زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو الأولى إلى القاهرة في الثامن عشر من يوليو 1996 كانت مهمة لتبديد الأصوات الصاخبة التي تعالت في العالم العربي مبشرة بنهاية السلام ودق أجراس الحرب, هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كان نتانياهو يهدف إلى تنشيط العلاقات مع الرئيس المصري حسني مبارك لدفع المفاوضات مع عرفات قدماً للأمام وفتح قناة حوار مع سوريا, حتى أن نتانياهو كان يسجل في الطائرة ملاحظاته على بطاقات صغيرة, احتفظت بها فيما بعد لتغطية تاريخ سياسي ذي أهمية. تفاصيل الرحلة بكاملها كانت توحي بأننا في طريقنا (لزيارة تاريخية للقاهرة) حسب تعبير أحد أفراد طاقم رئيس الوزراء, وعلى الرغم من الصعوبات والمشكلات التي تعتري علاقتنا بمصر إلا أنني كنت أشعر بوجوب المحافظة على السلام مع مصر بشكل قوي إذ أن السلام البارد أفضل من حالة الحرب, الحركات النظامية للجنود المصريين الذين كانوا في استقبال رئيس الحكومة ذكرتني بمشهد اغتيال السادات ويبدو أن الفكرة ذاتها لمعت في ذهن السكرتير العسكري جنرال زئيف ليفني في اللحظة نفسها. في اللقاء الذي جرى بين نتانياهو ومبارك على انفراد أكد نتانياهو على أن حكومة الليكود هي التي قامت بالتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد وحضرت مؤتمر مدريد ونحن ملزمون بتطبيق هذه الاتفاقيات بما فيها اوسلو, أما فيما يخص سوريا فليست هناك أية اتفاقيات موقعة إلى جانب وجود التفاوت والاختلاف في وجهات النظر ولا يوجد اتفاق بشأن الجولان فالذي تم تلخيصه باتفاقيات موقعة نحن نحترمه. وكان نتانياهو يحمل رسالة من رئيس الدولة عيزرا وايزمان والتي أسهمت في ترطيب الأجواء بين الأثنين, من جانب آخر أبلغ نتانياهو الرئيس المصري بأن هناك لقاء وشيكاً بين وزير الخارجية ديفيد ليفي وعرفات مما يهيء الأرضية للقاء بينه وبين عرفات. السلام البارد كانت البداية جيدة فقد التزم نتانياهو بإجراء مفاوضات مع الفلسطينيين بشأن الخليل وفقاً للإحتياجات الأمنية الإسرائيلية, وفي خطوة غير عادية دعا مبارك المراسلين الإسرائيليين المرافقين لرئيس الحكومة لحديث معهم اثنى فيه على نتانياهو بعدما سمع بترويج قصص عن صعوبة اللقاء بينه وبين نتانياهو. وخلال ذلك نشأت علاقة أولية مع مستشار الرئيس مبارك أسامه الباز, والباز يواكب العملية السلمية منذ مفاوضات كامب ديفيد التي أدارها الرئيس السادات في حينه, وهو رجل ذكي وحكيم وذو خبرة واسعة في الشئون الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي بكافة تياراته كما أنه خلال الحديث فيما بيننا عن وضع المجتمع الإسرائيلي ويهود الولايات المتحدة كان يمزج كلامه ببعض المفردات بالايدشية فقال لي: يشكو الفلسطينيون من تصلبك الزائد إزاءهم, كان الحوار فيما بيننا حضاريا يتسم بالود والانفتاح, والباز من أوائل الشخصيات التي هنأتني بانتخابي عضواً في الكنيست حيث اتصل بمنزلي في شوهام وحتى في مرحلة تدهور العلاقة بين مبارك ونتانياهو حافظت على قناة مفتوحة مع الباز. ولقد حرصت على علاقتي به من بعد سفر دوري جولد إلى واشنطن والذي كان قد سبقني في الالتقاء به, لقد بذلت جهوداً لترتيب لقاءات مبارك ونتانياهو كما ساهم الباز في إحدى المراحل بمحاولة التوسط بيننا وبين