بفوز المرشح الاستقلالي لي شين شوى بيان زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 18 مارس تدخل العلاقات بين تايبيه وبكين منعطفا جديدا, يثير كثيرا من المخاوف بشأن المستقبل الذي تنطوي عليه الايام المقبلة بعد ان وجدت بكين انها اصبحت في مواجهة ما كانت تخشاه بوصول مرشح استقلالي الى سدة الحكم. فالصين استبقت اجراء الانتخابات بتوجيه تحذيرات شديدة اللهجة الى القائمين على الامر في تايبيه بتوخي الحذر عند اختيار الرئيس المقبل الا ان هذه التحذيرات قوبلت بردود فعل تايوانية غاضبة. بكين ومنذ عام 1979 تبنت مبدأ دولة واحدة ونظامين تجاه تايوان وظلت تنادي دائما بانها تسعى لتوحيد سلمي مع الجزيرة لكن التصريحات التي اطلقتها في الفترة الاخيرة شابها قدر اكبر من التوتر كان الرئيس التايواني الحالي لي تينج هوى والذي سيترك موقعه في مايو المقبل لشوي احد اسبابه الرئيسية حيث فجر تصريح له في يونيو الماضي عاصفة من الغضب والتهديدات من جانب بكين اعتبرته تتويجا للمحاولات الممتدة لفصل تايوان عن الصين. تزامن ذلك مع اصدار الصين في 21 فبراير الماضي تقريرا حكوميا صينيا يحمل عنوان مبدأ الصين الواحدة وقضية تايوان (اصدره مجلس الدولة وهو اعلى هيئة حكومية في بكين .. ويذكر التقرير ان بكين لن تقبل بمماطلة تايوان الى اجل غير مسمى في تحقيق الوحدة ويطالبها بتحديد جدول زمني لذلك ـ وقال التقرير ان الصين ستلجأ الى جميع الاجراءات القاسية الممكنة بما في ذلك استخدام القوة اذا ما رفضت تايوان بشكل قاطع التفاوض مع البر الصيني حول التوحيد) . اعتبر التقرير انذارا وتهديدا واضحا للقوى الانفصالية في تايوان لتدبر امرها. استعراض العضلات ولا تختلف هذه الاجواء التي سبقت انتخابات مارس 2000 عن نظيرتها في انتخابات ديسمبر 1995, ففي ذلك الوقت اجرت الصين مناورات عسكرية في مضيق تايوان بهدف استعراض القوة والتأثير النفسي على سكان الجزيرة, وارتبطت هذه المناورات بالتطورات الداخلية في الصين نفسها فمنذ استلام دينج اكسياد بينج زعامة الصين سلك ما عرف بنهج الاصلاح واعلن عن ثلاثة اهداف رئيسية يريد تحقيقها اولها النمو الاقتصادي السريع وهو ما تحقق بالفعل وسجل معدلات تصل الى 12% سنويا, والثاني هو استعادة المستعمرة بالفعل عام 1997 والثالث والذي لايزال معلقا حتى الآن وبعد رحيل تينج هو استعادة تايوان. وقد باءت استعادة تايوان في مقدمة النقاط الثماني التي حددها الرئيس الصيني الجديد جيانج زيمين الذي خلف بينج فقد اكد في 30 يناير 1995 على ضرورة تحقيق توحيد تايوان مع الصين بطريقة سلمية وان الصين لا تحارب الصينيين الا انها تمتلك الحق في استخدام القوة ضد الانفصاليين في تايوان وضد محاولات التدخل الخارجي. وتضمنت نقاط زيمين الثماني الاشارة الى ان بكين لا تعارض العلاقات الاقتصادية والثقافية غير الرسمية لتايوان مع الدول الاخرى لكنها تعارض مبدأ دولتين صين واحدة وتايوان واحدة. الرئيس التايواني لي تينج هوى رد في 18 ابريل من العام نفسه بتحديد ست نقاط اشار فيها الى ضرورة الاعتراف المتبادل بالامر الواقع مؤكدا بذلك استمرار الفجوة العميقة بين الموقفين. التحرك الامريكي لم تكن المناورات العسكرية التي قامت بها الصين في خليج تايوان بمنأى عن اهتمام واشنطن ابان