اعد الدكتور السيد عوض عثمان تقريرا تحت عنوان (التجاوزات اللاديمقراطية في العملية الانتخابية .. رؤية في آليات اصلاح النظام الانتخابي) وتم تقديم التقرير للاحزاب ومنظمات حقوق الانسان ليكون تحت سمع وبصر الرأي العام في مصر قبل اجراء الانتخابات البرلمانية في شهر نوفمبر المقبل. وليكون تحت تصرف النظام في مصر اذا اراد اصلاحا سياسيا ودستوريا حقيقيا وصولا لنظام ديمقراطي سليم يضع مصر في مكانها الصحيح بين دول العام التي يتم فيها تداول السلطة سلميا. وقد جرى اعداد التقرير في مناخ ارتأت فيه (اللجنة التحضيرية للاصلاح السياسي والدستوري) صعوبة تحقيق انتخابات حرة في ظل قانون مباشرة الحقوق السياسية الصادر في عام 1956 (ملاحظة: تم تعديل هذا القانون يوم الاثنين الماضي الموافق 20 مارس وذلك بقرار من مجلس الوزراء المصري) يضاف الى ذلك وجود نفس الصعوبة في ظل التنظيم السياسي الواحد الذي يفتقر الى الضمانات الضرورية لحرية ونزاهة الانتخابات. ويجيء التقرير ايضا والساحة السياسية في مصر تموج بادراك متنام لضرورة الاصلاح السياسي والدستوري قبل الانتخابات. ويكاد يكون هناك اجماع بين الاحزاب والقوى السياسية ومراكز ومنظمات حقوق الانسان على أن الانتخابات الستة التى شهدتها مصر خلال الربع قرن الماضى قد افتقدت لأسس الانتخابات الحرة النزيهة وأن نتائجها كانت بعيدة كل البعد عن التمثيل الحقيقى للناخبين كوسيلة للتداول السلمى للسلطة, وبالتالى الانصراف عن المشاركة فى الانتخابات والاستفتاءات العامة بل وعبر كل أنماط المشاركة فى الحياة السياسية والحزبية فى مصر, فضلا عن حالة الاحباط واليأس والرفض لكل ماهو موجود. التجاوزات يتحدث التقرير عن مخالفة صريحة للمادة 25 فى العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية, و للمواد 88 و 57 و 62 من الدستور المصرى لعام 1971 وذلك فيما يعطيه القانون رقم 73 لعام 56 ولائحته التنفيذية من هيمنة كاملة للسلطة التنفيذية على كافة مراحل العملية الانتخابية بما يشكل انتهاكا صارخا واعتداء على الحقوق العامة المقررة دستوريا, كما أن المادة 88 من الدستور تذهب الى انه يتم الاقتراع تحت اشراف الهيئة القضائية بما فى ذلك اللجان الفرعية التى يرأسها موظفون بالحكومة والقطاع العام وتبرز مواد القانون لسنة 56 هذه التجاوزات فى كافة مراحل العملية الانتخابية بدءا من عملية تحرير واعداد جدول الناخبين التى تتم تحت وصاية واشراف السلطة التنفيذية فى المدن والقرى, وهنا يقول الباحث: ان المأساة الحقيقية للعملية الانتخابية تبدأ من هذه الجداول ومن طريقة اعدادها والتشكيل المنوط به القيام بهذا الاعداد حيث ان هذه العملية الانتخابية تدلل الوقائع التى رصدتها المنظمة المصرية لحقوق الانسان أن تجاوزات فاضحة تتولد نتيجة عدم تنقية هذه الجداول من المتوفين او المحرومين من مباشرة الحقوق السياسية أو الملتحقين بالخدمة العسكرية والشرطة وأسماء تتواجد فى الخارج منذ فترة طويلة فضلا عن اضافة أصوات متكررة فى أكثر من لجنة, أو تكرار