السلطة الفلسطينية, وبشكل غير مألوف زار القدس مراراً كما حل ضيفاً عليّ في مكتبي وعندما كنت احتاج فحص أفكار جديدة أو نقل رسائل هادئة للفلسطينيين ألجأ بزيارات خاطفة للباز بعضها سرية, إذ أن القناة الهادئة بيننا أتاحت المجال لحل المشكلات وإزالة العوائق التي تعترض المفاوضات مع الفلسطينيين. واعود إلى الانطباع الجيد الذي اتسم به لقاء مبارك نتانياهو الأول والذي لم يستمر على حاله طويلاً نظراً للادعاءات المصرية بأن الإسرائيليين لم ينفذوا وعودهم وبالنظر إلى الملاحظات التي سجلها نتانياهو بخط يده فانه ليس هناك من شيء لم ينفذه. ولا شك بأن السلام الذي وقعه مناحيم بيجن مع مصر يشكل ذخراً استراتيجياً بالغ الأهمية لإسرائيل, لكن هناك خلافات جوهرية بيننا وبين مصر أيضاً, فالتوجه مع إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967 وانسحاب إسرائيلي كامل من الجولان, ومبارك يناور بين التزامه بالسلام مع إسرائيل وبين دور مصر كزعيمة للعالم العربي. وكان نتانياهو قد حدد أهدافه بالقول: (نحن ملتزمو ن باتفاقيات اوسلو وكل ما جاء بها بخصوص الأمن والتبادلية والذين يوجهون إلى الاتهامات داخل الحكومة وعلى رأسهم بيني بيجن عليهم أن يتذكروا هذا) . المدينة الرمز سأل أحد الوزراء ماذا بشأن الخليل؟ فسارع نتانياهو إلى توضيح موقفه:) إذا لم نطبق الاتفاقية بشأن الخليل باستثناء بعض التعديلات الملزمة سنكون بمثابة الساعين لنسف العملية وسنواجه جبهة دولية مما ستكون له أبعاده على الوضع في الجبهة الشمالية (فالهدف يجب أن يكون ضمان استمرار الاستيطان اليهودي في الخليل من خلال المحافظة على الأماكن المقدسة. أمام هذا الفصل المليء بالثغرات إزاء الخليل في الاتفاقية المرحلية حاولنا الحصول على تعديلات وبروتوكول أمني ومدني مفصّل, فمدينة الخليل هي المفترق الأكثر حساسية في النزاع القائم بيننا وبين الفلسطينيين وهي رمز العلاقة الوثيقة للشعب اليهودي بأرض إسرائيل , ففي عام 1929 تم قتل ستة وسبعين يهودياً وبعد هذا الحادث بست وخمسين عاماً قتل جولد شتاين تسعة وعشرين عربياً بريئاً في الحرم الإبراهيمي, ويهود الخليل مفعمون بالرسالة والعقائدية القومية, ومن ضمنهم تيارات يمينية متطرفة من أنصار كهانا, يحيط بهم داخل المدينة العربية أغلبية من مؤيدي حماس. وليس عبثاً أن تكون الخليل المدينة الوحيدة التي لم نسلمها إلى سلطة عرفات بل تم اتخاذ ترتيبات خاصة بشأنها ولدى كل من عمل في مجال التفاوض بشأن الخليل انطباع بأنه يمسك برميل بارود في يديه. من هنا كانت الخليل محكاً أساسيا أولياً ومهما لحكومة نتانياهو في المفاوضات وقد أدار المفاوضات الأمنية من كان في حينه مسئولاً لقسم التخطيط ورئيس أركان فيما بعد وهو جنرال شاؤول موقاز مدفوعاً بضمان ترتيبات أمنية تدرأ الخطر اليومي عن حياة السكان اليهود في المدينة, فقد طلبنا مثلاً ضمان حق دخول جنودنا إلى المنطقة الفلسطينية التي ستخليها إسرائيل وقد استغرق النقاش حول هذه النقطة شهورا طويلة وكانت للأمريكيين مقترحات عديدة في هذا الشأن لتغطية الهوة بين الطرفين كما طالبنا بإدخال تعديلات على الصلاحيات المدنية في الخليل. أما المفاوضات حول البروتوكول المدني فقد أجراها من عمل آنذاك منسقاً لنشاطات الحكومة في المناطق جنرال اورن