تغنى العرب بالفرات قبل الاسلام فوصفوا كل ماء عذب بالفرات وقالوا عنه انه نهر عظيمة بركته, ولو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب. وقد وردت كلمة فرات في القرآن الكريم في مواطن عديدة (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ...) (فاطر:12). كما ورد في السنة النبوية على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر نهر الفرات اذ عده من انهار الجنة . وانطلاقا من هنا جاءت محاضرة المهندس وليد رضوان بعنوان (نهر الفرات ودوره التنموي في سوريا) لتلقي الضوء على دور واهمية المياه بالنسبة لدول منطقتنا عموما, وبالنسبة الى سوريا وتركيا والعراق بشكل خاص حيث يخشى المراقبون من احتمال نشوب ازمة كبرى يكون سببها المياه. فمن المعروف ان الحجم الكلي للمياه على سطح كرتنا الارضية يقارب 1360 مليارم,3 حيث 97% منها موجودة في البحار والمحيطات و 2% في الطبقات الجليدية, وتعتبر مياه الامطار والمياه الجوفية والانهار والبحيرات والينابيع من اهم مصادر المياه العذبة .. وتدل الاحصائيات ان كمية المياه العذبة التي يستهلكها سكان الارض تعادل 10% فقط من الموارد الطبيعية سنويا. ورغم انه من الممكن الاقتصاد في استهلاك المياه الا انه من الصعوبة بمكان تلبية احتياجات بعض دول الشرق الاوسط من المياه, وقد تنبأ المحللون بان المنطقة ستواجه نقصا سنويا مقداره 100 مليار متر مكعب وان قضية المياه ستكون القضية المهيمنة في المنطقة عام 2000. وتساءل المحاضر عن مصادر المياه في دول مثل سوريا وتركيا فأكد ان الآراء تتضارب بخصوص المصادر المائية السورية فهناك من يقول ان مجموع الموارد السورية يبلغ 82.5 مليار م3 سنويا يأتي نصفها تقريبا من الامطار, و 30% من الانهار والوديان ولا تتجاوز كمية الينابيع والمياه الجوفية 5.6 مليارات م3 سنويا, وهناك من يؤكد ان واردات سوريا من مصادرها المائية تبلغ 45.8 مليار م3 سنويا من مياه الامطار و 33 مليار م2 من الانهار الداخلية والدولية, و 5.935 مليارات م3 من الينابيع الجوفية, وان مجموع الموارد المتاحة للاستثمار من المياه الآتية من الانهار والينابيع والأودية والمياه الجوفية لا يتجاوز 22 مليار م3 سنويا. ورغم ان سوريا تعد من الدول محدودة الموارد المائية الا انه ليس هناك خطر حقيقي يهدد امدادات المياه للنشاطات الصناعية والخدمية لانها لاتستهلك اكثر من 15%, بينما تستهلك الزراعة 10.64 مليارات م3 سنويا ويستهلك السكان 4.7% من المياه الكلية المستخدمة, وحسب تقديرات منظمة الفاو فان نصيب الفرد (18 مليونا عدد سكان سوريا عام 2000) يبلغ (1008)م3 بالسنة. وبالنسبة الى تركيا التي سيصل عدد سكانها عام 2000 الى 68 مليونا فان احتياجاتها المائية تبلغ 19.5 مليار م3 سنويا, وهي على عكس غيرها من دول المنطقة يوفر لها موقعها الجغرافي امطارا غزيرة, وتسمح مناطقها الجبلية بتجمع هذه الامطار لاقامة السدود الكبرى, وتقدر بعض المصادر العربية حجم الموارد المائية المتاحة في تركيا بـ (250) مليار م3 سنويا, وبلغ نصيب الفرد التركي من المياه عام 1990 4500م3 , وسوف ينخفض عام 2025 الى 3000م3 اي انها ليست بدولة ندرة مائية. ومن هنا تنتج اهمية الانهار بالنسبة الى سوريا وخاصة نهر الفرات فهو ذو اهمية قصوى, لها لان مواردها المائية الشحيحة بالمقارنة مع العراق وتركيا من جهة وكون الانهار في سوريا تشكل عمليا اكثر من 80% من مصادرها المائية المتاحة من جهة اخرى, ويمكن تصنيف الانهار السورية الى مجموعتين: * الاولى: الانهار الدولية المشتركة بين سوريا وتركيا وغيرها من الدول ويدخل في اطار هذه المجموعة الانهار التالية: الفرات ودجلة والعاصي واليرموك وجغجغ والساجور وعفرين وغيرها ومعظمها تنبع من تركيا. * الثانية: الانهار الداخلية وهي الخابور والبليخ والسن وبردى وبانياس. ويلاحظ ان اغلب