تظهر برقيات التهاني التي بعث بها رؤساء دول البلطيق إلى فلاديمير بوتين الزعيم المنتخب الجديد لروسيا أن أستونيا ولاتفيا وليتوانيا على استعداد للعمل مع الجاسوس السابق هادئ الصوت. إلا أن خلف الستار ينتاب دول البلطيق قلق عميق من مأرب بوتين الرامي إلى إعادة بناء روسيا من أجل استعادة وضع (القوة العظمى) . ويخشى الكثيرون على طرف الحدود الغربية لروسيا من إقدام بوتين على محاولة العبث بهدوء بالتوازن الدبلوماسي الذي ما زال يتسم بالحساسية والسائد في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في عام ,1991 تماما مثل إشرافه بهدوء على الحرب الدائرة في الشيشان. والرئيس الاستواني لينارت ميري لم يكتف بتهنئة بوتين فور فوزه في الانتخابات ولكنه سارع بطلب التوصل إلى (تفاهم متبادل) . فهل هذا مجرد لغة دبلوماسية؟ الجواب على ذلك بنعم ولا أيضا. ذلك أن روسيا في عهد بوريس يلتسين منحت أستونيا وجيرانها الاستقلال, ولكنها أيضا وجهت إليهم تهديدات بفرض عقوبات اقتصادية كما وجهت لهم اتهامات لا أساس لها من الصحة بإضمار (نزعات فاشستية) , ونادرا ما منحتهم شيئا اسمه (التفاهم المتبادل) . وسياسات يلتسين تجاه دول البلطيق, وإن كانت في معظم الاحوال غير ودية, أخذت طابع النعاس بصفة عامة مثل حالة الرئيس السابق نفسه. ولهذا السبب تستبد العصبية بأهل البلطيق ويبدو بوتين متحفزا بصورة تدعو للشؤم. وأدى بيان وزير الخارجية الروسي إيجور أيفانوف في موسكو (الاثنين) الماضي عن تغيير مقبل في السياسة الخارجية في عهد بوتين إلى جعل دول البلطيق تتساءل حول عما إذا كان ذلك التغير سيكون إلى الافضل أم إلى الاسوأ. وفي كل الاحوال, فإن دول البلطيق سوف تكون معرضة للغاية للتأثر بالتداعيات. فالقوات الروسية انسحبت من منطقة البلطيق منذ ست سنوات, ولكن الجمهوريات الصغيرة فشلت حتى الان في إقناع روسيا بتوقيع اتفاقات تكفل احترام الحدود. وفي غضون ذلك اكتفى الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي (ناتو) وهما اللذان يعتبرهما دول البلطيق وسائلهم الاكيدة في توفير الحماية لهم بمغازلة جمهوريات البلطيق ولكن لم يعملا على استيعابهم. وتثير الصراعات بين الناتو وروسيا مخاوف بالغة لدى دول البلطيق. وتعارض روسيا بشدة نوايا أستونيا ولاتفيا وليتوانيا في الانضمام إلى حلف الناتو العسكري, وتصر على أن (هذه الدول الواقعة بالقرب منها) تقع بوضوح داخل منطقة النفوذ لروسيا. غير أن آخرين يقولون أن بلاد البلطيق قد تجد نفسها محاصرة بين براثن الحلف وروسيا. وعلاوة على التداعيات الاخرى تعتبر دول البلطيق الحملة العسكرية الشرسة في الشيشان التي يشرف عليها بوتين بمثابة مؤشر واضح على أن روسيا ما زال في وسعها الخروج على القانون الدولي (والافلات من عقابه) . وهناك الكثير من الذرائع الجديدة للدخول في صراع مع دول البلطيق إذا ما رغبت روسيا في ذلك. فجهاز أمن الدولة الروسي إف.إس.بي يتهم أستونيا بالتعاون مع عملاء المخابرات البريطانية في روسيا. ويوجد في كل من أستونيا ولاتفيا, وكلاهما بهما أقليات روسية كبيرة, قوانين تحظر استخدام اللغة الروسية ويرغم الروس (من غير المواطنين) على تعلم اللغة الاستونية أو لغة لاتفيا قبل الحصول على الجنسية. ويعتبر المسئولون في موسكو, بما فيهم إيجور أيفانوف, هذه السياسات على أنها معادية لروسيا وكثيرا ما أدانها أيفانوف. ومن المقرر أن يجري الدوما (مجلس النواب) في موسكو تصويتا حول فرض عقوبات اقتصادية على لاتفيا. وهذا التصويت قد يكون بمثابة اختبار لنوايا بوتين, وإن كانت الاثار الدبلوماسية أكثر وطأة على لاتفيا من آثار العقوبات الاقتصادية نظرا لان التجارة مع روسيا تشكل أقل من ربع النشاط التجاري القانوني للجمهورية. وإذا حدث وتم تمرير العقوبات في الدوما وصدق بوتين عليها, فإن حالة الحذر سوف ترتفع في المنطقة بصورة لا حصر لها. د.ب.أ