شاحور, وفي الوقت الذي كانت المفاوضات تدخل مرحلة الزخم في نهاية أغسطس 1998 كان رئيس الحكومة يبحث عن شخص لتولي رئاسة لجنة توجيه المفاوضات مع الفلسطينيين على أن يكون هذا الشخص أميناً وموثوقاً من قبل وزير الخارجية ديفيد ليفي أيضاً, إذ أن قسطاً كبيراً من المساعي السياسية طيلة وجود ليفي في وزارة الخارجية كان منصباً على دبلوماسية مطلوبة للتنسيق بين رئيس الحكومة ووزير خارجيته, وتم اختيار رئيس الأركان السابق دان شومرون مع أن وزير الدفاع يتسحاق موردخاي كان يفضل اختيار رئيس أركان احتياط آخر هو موشي ليفي, وشومرون شخصية مؤدبة ولطيفة وتوحي بالثقة وقد سبق له الوقوف إلى جانب نتانياهو في حملته الانتخابية وهكذا يمكن القول بأن نتانياهو أراد باختيار شومرون رد الجميل له ومكافأته. وقد ظل شومرون طيلة المفاوضات حول الخليل شريكاً ذا قيمة وقمت بشكل غير رسمي بتنسيق عمل الطواقم مع النشاطات الدولية المرافقة فهناك أمريكا والأردن ومصر وزيارات دنيس روس العديدة الهادفة إلى دفع عجلة المفاوضات. بينما كان الوفد الفلسطيني يتوجه كل يومي أثنين وخميس تقريباً إلى القاهرة لإجراء المشاورات وقد اشتكى نتانياهو لمبارك من هجوم وسائل الإعلام المصرية على حكومته. وطيلة فترة المفاوضات حافظت وجولد على علاقتنا بأسامة الباز لضمان عدم وقوف مصر أمام تحقيق اتفاق الخليل وهكذا فإن جهود شهور طويلة بدأت تعطي ثمارها عند اقتراب نهاية عام 1996 ولكن عرفات في اللحظة الأخيرة بدا وبكل بساطة لا يرغب في التوصل إلى اتفاق, حتى أن نتانياهو في شهر يناير تسلم تقريراً من مسئول شعبة الاستخبارات جنرال موشي يعلون جاء فيه بأن عرفات يخطط لجولة من الاضطرابات لمنع التوصل إلى اتفاق في الخليل ولتحقيق مكاسب سياسية أخرى كالتزام إسرائيل بتنفيذ الانسحابات التي تعقب الخليل. وعلى مقربة من مستوطنة بيت إيل وقع حادث مقتل عائلة تسورانيا الذي دفع ببعض الوزراء للمطالبة باتخاذ قرارات كانت ستؤدي إلى نسف اتفاقية اوسلو, لكن نتانياهو ومردخاي صمدا في وجه هذه المطالبات, وتقررت مطالبة السلطة الفلسطينية بتسليم إسرائيل المسئولين عن الحادث ومنح مستوطنات الضفة والقطاع أولوية من الدرجة الأولى وأعربت الإدارة الأمريكية عن لومها لعرفات وأدانتها لأسلوب المناورة, وبعد فترة طويلة من المفاوضات الصعبة تبلورت نهائياً مسودة اتفاق الخليل وفي الخامس عشر من ديسمبر 1997 عقدت الحكومة جلسة خاصة للمصادقة عليها. وكان هذا أول اتفاق بين حكومة ليكودية وبين المنظمة وقد تم الحصول على نتائج مهمة تتعلق بالترتيبات الأمنية في المدينة مقارنة مع الصيغ العامة والمليئة بالفجوات الواردة في الاتفاقية المرحلية في سبتمبر 1995 كما تمت الموافقة على المطلب الإسرائيلي بشأن حق دخول الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة الفلسطينية. ويشكل اتفاق الخليل تحولاً إزاء تعليمات الاتفاقية المرحلية التي تعتمد عليها إسرائيل في تفسيرها لحق دخول الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة الفلسطينية وعلى رأسها البند رقم 12 في الاتفاقية المرحلية وقد أضافت أميركا تفسيراً من عندها ينطوي على أهمية كبرى وهو انه في حال وقوع حادث يكون الأمر محل اختبار وجدل بين إسرائيل وعرفات. والتلخيصات الخاصة بالصلاحيات