الانهار الدولية قد هبط تصريفه السنوي مثل نهر جغجغ الى 1.5 م3 بالثانية بسبب المشاريع التركية عليه وكذلك نهر عفرين فقد انخفض تصريفه من 9.7م2 ثا الى 3م3 ثا وكذلك الامر بالنسبة الى نهر الساجور فقد تناقص معدل تدفقه في السنوات الاخيرة نظرا لاستخدامات المياه في الجانب التركي. ونظرا لكون نهر دجلة دوليا عابرا للحدود السورية فان الاستفادة منه ضئيلة جدا في سوريا ولذا يمثل هر الفرات اكثر من 72% من كمية مياه الانهار في سوريا و 83% من مصادرها المائية النهرية. وتتفق الآراء السورية والتركية حول كمية مصادر مياه الفرات التي تنبع من تركيا, فمياه الفرات من المصدر التركي تشكل حوالي 88% من مياه النهر و 12% من روافده في سوريا. جغرافية الفرات وفيما يخص الدراسة الجغرافية لنهر الفرات اكد المهندس وليد رضوان على ان اهم ينابيع الفرات تقع في اعالي الهضبة الارمنية في سفوح جبال طوروس ويتكون هناك رافدان رئيسيان له هما: فرات صو (وطوله 400كم و (مراد صو) وطوله 600 كم ويتجهان بعدها من الشرق الى الغرب ليلتقيا معا في موقع (كيبان) كما يلتقي معهما رافد ثالث هو (متزور) وهكذا يتشكل نهر الفرات المتعارف عليه, ومن ثم يتجه بعد ذلك نحو الجنوب مخترقا جبال طوروس الى الحدود السورية عند مدينة (جرابلس) ويبلغ طول نهر الفرات من نقطة التقاء رافديه 2300كم, 1200 كم منها في العراق و 680 كم في سوريا, والباقي 420كم في تركيا, وهناك مصادر اخرى تقول ان طوله حتى مصبه في الخليج العربي يبلغ 2300 كم 442كم في تركيا و 675 كم في سوريا و 1213 كم في العراق. ويجري النهر في الاراضي السورية مسافة تقارب من 680 كم بين جرابلس والبوكمال ويرفده في الحسكة ودير الزور نهر الخابور والساجور وتبلغ مساحة حوض الفرات 444 الف كم2 تساهم سوريا بـ 16% فقط منها, ويختلف الايراد المائي للنهر من سنة الى اخرى. ففي متابعة في تركيا يبلغ معدل الامطار 1000 مم سنويا بينما يصل في سوريا الى 250 ـ 300 ملم وعلى الحدود السورية العراقية الى 100 ملم. ويفقد الفرات قسما كبيرا من مياهه بالرشح والتبخر بسبب ارتفاع درجة الحرارة لكن هذا الفقد يكون اقل في تركيا بسبب انخفاض درجات الحرارة, لكنها تكون مرتفعة في سوريا وقد تصل الى 43 درجة مئوية, ويقدر الوارد السنوي لمياه النهر في تركيا بـ 19 مليار م3 اما على الحدود السورية العراقية فيصل الى 27 مليار م3. وحسب المصادر السورية فان معدل تدفق النهر وسطيا كان بين عامي 1937 ـ 1964 في موقع السد في الثورة 28 مليار م,3 والحق يقال ان تدفق مياه نهر الفرات قد انخفض عند الحدود السورية التركية واصبح لايتجاوز الآن 500م3.ثا وهو اقل من نصف تدفقه قبل عشر سنوات, وحسب مصادر محايدة فان تدفق النهر على الحدود السورية التركية قبل بدء مشروع تطوير جنوب الاناضول بلغ 30.2مليار م3/سنويا لكنه انخفض عام 1987 الى 15.7 مليار م3/ سنة. وبشكل عام يعتبر الفرات نهرا غير منتظم الجريان اذ يتدفق حوالي نصف وارده من المياه خلال شهري يناير ومايو, ويختلف المعدل الوسطي لتدفقه بين السنوات الاخيرة جدا والجافة, فيصل مثلا في السنوات الاخيرة الى 65 مليار م3 (1300مص/ ثا) وفي السنوات العادية 27 مليار م3 (850 م3 /ثا) وفي السنوات الجافة الى 14 مليار م3 (450م3/ثا). واما اهم الموارد السطحية في حوض الفرات فهي: * نهر الفرات ويبلغ متوسط تصريفه السنوي في موقع الطبقة 26 مليار م3. * نهر البليخ, متوسط تصريفه السنوي 150 مليون م3 * نهر الخابور, ينبع من رأس العين وهي من اهم ينابيع العالم وبلغ متوسط تصريفه السنوي حتى اواخر الثمانينيات 40م3/ثا (1.5 مليار م3 من المياه) وقد انخفض بشكل حاد في السنوات الاخرية. * نهر الساجور وينبغ رافد الفرات هذا من تركيا ويبلغ متوسط تصريفه السنوي حوالي 600 مليون م3 من المياه. يعتقد بعض الباحثين انه يسيطر على الدول المتشاطئة على نهر