أسماء مرشحى حزب الحكومة فى عدة لجان, أو اعداد كشوف مختلفة عن الصور الاصلية المسلمة للمرشحين. ويؤكد الباحث هنا على أهمية اختصاص مكاتب السجل المدنى بانشاء جداول الانتخابات وقيد اسماء وبيانات الناخبين فيها من واقع السجلات المعدة مع ما طرأ عليها بالاضافات أو الموانع مع وجوب أن يقيد كل من له الحق فى مباشرة الحقوق السياسية طبقا لنص القانون وعرض الجداول لفترة أكثر من شهرين ومد مدة الاعتراض عليها وتقديم طلبات التصحيح مع رقابة مباشرة من الاحزاب على اعداد هذه الجداول. تجليات الهيمنة ويشير التقرير الى أنه من تجليات هيمنة السلطة التنفيذية على العملية الانتخابية ايضا أن ميعاد اجراء الانتخابات العامة يتحدد بقرار من رئيس الجمهورية فى حين يحدد وزير الداخلية موعد اجراء الانتخابات التكميلية وعدد اللجان العامة والفرعية.. حملات ضد الحملات اضافة الى الظلال التى يفرضها قانون الطوارئ الذى يقيد حق الاشخاص فى التنقل والتعبير والتجمع السلمى فضلا عن سلطة وزارة الدخلية فى منع من تريد منعه من اقامة السرادقات والمؤتمرات الانتخابية, كما أن الحكومة استخدمت الطوارئ والسلطات الاستثنائية فى اعتقال البعض واحالتهم الى المحاكم العسكرية والحيلولة بينهم وبين قاضيهم الطبيعى قبيل واثناء الانتخابات ويؤكد التقرير أن المنظمة رصدت حالات عديدة للاخلال بتكافؤ الفرص مثل نزع صور ولافتات الدعاية واقتحام المقار الانتخابية ومصادرة مواد الدعاية واستدعاء أصحاب محال الفراشة بواسطة الامن لتحذيرهم من التعاقد مع مرشحى المعارضة كذلك استدعاء أصحاب المطابع أو استدعاء المرشحين أنفسهم واحتجازهم وتعريضهم للاهانة , وأبرز الممارسات اللاديمقراطية قيام الاجهزة التنفيذية بالدعاية وتسخير امكانياتها لمرشحى الحزب الحاكم (محافظى الاقاليم, رؤساء المجالس المحلية, جهات الامن) وتقديم الوعود والمزايا وممارسة الضغوط والتنكيل بمن يساند منافس الحزب الحاكم, ولا يفوت التقرير الاشارة الى احتكار الحكومة لجهاز التليفزيون بكل امكانياته الضخمة فى الدعاية المباشرة للحزب الحاكم ومرشحيه فضلا عن اختلال التغطية الصحفية- باستثناءات محدودة للمعركة الانتخابية, بالاضافة الى ماكشفت عنه الانتخابات الاخيرة من تأثير المال وغياب رقابة حقيقية تحد وتضع سقفا أعلى للانفاق فى العملية الانتخابية, ولا يخفى فى رصد هذا العامل, أن السفه والبذخ قد وصلا الى حد انفاق عدة ملايين من الجنيهات بما فيها شراء أصوات الناخبين علانية فى بعض الدوائر. تجاوزات الاقتراع ورصدت المنظمة التجاوزات التي حدثت في الانتخابات الماضية كما يلي: * عدم توقيع الناخب امام اسمه بحكم القانون فى كشوف الناخبين دون اثبات رقم البطاقة الشخصية أو جواز السفر أو رخصة سلاح, أو رخصة قيادة, ويكتفى بتوقيع أمين اللجنة مما يفتح الباب أمام توقيع بعض أمناء اللجان أمام أسماء الناخبين بما يفيد ابداء آرائهم خلافا للواقع خاصة أن العملية لاتتم تحت الاشراف القضائي. * عدم الاشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية ففي انتخابات 1995 كان هناك 1500 عضو من الهيئات القضائية. وهؤلاء اشرفوا فقط على 38 الف لجنة فرعية, مما يعني ان نسبة الاشراف لا تتعدى 5% من مجموع اللجان. يضاف الى ذلك غياب الاشراف القضائي الكامل ايضا على عمليات فرز الاصوات, حيث ان لجان الفرز تتكون من موظفين واداريين. * القيود التى يتعرض لها مندوبو ووكلاء المرشحين لأحزاب المعارضة والمستقلين حتى لايقوموا بوظيفتهم فى التأكد من صحة الاجراءات وخلو الصناديق من البطاقات قبل التصويت ومنع التلاعب بالصناديق, والتزام رئيسى اللجنة بالقانون فى التحقق من شخصية الناخب واثبات أى مخالفة بمحضر اللجنة, والانتقال مع الصندوق لمجمع الفرز وحضور الفرز وطلب استبعاد الصناديق المطعون عليها من الفرز والتجاوزات هنا تبدأ بمنع الوكلاء والمندوبين وطردهم من اللجان وافتعال المشاجرات معهم أو القاء القبض عليهم, واذا سمح لهم باداء دورهم فلا مانع من تعرضهم للاهانة أو الضرب أو التهديد بالاعتقال أو تعرضهم بالفعل للاعتقال. * أمثلة منع الناخبين فى الوصول للجان أو اغلاق اللجان مبكرا أو عمليات (تقفيل) اللجان لصالح أحد المرشحين وترويع المواطنين, أو كثافة الوجود الامنى الذى يحول اللجنة لثكنة عسكرية, أمثلة لا حصر لها. وفي عملية الفرز كثيرا ما تحدث تجاوزات كما يتعرض المندوبون لبعض المتاعب وهو ما يوجب الاشراف القضائى الكامل على لجان الفرز وأن تكون مداولات لجنة الفرز سرية وأن تصدر قراراتها بالاغلبية المطلقة وتدون فى محضر اللجنة وتكون مسببة ويتلوها رئيس اللجنة علنا. جهة الاختصاص وتقضي المادة 93 من الدستور والمادة 205 لكل من مجلسى الشعب والشورى باختصاص البرلمان فى صحة عضوية اعضائه واختصاص محكمة النقض فى تحقيق الطعون المقدمة للمجلس بعد احالتها اليه من رئيسه وتثير جدلا متزايدا بسبب عدم التزام المجلس بنتيجة التحقيق, ولا تعتبر العضوية باطلة الا بقرار يصدر بثلثي أعضاء المجلس بناء على مقولة (المجلس سيد قراره) وبهذا أوكل الدستور والقانون للمجالس النيابية مهمة فحص والفصل فى الطعون ومهمة المحكمة التحقيق فقط وابداء الرأى وذلك فى مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء السلطة التشريعية على السلطة القضائية. وتعدد الطعون يرتب عدم دستورية مايصدر عن المجلس من قوانين ونتائج تصيب الاستقرار القانونى والسياسى كله. ضمانات وأخيرا يطالب التقرير بعدة ضمانات من أجل استقامة ونزاهة وحيادية العملية الانتخابية وهى: أولا اعادة النظر فى تحديث وتطوير القانون 73 لسنة 1956 ولائحته التنفيذية ليتواكب مع واقع التعددية الحزبية واعمال النصوص المتعلقة بالجرائم الانتخابية وتشديدها . ومن أمثلتها ما تنص عليه المادة 45 بشأن المعاقبة بالحبس مدة لاتقل عن سنة لكل من اختلس أو أخفى أو أعدم أو أفسد أحد جداول الانتخاب أو بطاقة الانتخاب أو أى ورقة تتعلق بعملية الانتخاب أو الاستفتاء أو غير نتيجة العملية الانتخابية بأية وسيلة. ويجب فى التعديل اعتبار الجرائم الانتخابية جنايات لا جنح نظرا