المدنية في المدينة لا تقل حساسية فقد عملنا طيلة الوقت على عدم المس بقدرة الاستيطان اليهودي على التطور والنمو داخل المدينة ونجحنا أيضاً في جعل الفلسطينيين يقبلون القيود على البناء العربي بالقرب من منطقة اليهود. في الغرفة التاريخية في بداية يناير 1997 كانت زيارة الملك حسين إلى مكتب رئيس الحكومة بتل أبيب, حيث كان ديفيد بن جوريون قد عقد أول جلسات الحكومة بعد قيام الدولة 1948م, وكنت شخصياً أشعر بوخزة إذ أننا نضطر لإجراء مفاوضات إزاء تسليم أراض من أرض إسرائيل في نفس الغرفة وقلت للمسؤول الأردني: اعلم بأن هذه غرفة تاريخية تضع على كاهلي كإسرائيلي وزناً ثقيلاً من المسئولية في هذه المفاوضات الجارية هنا (وقد كان هذا حقيقة ما اشعر به بعد محادثات الخليل, وقد بدأت المفاوضات الآن حول تنفيذ مراحل الانسحاب الإسرائيلي بناء على اتفاقية اوسلو 1995 التي كان من المفروض تنفيذ مراحلها الثلاث حتى سبتمبر 1997 وقد طلبنا تأجيل هذا الموعد خلال المحادثات, فلقد أردنا قدر المستطاع دمج تنفيذ الانسحاب بالمفاوضات إزاء التسوية الدائمة فطلبنا تنفيذها في صيف 98 وطالب الفلسطينيون بذلك في مايو. واقترح الملك حسين حلأ وسطاً في منتصف عام 98 ورفض عريقات بحجة انتهاء الموعد المتفق عليه في اوسلو لكن عرفات استجاب فيما بعد لاقتراح الملك الحسين وفي مذكرة بعث بها وزير الخارجية الأمريكي كريس توفر إلى نتانياهو طالباً فيها استكمال مراحل إعادة الانتشار الأخرى الثلاثة خلال موعد لا يتجاوز منتصف 1998 مما جعلنا نتساءل ماذا يعني هذا؟ ورداً على هذا السؤال بعث إلى دنيس روس برسالة جاء فيها (إن الولايات المتحدة تدرك بأن الأمر يتعلق بمدى زمني يمكن أن يصل حتى أغسطس 1998) من الناحية الفعلية حققنا مرادنا في أن تنتهي عملية الانسحابات في صيف 1998 وليس في فبراير - مارس 1998 كما طلب عرفات طيلة مرحلة المفاوضات, هذا وكان الواقع أقوى وعملية تنفيذ الانسحابات لم تستكمل بعد أي صيف ,99 فكانت رسالة كريستوفر إنجازا سياسياً غاية في الأهمية, وقد أدعى الفلسطينيون بأن إسرائيل وفق اتفاق أوسلو ملزمة بإجراء مفاوضات معهم حول مدى عمليات الانسحاب وأي المناطق سوف تقوم بإخلائها. وفي مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية ديفيد ليفي وأبي مازن بعد تشكيل الحكومة بوقت قصير قال أبو مازن : (الحكومة السابقة كانت ستسلمنا 60% من الأرض أي 20% في كل مرة وانتم تريدون التفاوض معنا على منطقة متفق عليها) . الأزمة الكبرى نظرت أنا وليفي كل إلى الآخر وقلت ها قد جاءت الأزمة الكبرى بأسرع مما توقعنا, كنا سمعنا شائعات عن تطلعات الفلسطينيين كما تلقينا معلومات استخبارية بهذا الصدد , لكنها المرة الأولى التي نسمع بها ذلك بآذاننا ومنذ تلك اللحظة بدأنا تكريس جهودنا السياسية لتقليص المناطق بل وتكريس مبدأ أن إسرائيل هي التي تقرر مدى الانسحاب ومضمونة وأن هذا الأمر ليس مجال تفاوض بيننا وبين الفلسطينيين, وبالفعل فقد أثمرت الجهود السياسية وتوجت ذلك رسالة كريستوفر التي أكدت تحديد إسرائيل لشكل عملية إعادة الانتشار أي أن الأمر يخضع لتحديد إسرائيل وليس مجالاً للمفاوضات. لكن هذا لم يدم طويلاً فقد صدر عن مصدر مجهول في الإدارة الأمريكية تصريح يرفض تفسير رسالة كريستوفر على