ربما كان الجزء الوحيد من قصة حياة فلاديمير بوتين المعروفة, والذي يفترض أنه يحمل عنصر الاستبداد هو قراره وهو في سن الشباب أن يصبح عميلا في جهاز المخابرات السوفييتية (كي.جي.بي) بدلا من أن يصبح طيارا. غير أن الطريق الذي تلا ذلك من عمله في الخارج إلى رئاسة المخابرات إلى فوزه الان بمنصب الرئاسة في انتخابات أمس الاول, إنما يشير إلى نموذج من الانضباط والدقة العسكرية. وفي نفس الوقت فإن أفضل الصفات التي اكتشفتها أجهزة الاعلام في ذلك الرجل النحيف البالغ من العمر سبعة وأربعين عاما من مدينة سان بيترسبرج, إلى جانب ابتسامته الجامدة, أنه (رجل بدون وجه) وأنه (بوتين الحديدي) فمنذ تولي بوتين وهو رئيس للوزراء منصب الرئيس بالانابة بعد استقالة بوريس يلتسين في الحادي والثلاثين من ديسمبر الماضي, استطاع كسب المواطنين الروس وكذلك القادة السياسيين عبر البلاد من خلال حديثه الحازم عن إعادة بعث وإحياء روسيا كدولة قوية. غير أن الحافز وراء صعود بوتين السريع إلى الشهرة تمثل في الحملة العسكرية الروسية الثانية خلال هذا العقد في جمهورية الشيشان الانفصالية, وهي الحملة التي صورت بثقة من جانب الجيش باعتبارها نجاحا كبيرا برغم ارتفاع الخسائر الروسية. ومؤكدا على تصميمه (محو المتمردين الشيشانيين حتى وإن كانوا في دورات المياه) . رافق بوتين جنرالاته خطوة بخطوة طوال ستة أشهر من الحرب. ومن الواضح أن بوتين يشعر بالارتياح بين جنوده. وقد أمضى رأس السنة الجديدة في منطقة الحرب مع زوجته ليودميلا, وذلك بعد ساعات فقط من توليه السلطة من بوريس يلتسين. ويعتبر بوتين الشاب النشيط, من عدة نواحي, النقيض تماما من المعتل الضعيف يلتسين الذي أفسح الطريق أمام اختياره خليفة له قبل ما يقرب من ستة شهور من الموعد الذي كان من المقرر أن يتخلى فيه عن السلطة. ومن جانبه تعهد بوتين حامل الحزام الاسود في رياضة الجودو, والذي يقوم بواجباته على أكمل وجه, بتلبية توقعات نصيره وراعيه (يلتسين) فيه, وذلك بالرغم من أنه اعترف في وقت لاحق بأنه لم يكن متأكدا ولو بنسبة واحد بالمائة أن لديه مجرد رغبة في هذا المصير. لقد ولد فلاديمير بوتين في السابع من أكتوبر من عام 1952 في مدينة سان بطرسبورج التي كان يطلق عليها سابقا اسم ليننجراد. وبدأ حياته العملية في عام 1975 بعد تخرجه من مدرسة القانون وقبوله عرضا بالتطوع للانضمام إلى جهاز المخابرات السوفييتية. وعلى مدى عدة سنوات ظل ملتحقا ببعثة جهاز كي.جي.بي بمدينة درسدن بألمانيا الشرقية السابقة. ويتحدث بوتين اللغة الالمانية بطلاقة ويتردد أنه يعرف الانجليزية بدرجة مقبولة. وفي عام 1990 أصبح مستشارا لعمدة ليننجراد الاصلاحي أناتولي سوبتشاك ثم نائبه بعد ذلك. وفي عام 1996 استجاب بوتين لدعوة الكرملين وانتقل ليقيم في موسكو للعمل في إدارة الرئاسة. وخلال وقت قصير تم ترفيعه إلى نائب رئيس موظفي الكرملين. وفي صيف عام 1998 عينه يلتسين رئيسا لجهاز المخابرات الداخلي إف.إس.بي وبعد بضعة شهور أصبح أيضا سكرتيرا لمجلس الامن الروسي القوي. وفي بداية الحرب في القوقاز في أغسطس من عام ,1999 عينه يلتسين رئيسا للوزراء, وتبناه لاول مرة باعتباره خليفته المفضل كرئيس للدولة الروسية. وتعززت قاعدة سلطة بوتين بدرجة أكبر خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر من عام ,1999 عندما ارتفع نجم الاحزاب المتصلة به فوق قمة الحملة البذيئة من جانب أجهزة الاعلام الموالية للكرملين, لتفوز بمقاعد أكثر في البرلمان من الشيوعيين. وفي منزله, تقول زوجته ليودميلا أن زوجها ووالد ابنتيها ليس صاخبا على الاطلاق ولكن بإمكانه أن يكون حازما للغاية. ومن آن لاخر يستمتع بصيد الاسماك ولكن لانه فلاديمير بوتين فهو لا يترك شيئا للصدفة في هذا المضمار أيضا. فإذا لم تلتقط السمكة طعم سنارته, فهو يعترف بأنه لجأ لالقاء الشبكة لكي لا يعود خالي الوفاض.ـ د.ب.أ