الفرات جنون المشاريع التنموية في مجال المياه على حساب حقوق واحتياجات الدول الاخرى وعلى حساب نوعية المياه ايضا, ومن هنا تلوح في الافق ازمة قد تتطور في المستقبل وسنرى ذلك من خلال استعراض احتياجات الدول من المياه. ففي سوريا وقبل السبعينيات كانت مساحة الاراضي السورية التي يرويها نهر الفرات لا تتجاوز (194) الف هكتار بينما تريد سوريا ري 542.275 الف هكتار الآن و 1146.3 الف هكتار في تركيا, وكي تكون فكرتنا واضحة عن احتياجات كل من سوريا وتركيا من نهر الفرات لابد من معرفة حجم المنشآت الزراعية الحالية والمستقبلية لكل دولة على حده. فسوريا كما قلنا تود ري 542.275 الف هكتار في العقد المقبل ومجموع المساحات الزراعية المراد ريها من ماء الفرات يبلغ 636.275 الف هكتار وهذه المساحات تحتاج الى 13.263 مليار م,3 ويبلغ في النهاية صافي الاحتياجات المائية السورية من نهر الفرات 10.8 مليارات م,3 وهذا الرقم يمثل 34% من جريان النهر. اما في تركيا فقد بلغ حجم المنشآت الزراعية المنفذة حاليا 1300 الف هكتار ويراد ري 1.1463 مليون هكتار, اضافي, وتبلغ الاحتياجات المائية لري مجموع هذه المساحات وسطيا حوالي (15.7) مليار م3 من المياه سنويا, وهذه الكمية تمثل اكثر من 50% من نسبة جريان النهر كله. احتياطيات النهر واذا كانت الاحتياجات السورية من مياه نهر الفرات حتى عام 2000 هي بحوالي 11 مليار م3 سنويا والاحتياجات التركية 15.7 مليار م3 والاحتياجات العراقية 13 مليار/م3 يكون المجموع العام للاحتياجات المائية للدول الثلاث كحد ادنى هو 39.7 مليار م3 سنويا, واذا عرفنا ان متوسط الايراد السنوي للنهر لا يتجاوز 27 مليار م3 نستنتج ان هناك عجزا مائيا يبلغ اكثر من 10 مليارات م3/ سنويا ذلك لان كمية المياه اللازمة للمشاريع الزراعية القائمة للدول الثلاث تفوق كمية الوارد المائي للنهر باكثر من مرة ونصف, ولذا فان المساحة الاجمالية للاراضي التي يمكن ريها من النهر في البلدان الثلاثة يجب ألا تتجاوز 2.5 مليون هكتار. واذا اخذنا بعين الاعتبار آخر اتفاق عقد بين سوريا وتركيا وهو بروتوكول 1987 والذي ينص على تدفق 500م3/ثا من المياه عند الحدود السورية التركية والاتفاق العراقي السوري عام 1990 والذي ينص على تدفق مانسبته 42% الى سوريا و 58% الى العراق فان الوضع المائي الراهن يعطي سوريا حصة من مياه النهر لا تتجاوز 6.627 مليارات م3 سنويا وهي لا تكفي لري 308 الاف هكتار من اصل 640 الف هكتار تريد سوريا ريها, وحسب المصادر فان كل مليار م3 من المياه تنقص من حصة سوريا يعني خروج 26 الف هكتار من الاراضي الزراعية وتحويلها الى اراض غير صالحة للزراعة. واذا علمنا ان ما سوف تحتاجه تركيا من النهر عندما تنتهي من مشاريع تطوير جنوب شرق الاناضول في منتصف العقد المقبل يصل الى 24 مليار م3/ سنويا نستنتج ان هناك مشكلة حقيقية لابد من حلها في القريب العاجل قبل ان تتحول الى سبب للصراع او حدوث ازمات حادة تهدد مصالح الالاف من الاسر كما حدث عام 1996 حيث دخلت الازمة بين سويا وتركيا منحى جديدا عندما بدأت تركيا تسرب مياه ملوثة عبر نهر البليخ واكدت المصادر وجود مخلفات صناعية سامة فيها اضافة الى مياه الصرف الصحي ومازالت هذه المياه الملوثة مستمرة في التدفق منذ عام 1996, كما لوحظ ايضا وجود نسب مختلفة من شوارد الفوسفات والكالسيوم والكبريتات والنشادر وكلها تتسبب في اتلاف الموسم الزراعي علي ضفتي الخليج. وعلى الرغم من الهدوء الحذر الذي يسود علاقات الدول المتشاطئة على نهر الفرات الا ان المشكلة مازالت قائمة كما اسلفنا سابقا ويبدو ان العامل السياسي هو الذي يلعب الدور الاكبر هنا وان ايجاد الحلول المناسبة لاية مشكلة قد تحدث في المستقبل يجب ان يقوم على اساس التعاون بين الدول بحيث تضمن التوزيع العادل للمياه حسب القوانين والانظمة الدولية المختصة.