتياطات الفعلية للاستهلاك مع الميزة البيئية لكل بديل بهدف تنمية واستحداث موارد مائية جديدة مع الاخذ بضرورة التكامل بين كل الموارد. وتأتي هذه الجهود في اطار خطة الوزارة للتغلب على العجز المائي وترشيد هدر كميات المياه خاصة وان مشكلة الندرة تتفاقم كنتيجة منطقية لتزايد الطلب على المياه وتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية. وانطلاقا من تناقص الموارد المائية مع موسم (الجفاف) كانت ضرورة تطوير السياسات المائية لترشيد استخدام المياه وتقليل المفقود منها بشتى الوسائل الممكنة ورفع كفاءة استخداماتها وصولا للاستغلال الامثل لها. كما تعمل سوريا على تطبيق مجموعة من الاجراءات في ترشيد الاستهلاك المتاح عبر تطوير نظم الري واستخدام التقنيات الحديثة, ودراسة الاحتياجات المائية للمحاصيل المختلفة في مراحل نموها وبالاراضي المختلفة, واعادة تصميم الدورات الزراعية عن طريق مراجعة وتعديل المحصول, بشكل يتفق مع الموارد المائية المتاحة بغرض عدم التوسع, وزيادة نسبة التكثيف الزراعي والعمل على التقليل من زراعة المحاصيل عالية الاستهلاك للمياه ببدائل اقل استهلاكا, اضافة للعمل على كفاءة الري الحقلي بالتعاون مع الفلاحين واستخدام الاجهزة المتطورة للتحكم في تزويد الاقنية المختلفة بمياه الري. وتعمل سوريا على تنمية الموارد المائية المتاحة عبر بناء العديد من مشاريع السدود والخزانات ولا تزال هناك الكثير من الدراسات لانشاء مشاريع ري حفاظا على الموارد المتاحة وتنميتها. * الى اين وصلت سوريا في مجال مشاريع الري والسدود, وهل مازالت دون المستوى المطلوب؟ ـ تولي سوريا اهتماما كبيرا بمشاريع الري لتأسيس احتياجات المواطن المائية للشرب والصناعة وتأمين الغذاء بزيادة الاراضي المروية, ففي السبعينيات لم يكن عدد سكان سوريا الا بضعة ملايين ويفتقرون الى كل شيء وكانت مساحة الاراضي المروية في سوريا لا تتجاوز 400 الف هكتار يستثمر اغلبها بالطرق البدائية, لذلك عملت سوريا على حسن استخدام المياه .. وبناء عدد كبير من السدود الصغيرة والمتوسطة والكبيرة واقيم 146 سدا بحجم تخزيني اجمالي 17.014 مليار متر مكعب اضافة الى 13 سدا قيد التنفيذ حاليا بحجم تخزين اجمالي حوالي 3.62 مليارات متر مكعب من المياه. وبلغت مساحة الاراضي المروية حتى عام 98 من مياه السدود والانهار والابار 1.210 مليون هكتار وانتقلت سوريا من بلد مستورد للغذاء الى بلد مصدر بالوفرة. وتقسم سوريا الى سبعة احواض مائية هي: * حوض دجلة والخابور بطاقة تخزينية .. 2.388 مليار م3 . * حوض البادية بطاقة تخزينية 350 مليون م3. * حوض الساحل بطاقة تخزينية 2.35 مليار م3. * حوض اليرموك بطاقة تخزينية 450 مليون م3. * حوض الفرات بطاقة تخزينية 30.5 مليار م3 * حوض العاصي بطاقة تخزينية 2.7 مليار م3. * حوض بردى والاعوج بطاقة تخزينية 820 مليون م3. وتبلغ مجموعة واردات سوريا من المياه بحدود 10 مليارات متر مكعب بالسنة ماعدا حصة سوريا من مياه نهري الفرات ودجلة والتي تسعى للوصول الى اقتسام مياه هذين النهرين وفق الاعراف الدولية والمحافظة على حق سوريا المكتسب والتاريخي بهذه المياه. اتفاقات ... وتحديات * ماذا عن الافاق الجديدة لعلاقات التعاون بين سوريا والاردن في مجال المياه .. والى اين وصلتم في مراحل بناء سد الوحدة؟ ـ بناء على نتائج القمة بين الرئيس الاسد والملك عبدالله تم تفعيل اللجان المشتركة وكانت البداية في مجال المياه حيث عقدت اجتماعات عمل موسعة بين الجانبين السوري والاردني وتم بحث توجيه الرئيس حافظ الاسد باعطاء الاردن 8 ملايين متر مكعب الصيف الماضي لتأمين جزء من حاجته لمياه الشرب نظرا لقلة وشح المياه فيه. واكد الجانبان ضرورة تأمين سلامة المياه ومنع تلوثها. كما تم الاتفاق على المباشرة بتنفيذ سد الوحدة حسب الاتفاقية الموقعة بين سوريا والاردن عام 1987 ووضع الكشف التقديري الجدي لقيمة المشروع. وبحث الطرفان عن مصادر تمويل بالقطع الاجنبي للمشروع مع اعطاء الافضلية لصناديق التنمية العربية حيث تم قبل ايام الاتفاق مع الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي لتمويل المشروع وسينفذ السد خبرات سورية ـ اردنية مشتركة بكلفة تقديرية 300 مليون دولار ويصل مخزونه الى 225 مليون م3 تستفيد منه الاردن في ري وادي الاردن ولمياه الشرب .. وتستفيد منه سوريا في مجال الكهرباء. * تسهم مجموعة من الاعتبارات النابعة من الحقائق الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية في صياغة المشهد المائي في سوريا وجوارها الجغرافي .. لو نتحدث عن هذه الاعتبارات والتحديات التي تشكل آليات التفاعل في اطار مسألة المياه؟ ـ الاعتبار الاول: وهو نابع من ذلك التناقض القائم بين الحدود السياسية للدول واتجاهات تدفق الموارد المائية سواء السطحية (الانهار) او الجوفية (الاحواض المائية الجوفية). ويكتسب هذا الاعتبار اهميته عموما لكون 40% من سكان العالم يعتمدون على انظمة نهرية تشترك فيها دولتان او اكثر. كما يتجلى هذا الاعتبار بشكل خاص في سوريا حيث ان النهرين الاساسيين هما (دجلة والفرات) وهما ذوا طبيعة دولية. والملاحظة الجديرة بالاهتمام ان تلك الانهار تنبع من بلدان غير عربية وتجري وتصب في بلدان عربية ونظريا فان لدول المنبع ميزة استراتيجية في مواجهة دول المجرى والمصب. الاعتبار الثاني: وينبع من حاجة المشروعات المائية الى استثمارات ضخمة .. وامكانات تكنولوجية عالية مما يدفع اغلب الدولة الراغبة في الاستثمار الامثل للمياه المتاحة لديها الى طلب الدعم المالي والتكنولوجي من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي. والاعتبار الثالث: وهو ينبع من وجود اسرائيل في قلب المنطقة العربية, وما سبق هذا الوجود من تحركات ديبلوماسية وعمليات عسكرية .. اذ يتضمن المشروع الصهيوني باستمرار هاجسا مائيا يرتبط بالطموح التوسعي الاستيطاني من جهة والرغبة في الهيمنة من جهة اخرى .. وما مياه الجولان المحتلة الا خير دليل. * كيف تواجه سوريا السياسة الدولية السائرة نحو (تسعير المياه .. واعتبارها سلعة اقتصادية تباع وتشترى) ؟ ـ استطاعت سوريا توجيه تفكير الجميع الى الحقائق التي لا يمكن التخلي عنها .. آخذة بعين الاعتبار مصالح جميع الدول وترى انه لمصلحة شعوب البلدان النامية والبلدان في طريق النمو اعتماد استثمارات لتنظيم استخدام المياه .. والمحافظة عليها من التلوث .. وترشيد استثمارها . واسترداد تكاليف هذه الاستثمارات او جزء منها حسب الوضع الاجتماعي لمواطنيها بما يحقق التنمية المستدامة. وفيما يتعلق باتفاقية (استخدام المجاري المائية الدولية) بحسب الاغراض غير الملاحية .. شددت سوريا على التعاون في المسائل المتعلقة بالمجاري المائية الدولية عابرة للحدود كانت ام حدودية مع الاخذ بعين الاعتبار الترتيبات والآليات الملائمة ومصالح جميع الدول المتشاطئة فيما يتعلق بتطوير وادارة واستخدام هذه المصادر المائية بشكل فعال. ديمومة الموارد المائية * كيف تجسد سوريا مفهوم التنمية المستدامة .. والى اين وصلت في مجال الحفاظ على الموارد المائية؟ ـ جسدت سوريا مفهوم التنمية المستدامة من خلال تنفيذ الخطط السنوية والخمسية وطويلة الاجل .. ومتابعة مشاريع الري وتذليل كافة العقبات. فحماية المصادر المائية من الاستنزاف والتلوث والمحافظة عليها والاستثمار بحدود المتجدد منها والسعي على حصتنا العادلة والمعقولة من مياه الانهار الدولية المشتركة وخاصة نهري الفرات ودجلة .. ليست سوى شواهد على العمل الدؤوب لتنمية مستدامة لجميع المصادر الطبيعية اقتصادية كانت ام اجتماعية في سبيل تحقيق سعادة ورفاه الانسانية. وترسيخا لمبدأ التنمية المستدامة عملنا على ادارة المصادر المائية بعد تطبيق مبدأ الادارة المتكاملة للحوض المائي, واصدرنا تشريعات صارمة للحفاظ على مخزون المياه الجوفية بعد ان وصلت حدا صعبا .. ومنعنا الحفر العشوائي للابار والاستنزاف المائي .. وعملنا على مراقبة نوعية المياه من خلال شبكات رصد منتشرة .. تتألف من 207 نقاط رصد للمياه السطحية والجوفية. * ماهي البدائل الفنية التي تعتمدها سوريا لتجاوز فجوة الموارد المائية والعجز المائي الذي يتفاقم !؟. ـ هناك العديد من البدائل المطروحة لتجاوز الفجوة المائية الحالية مابين العرض والطلب في سوريا .. وتقع هذه البدائل ضمن ثلاثة اطر رئيسية تعتمدها لتقليل المفقود من المياه بشتى الوسائل الممكنة وصولا للاستغلال الامثل للموارد المائية وهي: اولا: ترشيد استهلاك الموارد المائية المتاحة من خلال اتباع عدة اساليب كرفع صيانة وتطوير شبكات نقل وتوزيع المياه .. ورفع كفاءة الري الحقلي وتغيير التركيب المحصولي وتطوير نظم الري وادخال الطرق الحديثة في توزيع المياه. ثانيا: تنمية الموارد المائية المتاحة: عبر بناء مشروعات السدود والخزانات, وتقليل المفقود من البحر من اسطح الخزانات والمجاري المائية. ثالثا: استحداث موارد مائية جديدة من خلال اضافة موارد مائية تقليدية (مياه سطحية ـ مياه جوفية) وموارد مائية غير تقليدية ـ اصطناعية كاعادة استخدام مياه الصرف ومياه التحلية. وتعمل سوريا على اعتماد استراتيجية متكاملة تأخذ في اعتبارها كافة البدائل المتاحة والميزة النسبية لكل بديل بهدف تنمية وترشيد واستحداث موارد مائية مع الاخذ في الاعتبار التكامل بين كل الموارد. تقنيات حديثة * تنفذ سوريا مجموعة من التقنيات الحديثة بهدف تنمية مواردها المائية .. ماهي ابرز هذه التقنيات .. والى اي مدى استطاع نجاحها ان يساهم في استحداث موارد جديدة؟ ـ هناك تقنيتان جديدتان ساهمتا بالفعل في تنمية موارد مائية اضافية وهما تقنية التغذية الصنعية وتقنية استمطار السحب .. ففوائد تطوير تخزين الموارد المائية الجوفية بواسطة طرق التغذية الصنعية كجزء من السياسة المائية الحالية للموارد الاضافية في سوريا هي وسيلة جيدة لتنمية وتطوير الموارد المائية في البلاد شبه الجافة ذات المناطق الصحراوية كبلادنا واحتمالات تطبيقها جيدة, والتخزين الاضافي تحت سطح الارض ومباشرة تحت التربة سيزيد من الماء المتاح وذلك لاستعماله في الفصول الشحيحة, حيث تخزن هذه المياه ايام الشتاء