لخطورتها على المجتمع واضرارها بالرأى العام. والضرورة تحتم المطالبة بتشديد العقوبات فى الجرائم الانتخابية وتيسير تحريك دعوى المسئولية عنها والغاء المادة التى تقضى بسقوط الدعوى العمومية والمدنية عن الجرائم الانتخابية بعد مضى ستة أشهر من اعلان النتيجة. ثانيا: انشاء هيئة قضائية عليا مستقلة غير قابلة للعزل للاشراف على الانتخابات والاستفتاءات وتكون برئاسة أقدم نواب محكمة النقض وعضوية أقدم ثلاثة مستشارين فيها وأقدم ثلاثة وكلاء لمجلس الدولة وتكون مداولاتها سرية وقراراتها بالاغلبية ويقترن بذلك نقل الادارة العامة للانتخابات من وزارة الداخلية الى وزارة العدل, وتؤول لوزير العدل اختصاصات وزير الداخلية وتصدر قراراته بعد موافقة هذه الهيئة. ثالثا: ضرورة تشكيل لجنة رئاسية او اكثر بكل دوائر المحاكم الابتدائية, وذلك فور صدور قرار دعوة الناخبين وهذه اللجنة الرئاسية تتكون من ثلاثة من مستشارى مجلس الدولة تختص بالفصل فورا فى جميع الاعتراضات والمنازعات فى اجراءات الترشيح والدعاية والانتخابات والاستفتاء وفرز الاصواب ويتم النطق بأحكامها علانية. رابعا: الشروع فى تقسيم كل دائرة انتخابية الى مناطق ينشأ فى كل منها مركز للاقتراع يرأسه أحد رجال القضاء, ويكون في كل مركز عدد كاف من الامناء من العاملين بوزارة العدل وسائر جهات الدولة ووحدات القطاع العام مع اعداد المركز على نحو يمكن من الاشراف الفعلى على الانتخابات وسرية التصويت وحرية الناخبين. خامسا: التحقق من شخصية كل ناخب من واقع البطاقة الشخصية أو جواز سفره أو رخصة سلاحه أو رخصة قيادته واثبات رقم البطاقة, وأن يوقع الناخب بامضائه وبصمة ابهامه الايمن قرين اسمه فى الكشف. سادسا: أهمية تعديل المادة 93 من الدستور بشأن الفصل فى صحة عضوية المجالس النيابية وامتداد ولاية محكمة النقض فى التحقيق فى الطعون وابداء الرأى فيها الى اعتبار أن الفصل فى صحة العضوية من صميم اختصاص السلطة القضائية حتى لايصبح ذلك عملية سياسية لاضمان لها من الناحية القانونية. سابعا: اعادة النظر فى أحقية الوزراء للترشيح لعضوية مجلس الشعب وهو ما يخل بمبدأ الفصل بين السلطات, خاصة وأن المجلس يمارس رقابة عليهم باعتبارهم ممثلى السلطة التنفيذية. ثامنا: التوقف فورا عن سياسة تفصيل الدوائر الانتخابية لأهواء وأغراض حزبية وسياسية. تاسعا: ضرورة وضع واعمال القواعد والضوابط والعقوبات القانونية وتشديدها على استخدام وتوظيف المال العام واستقلال المنصب والنفوذ الحكومى بتداعياته المختلفة فى العملية الانتخابية. عاشرا: تفعيل وتنشيط الحياة الحزبية والسياسية بازالة كافة القيود التى تحول دون ذلك. حادى عشر: انهاء حالة الطوارئ التى تحد عمليا من ديمقراطية العملية الانتخابية لما ترتبه من قيود على حريات الاشخاص والأحزاب وانتهاك لحرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومراسلتهم ومحادثتهم واهدار حق دستورى فى لجوء المواطن لقاضيه الطبيعي خاصة وقد انتفت الحالة التى أوجدت الطوارئ. القاهرة نور الهدى زكي