النحو الذي كان لنا فثارت الضجة في جلسة الحكومة التي انعقدت للمصادقة على اتفاق الخليل مما اضطر نتانياهو إلى قطع الجلسة طالباً مني الاتصال فوراً بالسفير الأمريكي مارتن انديك لاستيضاح الأمور وأخبرته باسم نتانياهو أنه إذا لم توضح الإدارة الأمريكية موقفها فإن الحكومة لن تصادق على اتفاق الخليل. وبالفعل لم يتأخر الرد الأمريكي الذي تمثل ببيان لوزارة الخارجية الأمريكية يقول أن مراحل إعادة الانتشار هي مسائل للتطبيق من قبل إسرائيل وليست موضوعات للتفاوض مع الفلسطينيين, ديفيد ليفي غادر جلسة الحكومة للمشاركة في حفل زفاف أحد أولاده, أما أنا فقد استنتجت أن التسريب الأمريكي المشار إليه أضاء ضوءاً أحمر لدي فيما يتعلق بنوايا واشنطن, وللأسف الشديد كنت مصيباً فعندما دخلنا مرحلة التفاوض حول الإنسحاب الثاني بعد عام من ذلك التاريخ تجاهلت الإدارة الأمريكية كلياً رسالة كريستوفر وتوضيحات أنديك وأن الذي عكس الموقف الأمريكي الحقيقي كان تحديداً (المصدر المجهول) . الانجاز الكبير أما الإنجاز الكبير الذي رافق اتفاق الخليل فقد تمثل في التبادلية (في حال يعطون يأخذون وإذا لم يعطوا فلن يأخذوا) أحد الشعارات الريادية التي أطلقها واستخدمها نتانياهو خلال حملته الانتخابية عام 1999 وكان يلخص إنجازا للحكومة في سير التفاوض مع الفلسطينيين, إلى جانب بروتوكول الخليل توصل الإسرائيليون والفلسطينيون إلى الاتفاق بشأن وثيقة (تسجيل الملف) حددت التبادلية كمبدأ وسلسلة الالتزامات الإسرائيلية بشأن إعادة الإنتشار والإفراج عن السجناء واستئناف المفاوضات المرحلية والنهائية خلال شهرين من اتفاق الخليل. وقد قبل الفلسطينيون لأول مرة استكمال عملية تعديل الميثاق الوطني إلى جانب مجموعة من الخطوات الخاصة بمكافحة العنف والإرهاب والتحريض عليهما وجمع الأسلحة غير القانونية ومعالجة المطلب الإسرائيلي بتسليم أشخاص وفقاً للإتفاقية المرحلية و تقليص حجم ونفوذ الشرطة ولذلك فإن أي نشاط في منطقة ليست خاضعة لسيطرتهم بعد خرقاً للإتفاق. وفي ساعة متأخرة من الليل وبعد انتهاء جلسة الحكومة التي صادقت على اتفاق الخليل وكنا في شهر يناير والشتاء في ذروته, دخلت غرفة رئيس الحكومة و جهاز التكييف مفتوح فيها, لقد كان الجو حاراً لنتانياهو بعد مفاوضات طويلة ومضنية وقلت له لقد حققت إنجازاً مهما (فاقتحم الغرفة شاي بازاك كعادته من دون استئذان ليخبر نتانياهو بما جاء في الأخبار عن) أنه حقق إنجازاً مهما (فبادرت إلى التخفيف من حماسته وقلت) لا يزال الطريق طويلاً وهناك العديد من الصعوبات أمامنا وخلافات ومشكلات صعبة تواجهنا, لقد بقي الوضع في الخليل قابلاً للإنفجار والوضع الأمني للسكان اليهود صعب ومعقد ولكنه اسقط التكهنات السوداء لمعارضي الاتفاق بحصول شيء على غرار ما حدث عام 1929. وتجدر الإشارة إلى أن حكومة نتانياهو ورثت عن حكومتي رابين وبيريز مشكلة الخليل لكنها نجحت في التوصل إلى تسوية بشأنها فيما بعد فإن قرار الحكومة البدء بأعمال البنية التحتية في جبل أبو غنيم قلب الأوضاع التي كان من الممكن أن تمهد لفرص سلام أخرى هذا إلى جانب تحطم مروحيتين لسلاح الجو الإسرائيلي فوق مستوطنة شاريا شوف في الرابع من فبراير 1997 والتي أودت بحياة ثلاثة وسبعين جندياً وكانت افظع حادثة