انتخابات 1995, مثلما فعلت الصين واستعرضت قوتها حركت الولايات المتحدة حاملة طائراتها لتتجه الى القرب من منطقة المناورات لاستعراض القوة هي الاخرى, وكثفت اتصالاتها مع بكين طول فترة الانتخابات ولم تتضح التأكيدات ايضا على عدم الرغبة في الوصول بالازمة الى حد الانفجار. هذا الموقف جعل الرئيس الامريكي بيل كلينتون يلتقي مع غالبية الجمهوريين في الكونجرس التقاء كاملا لا يواري رغبة الطرفين في الحرص على ابراز موقع الزعامة الامريكية عالميا للاستفادة من الخصم دون سواه لاسيما وان هذه المواقف المتشددة والتصريحات المرافقة والصادرة من بكين لم يكن ينتظر منها الانزلاق الى مغامرة عسكرية. علاوة على ذلك اظهرت السنوات القليلة الماضية تنامي التنافس الامريكي الاوروبي على تطوير العلاقات مع شرق آسيا وجنوبها الشرقي ولعل انفراد واشنطن دون الاوروبيين بالقدرة على ممارسة دور الحماية يمثل ورقة مهمة لدفع دول المنطقة الى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. وفي اطار العلاقات مع تايوان تحديدا لا يوجد التزام امريكي في الوقت الراهن للدفاع عن تايوان كما كان عليه الحال قبل اعتراف واشنطن بالصين الشعبية فمعاهدة 1954 بين تايبيه وواشنطن والملزمة بالتدخل العسكري الامريكي تلقائيا في حالة وقوع عدوان عسكري خارجي على تايوان تم استبدالها باتفاقية تكتفي بوصف مثل ذلك العدوان بخطر على السلام وانه موضع الاهمية بالنسبة لواشنطن الامر الذي يعني ان القرار الامريكي في مثل هذه الحالة قد يتراوح مابين الشجب والتدخل والعسكري المباشر على حسب ما تقدره واشنطن من مصالح ومخاطر في كل حالة. وفي هذا الاطار تجدر الاشارة الى ان القصف المتواصل الذي تعرضت له جزيرتا كويموي وماتسو في الفترة من 1958 وحتى 1960 من جانب الصين الشعبية لم يدفع الولايات المتحدة الى التدخل العسكري المباشر آنذاك, رغم سريان مفعول معاهدة الدفاع المشترك مع تايوان ورغم تردي العلاقات بين واشنطن وبكين, ومن ثم فان واشنطن تكتفي باستعراض القوة فقط بما يحقق لها هدفها في التأكيد على انفرادها بزعامة العالم. تايوان ورقة لاحتواء الصين تدرك بكين جيدا ان الفكر الاستراتيجي الامريكي يعمل على احتوائها من خلال تفجير قضية تايوان وترى ان هذا الموقف لن يتغير في الاجل المنظور على الاقل, ولا تغفل بكين تصرفات الحكومة التايوانية التي تكرس مبالغ ضخمة لشراء وتطوير انماط عديدة من الاسلحة المتطورة في محاولة لتكريس سياسة الامر الواقع حتى تسنح الفرصة لاعلان الاستقلال . هذا الادراك يجعل كل الاحتمالات محل دراسة دقيقة من قبل القيادة الصينية لاتخاذ الاحتياطات اللازمة مسبقا ومنها ابلاغ الجيش الصيني بالاستعداد للحرب لا سيما وانها تؤكد ان طرح موضوع استقلال تايوان جريمة لاتغتفر في حق الوطن الام. الصين التي تشغل مساحة هائلة وتشترك مع 15 دولة في حدود تمتد بطول 22 الف كيلومتر وسواحل تبلغ 18 الف كيلومتر تؤكد دائما ان سياستها العسكرية سياسة دفاعية لا تنطوي على تهديد وتستهدف حماية السيادة الوطنية وردع اي عدوان او محاولة انفصالية. وقد بدأت الصين منذ الثمانينيات في تخفيض حجم جيشها بواقع مليون جندي, ثم اجرت خفضا آخر في عام 1997 بواقع نصف مليون جندي ليصبح العدد الحالي للجيش 2.5 مليون جندي يشاركون ايضا