وتستعمل في الصيف بدلا من تخزينها على السطح حيث تعرض للضياع والتبخر. وقد انشئت سدود عديدة لجمع المياه السطحية كي ترشح بعد ذلك الى جوف الارض وتخزن فيها, حيث يرتفع حجم الموارد المائية الجوفية في مناطق البادية السورية والصحراوية وهناك مشروع رائد للتغذية الصنعية يقع في منطقة العدوي قرب دمشق والذي ستظهر نتائجه قريبا. اما مشروع استمطار السحب فقد بدأ في سوريا عام 1991 واعتبر هذا المشروع ناجحا وفاعليته جيدة حيث تبين من خلال المراقبات الجوية والمطرية ان الهطول المطري ازداد نسبيا ووصل الى 24% في مناطق التجربة التي اجريت عام 91 بكلفة اجمالية قدرت بحوالي (0.002 ـ 0.008) ليرة سورية للمتر المكعب الواحد. ومن خلال المتابعة وجدنا ان هذا المشروع مناسب للمناخ السوري ويمكن ان يزيد الهطول المطري بنسبة تتراوح مابين 15 ـ 25% وبزيادة اجمالية لكميات الهطول السنوية التي قدرت بحوالي (2.5 ـ 5) مليار متر مكعب سنويا على القطر في المناطق التي اجريت عليها تجارب استمطار السحب وكانت مناسبة. * هناك من يقول ان المشكلة ليست في كميات المياه بل في نوعيتها خاصة ما يتعلق بمياه الشرب, ماهي الاجراءات المتخذة لمكافحة هذا الواقع .. وهل هي مجدية؟ ـ بسبب وجود بعض ظواهر التلوث الناتجة عن مسببات مختلفة . اعطت سوريا هذه الظواهر الاهمية المطلوبة والاهتمام الكافي, لذلك انشئت مديرية مكافحة تلوث المياه التي تقوم بمراقبة نوعية المياه للانهار الرئيسية والبحيرات والينابيع والمياه الجوفية في المواقع الاستراتيجية في سوريا. كذلك تقوم المديرية بمراقبة مصادر التلوث .. وتعطي المشورة اللازمة لكافة مسبيي التلوث الصناعي وغيره, ان المعالجة المناسبة واعادة استعمال مياه الصرف الصحي لا تتغلب فقط على مشكلة تلوث المياه, بل تقوم ايضا بالتخفيف من مشكلة العجز المائي, لذا تعتبر اعادة استعمال مياه الصرف جزءا مكملا للسياسة المائية والتنمية المستدامة. * كيف يمكن مواجهة التحديات المائية المطروحة ... وماهي الادوات المتاحة لهذه المجابهة؟ وهل ثمة ادوات ينبغي اقامتها لادارة سياسية مائية ناجحة في مواجهة ازمة المياه القائمة؟ ـ ان اغلب الدراسات التي تناولت الازمة المائية كانت معنية بالاساس بعملية ادراك ازمة المياه وذلك بتعيين حدودها واضاءة مختلف جوانبها. ومع ضآلة الكتابات التحليلية المتعمقة كما وكيفا فان عملية الادراك هذه بدت ناقصة ويشوبها قدر من قصور الرؤية. لكن هذا القصور لا يرجع الى قصور في الامكانات البحثية والمنهجية لدى الباحثين, وانما يرجع اساسا الى غياب قاعدة بيانات ومعلومات كافية لاداء المهام البحثية, وكذلك غياب الآلية المؤسسية الضرورية للمشروع في توفير هذه القاعدة المعلوماتية واتاحتها لاغراض البحث بما يتناسب مع حجم المشكلة المائية المطروحة. لذلك فان نقطة البدء في التعامل المستقبلي الناضج مع المشكلة المائية في ايجاد آلية مؤسسية تمتلك القدرات والامكانات اللازمة للقيام بهذه المهمة. * كيف يمكن ايجاد بديل عربي يسهم في تحقيق التنمية المستقلة الشاملة في مواجهة الظروف الحالية؟ ـ من خلال اقامة مركز بحثي راق يضم كافة التخصصات والخبرات اللازمة للتعامل مع الشئون المائية بحيث لا يقتصر التعامل على الجانب التقني/ الفني بل يمتد الى الجوانب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتكنولوجية. دمشق يوسف البجيرمي