في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي وأصيبت المعنويات الإسرائيلية في صميمها بعد جدال دبلوماسي وسياسي طويل في خضم المفاوضات وكان عامل الوحدة بين الإسرائيليين هو المصاب مرة أخرى. كلمات للتعقيب يقول داني نافيه صراحة في هذه الحلقة انه كان سعيداً لأنهم لم يكلفوه بالتوقيع على اتفاق الخليل لأنه سيوقع على تنازل عن أرض إسرائيل وعن بقعة غالية ومقدسة منها, وذلك يعني أن الليكود على الرغم من تعديلات اتفاق الخليل سلّم في نهاية الأمر بأن مسيرة السلام مقابل الأرض قد تجاوزت نقطة اللاعودة ودفعت بالليكود للتنازل عن 80% من الخليل التي يعتبرونها مقدسة بشكل متساو لأهمية القدس. يقول نافية في هذّه الحلقة أنه اجتمع مع مسؤول أردني كبير في الغرفة نفسها التي كان يقيم فيها ديفيد بن جوريون الذي أقام الدولة وهاهم يجتمعون للتنازل عن أجزاء من الأرض متناسياً أن بن جوريون في أيامه الأخيرة لم يكن متحمساً لحرب يونيو ونتائجها وكان خائفاً من المستقبل, والعقود التي تلت يونيو أثبتت أن الانتصار الساحق في حرب الديبلوكس ونزهة الدبابات لم يحقق حتى الآن السلام للإسرائيليين. ومع ذلك فلا بد من النظر بجدية للتنازلات التي قدمها المفاوضون الفلسطينيون في اتفاق الخليل, كما شرحها داني نافيه في هذه الحلقة, وهي تنازلات أنكّرها المفاوض الفلسطيني الذي تحدث عن إنجازاته في اتفاق الخليل دون أن يشير للثمن الذي قدمه, وقد تذكرت وأنا اقرأ هذه الحقائق غير المعروفة للجمهور الفلسطيني عن سلبيات اتفاق الخليل وهي في نظر نافيه إنجازات مهمة بالطبع, تذكرت ما قاله لي مسؤول فلسطيني كبير, لا أستطيع ذكر اسمه لأنني سأفتح له أبواب مشكلات عديدة, من أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه المفاوض الفلسطيني كان تنازلات اتفاق الخليل الذي يعتبر في نظر هذا المسئول الفلسطيني رجوعاً كبيراً عن اتفاق اوسلو ذاته, وهو الاتفاق الذي جرّ للتنازلات اللاحقة وشكل أداة كبرى بيد الجانب الإسرائيلي, يتحدث نافيه عن إنجازات في اتفاق الخليل وتعديلات واسعة على الاتفاق السابق الموروث من أيام شمعون بيريز: أصبحت هناك ترتيبات أمنية مفصلة بعيدة عن الصيغ العامة تتيح دخول الجيش الإسرائيلي لمناطق السلطة في الخليل, وربط الإسرائيليين في الخليل, بالحكم العسكري الإسرائيلي, وتوفير سلسلة من القيود الجديدة على البناء الفلسطيني في الخليل وعدم وجود أية قيود على القدرة الأمنية الإسرائيلية. كل هذه الأمور تحدثت بها المعارضة الفلسطينية في حينه وأنكرها الجانب الفلسطيني أو حاول وضعها في صورة مختلفة عن الحقيقة. يتحدث نافيه عن الجهود الأردنية والمصرية بكثير من التفصيل, ويتضح من تفاصيل هذا الموضوع أن الأدوار العربية كانت تميل للبحث عن حلول وسط بين المواقف الفلسطينية والمواقف الإسرائيلية, كان ذلك دورها في التوصل لإتفاق الخليل وكذلك في اتفاق واي ريفر عبر جهود الملك الراحل الحسين بن طلال, واتفاق شرم الشيخ الأخير والجهود المصرية لانجازه. لهذا فإن الحديث عن وقوف هذين الطرفين مع الموقف الفلسطيني ودعمه حديث غير دقيق, لأنهم في النهاية يبحثون عن حلول وسط أي أنهم وسطاء يستطيعون بما لهم من ثقل معنوي حث الإسرائيليين على تقديم بعض التنازلات وحث الفلسطينيين أيضاً على تقديم تنازلات