في المهام الاغاثية من الكوارث الطبيعية التي تتعرض لها الصين بين حين وآخر مثل الفيضانات والزلازل. تقارن الصين ميزانيتها الدفاعية بالميزانية الدفاعية للولايات المتحدة الامريكية, بلغت ميزانية الاولى لعام 1999, 12.6 مليار دولار اي 1.21% فقط من اجمالي الناتج القومي للصين, فيما التهمت الميزانية الدفاعية الامريكية من العام نفسه 15% من اجمالي الناتج القومي, وترى الصين بذلك انها ليس لديها اية نوايا عدوانية ضد اي طرف آخر, كما انه لا يوجد اية قواعد عسكرية او قوات خارج حدودها. وتؤكد الصين دائما ان عملية التنمية التي تشهدها لا تنطوي على اية تهديدات لأمن جيرانها او غيرهم من الدول وانها تعمل جاهدة على احلال السلام والاستقرار في آسيا والعالم اجمع وان الحديث عن كونها تمثل تهديدا يستهدف بث الشقاق بينها وبين جيرانها للاضرار بعملية التنمية من جهة اخرى وفي ظل تزايد حدة الحملة الانتخابية الرئاسية الاخيرة في تايوان طالبت بكين الولايات المتحدة بالالتزام بتعهداتها في ثلاثة بيانات صينية امريكية مشتركة سبق اصدارها وتدعو جميعها لاحترام مبدأ صين واحدة وعدم تأييد انفصال تايوان. ضغوط محتملة من الواضح ان حسابات المصالح قد تدفع بالولايات المتحدة لمزيد من الضغط على الصين قبل اقرار اتفاق التجارة معها بعد ان بدا لها ان الاتحاد الاوروبي ينافسها في هذا المجال بمحاولته انتزاع مزايا اكبر من تلك التي حصلت عليها واشنطن قبل ابرام اتفاق التجارة مع بكين التي تؤكد دائما انها لن تقدم تنازلات فيما يتعلق بالسيادة الوطنية, وبلغ الامر برئيس الوزراء الصيني جو رونجي بتهديد واشنطن بوضوح, بان عدم اقرار الكونجرس لاتفاقية التجارة بين البلدين لن يضر سوى امريكا نفسها التي ستندم شركاتها بينما ترى شركات الدول الاخرى ترتع في السوق الصيني الضخم لتنعم بارباحه الوفيرة. لعب رونجي وببراعة خلال زيارته واشنطن في ابريل 1999 على وتر فتح اسواق بلاده بالنسبة للمنتجات الزراعية الامريكية, وزار احدى المزارع هناك ملوحا بذلك بالمكاسب المحتملة التي يحملها انسياب التجارة بين جانبي المحيط الهادي والتي تقدر بمليارات الدولارات. الاستقلال في المعركة الانتخابية منذ بداية حملة الانتخابات الرئاسية الاخيرة في تايوان وجه الرئيس الصيني جيانج زيمين ورئيس وزرائه جو رونجي انذارات واضحة لتايوان بعدم التفكير في الاستقلال او تكريس الوضع الراهن لفترة غير محددة وخاطب رونجي الناخبين التايوانيين قائلا ان عليكم ان تفكروا جيدا قبل اختيار الرئيس القادم والا فلن يكون هناك وقت للندم. ويبدو ان هذا التهديد قد جاء باثر عكسي ترجمته نتائج الانتخابات حيث تزايد التأييد الشعبي لتشين شوى بيان الذي يؤيد حزبه الاستقلال عن الصين. بلغ الصراع بين المرشحين الثلاثة لمنصب الرئيس في تايبيه ذروته في الايام الاخيرة للحملة الانتخابية وهم ليان تشان مرشح حزب الكومنتاج الحاكم وتشين شوى بيان مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي وجيمس سرو نجفيما المرشح المستقل, وترددت الاشاعات في تايبيه بان الرئيس لي تينج هوى سيضحي بليان لصالح بيان الذي اعتبر فوزه وحصوله على عدد اكبر من الاصوات امرا يعني قدرا اكبر من الامان لتايوان ووصف لي تنج هوى التصويت لصالح بيان بانه تصويت لصالح