مماثلة, ومن غير المنطقي مطالبتهم بأكثر من ذلك طالما أنهم يقيمون علاقات سلام مع اسرائيل يريدون لها الإستمرار. لم يحدث في أي منعطف, وفي غمار أية أزمة بين الإٍسرائيليين والفلسطينيين أن هددت مصر أو الأردن بسحب السفراء احتجاجاً على التعنت الإسرائيلي فهم حريصون على استمرار مسيرة السلام ولهذا لا يستطيعون الا أن يكونوا وسطاء, وربما يفضل الفلسطينيون ذلك, على الأدوار الاحتجاجية التي قد لا تجبر الحكومة الإسرائيلية على أية تنازلات. موضوع مهم آخر يطرحه داني نافيه وهو النجاح في تحديد مواعيد الانسحابات (إعادات الانتشار) بما يعني إمكانية إدماج بعض قضايا المرحلة الانتقالية بالمرحلة النهائية. كان نتانياهو يطالب منذ البداية بالذهاب لمفاوضات المرحلة النهائية حتى لا يضطر لدفع استحقاقات المرحلة الانتقالية وحتى لا يضطر لإعادة الأرض في المرحلة الانتقالية بما يعطي المفاوض الفلسطيني أرضية صلبة في صراعه حول قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات. لقد نجحت حكومة نتانياهو في أخذ موقف أمريكي عبر رسالة وارن كريستوفر وزير الخارجية بأن الحكومة الإسرائيلية تملك وحدها حق تحديد نسبة الانسحاب في كل مرحلة والأماكن التي ينسحبون منها, وهي الرسالة التي تعتمد عليها حكومة باراك الآن في موقفها الرافض للتشاور مع الجانب الفلسطيني في كل ما يتعلق بنسبة الانسحابات والأراضي التي ينسحبون منها. لا يمكن إعادة التاريخ للوراء ولكن الطرف الفلسطيني كان يجب أن يعلن وقف الاتفاق إذا لم تغير واشنطن هذا الموقف المنحاز تماماً لإسرائيل والذي يفقدها دور الوسيط. لقد جرت احتجاجات صامتة وجرت احتجاجات ديبلوماسية مهذبة ولكن شيئاً لم يتغير, رغم كل جولات دينيس روس. كان يمكن إثارة هذا الأمر بجدية مطلقة في اتفاق واي ريفر أو في اتفاق شرم الشيخ ولكن ذلك لم يحصل مع الأسف الشديد. تغيير مواعيد الانسحابات لدمج قضايا الانتقالية بالنهائية يجد جذوره في اتفاق الخليل ولكنه تكرّس تماماً في اتفاق شرم الشيخ, وهو الثغرة الأكبر في الاتفاق. يحاول الجانب الفلسطيني الآن الخروج من ورطة اتفاق شرم الشيخ عبر المطالبة بتحقيق انسحاب ثالث كبير قبل إنجاز اتفاق الإطار, ولكن الأمر يبدو صعباً جداً أمام القيود التي قبل بها المفاوض الفلسطيني في اتفاق شرم الشيخ الذي أعطى فيه المفاوض الإسرائيلي تنازلات عديدة يفاخر بها مفاوضونا مقابل التنازل الأكبر وهو دمج قضايا انسحابات الانتقالية بالنهائية. حين طالب ياسر عبدربه المفاوض عوديد عيران بضرورة تحقيق الانسحابات المطلوبة من الأرض قبل التوصل لاتفاق الإطار الذي يستهدف في الواقع تغيير قواعد اللعبة وتغيير المرجعيات, قال له عوديد عيران: لماذا سنتفاوض إذن في المرحلة النهائية. هذا هو جوهر موقف حكومة باراك المتطابقة تماماً مع موقف حكومة نتانياهو في الخطوط العامة وفي مسألة عدم الانسحاب من الأرض الإ في إطار الحلول النهائية بحيث ينسحبون من 58% من الأرض وكان موقف الليكود الانسحاب في إطار حل نهائي من 50% من أرض الضفة الغربية فقط ومن ثم يتوهمون أنهم يسدلون الستارة على مشهد صراع القرن . سيكتشفون أنهم يعيشون في أوهام لأنهم لن يجدوا فلسطينياً واحداً ولو بعد مائة عام يوافق على مثل هذه التنازلات الباهظة التي لا تؤدي لأي سلام حقيقي.