الكرامة الوطنية في الوقت الذي تواجه فيه تايوان المجتمع الدولي والصين معا. رغم ذلك لم يبد هوى اي تأثير وحرص على تصوير نفسه باعتباره المفاوض المثالي مع الصين وفجر الكومنتاج قنبلة في وجه بكين باعلان هوى عن ان علاقات بلاده بالصين هي علاقات دولة لدولة. وقد واجه المرشح المستقل جيمس سونج تساؤلات بشأن عضويته السابقة في الكومنتاج الذي انشق عنه واصبح معارضا له, كما واجه الاتهامات التي وجهت له بالاختلاس وكان رده على هذه التساؤلات هو التأكيد على ايمانه القوي بالمبادىء الاساسية للحزب واتهامه لقياداته بالعزلة عن الشعب لا سيما في الفترة الاخيرة ليصبح اتخاذ القرار محصورا في دائرة ضيقة جدا. وحول اتهامه بالاختلاس قال ان الكومنتاج الذي يتولى الحكم وظف وزارة المالية والنيابة والتحقيق لالصاق هذه التهم به الا انها لم تنجح في اثبات اختلاسه لاي اموال وتبين ان كل اموال حملته الانتخابية جاءت من تبرعات خاصة وتم انفاقها على الحملة ولم يحصل على اية مبالغ لنفسه بصفة شخصية. نازي تايوان لم يسلم تشين شوى هو الآخر من هجوم الكومنتاج عليه, فقد اعلن الحزب عبر اذاعته ومحطة التلفزيون في تايوان شوى يشبه الزعيم النازي ادولف هتلر في المانيا والفاشيستي موسوليني في ايطاليا, واكد الكومنتاج في حملته الاعلانية التلفزيونية ان 85% من رجال تايوان ما بين سن 20 ـ 29 عاما سيضطرون للذهاب للحرب اذا ما انتخب بيان وسيستبدلون القبعات المنقوش عليها اسمه بخوذات واقية من الرصاص ورغم ذلك بذل شين جهدا فائقا خلال الايام الاخيرة من حملته الانتخابية لتخفيف موقف حزبه بشأن الاستقلال واضعا ذلك في صيغة حمالة اوجه بقوله ليس هناك داع لاعلان تايوان دولة مستقلة لانها ذات سيادة بالفعل. ويبدو ان التهديدات التي اطلقها رئيس الوزراء الصيني جو رونجي قد جعلت المرشحين الثلاثة في الانتخابات الرئاسية يجمعون على رفضها, لكن ليان تشان لعب على وتر الخوف مؤكدا للجماهير ان حزب الكومنتاج وحده هو القادر على تحقيق امن تايوان وهاجم تشين الداعي للاستقلال قائلا ان البعض سذج لدرجة انهم يستطيعون التفاوض مع الصين فيما يمثلون المطالبين باستقلال تايوان متناسيا ان الكومنتاج الحاكم كان اصل المشكلة باعلان الرئيس لي تينج هوى عن ان العلاقات بين الصين وتايوان علاقات بين دولتين وهو ما اقام الدنيا ولم يقعدها. واكد تشان ان لتايوان حقوق سيادة مستقلة وان شعبها وحده هو الذي يحسم الانتخابات وعلى الدول الاخرى ان تحترم حقيقة استقلالها وسيادتها. اما المرشح المستقل سونج فقد شن بدوره هجوما على المرشحين الآخرين ليان وتشين متهمهما بعدم الكفاءة او القدرة على اقامة علاقات بناءة مع الصين بسبب مواقف حزبيهما حيث ادى تصريح تايوان بشأن علاقات دولة لدولة لالغاء بكين لزيارة كانت مقررة لمفاوضها الرئيس وانج داوهان لتايبيه. واكد ان امن تايوان لن يتحقق باختيار رئيس يتصرف بشكل اعتباطي وان السياسة هي فن الممكن وان الخلاف السياسي لن يحل بين عشية وضحاها ووعد في حال فوزه باقامة علاقات ثقافية واقتصادية مع الصين تخلق جوا من الود بين الجانبين على امل ابرام اتفاق سلام لمدة 30 او 50 عاما ترعاه القوى الدولية كما اكد على ضرورة مراعاة التوازن بين الحفاظ على السيادة وتحاشي اشعال صراع مسلح لا داعي له مع الصين.