هل أسرج المهدي (حصان طروادة) باتجاه الخرطوم؟

لم تكد الساحة السياسية السودانية تتجاوز فكرة (الاسقاط المسرحي) في الصراع بين اهل الحكم حتى اطلت الفكرة من جديد مع انفجار الخلاف في تحالف المعارضة بالمنفى. وكان الكثيرون من متابعي الشأن السوداني يراهنون على ان الصراع بين الانقاذين ليس سوى (مجرد مسرحية)، بالرغم من ضخامة وضحالة قاموس الاتهامات والكلمات الجارحة التي تبادلها معسكرا القصر والمنشية. هذا الاعتقاد بأن ما يحدث بين اركان السلطة لا يعدو كونه (مسرحية) بدأ يسود ايضاً في اوساط الباحثين عن فك طلاسم السياسة السودانية حول ما يجري في التجمع الوطني للمعارضة والذي بلغ ذروته بانسحاب وتجميد عضوية حزب الأمة في التجمع. ويصف بعض المحللين ما حدث بأنه توزيع ادوار بين المعارضين لتحقيق هدفين اولهما اختبار جدية الحكومة في تعاملها مع احزاب المعارضة اذا تعاملت مع المهدي وحزبه وقياداته وكوادره من منطلقاتها الجديدة التي اعلنتها مؤخراً في اطار برنامج وفاقي يعتمد الديمقراطية التعددية مرتكزاً اساسياً لذلك البرنامج اما الهدف الثاني ـ اذا كان ما حدث مجرد توزيع ادوار بين المعارضين ـ فهو سد الثغرة التي تلوذ بها الحكومة للهروب من تنفيذ المبادرة المصرية الليبية المشتركة بادعاء ان المعارضة وتجمعها يفتقران الى الجدية في التعامل مع تلك المبادرة ويضعان امامها العراقيل كلما خطت الحكومة باتجاه المناخ المطلوب لانقاذها, حيث ان بنودها تبدأ بتهيئة المناخ وتنتهي الى عقد مؤتمر الحوار. ومن هنا فإن تعامل الحكومة مع حزب الامة في الداخل او قياداته العائدة من الخارج بافساح الساحة لنشاطه دون مضايقات كما كان يحدث قبل اشهر يشكل ضمانة لاحزاب المعارضة الاخرى لاتخاذ خطوات اوسع باتجاه العودة للوطن حتى قبل عقد مؤتمر الحوار وبالموافقة على ان تكتمل او تبدأ جلساته بالخرطوم. وخلال اليومين الماضيين وبعد اكثر من اسبوع من قرار حزب الامة ظهرت العديد من المؤشرات التي تدعم الاحساس بأن ما حدث في اسمرة مجرد مسرحية لتوزيع الادوار, فبعد امتصاص الصدمة بالانسحاب او التجميد وخاصة بعد وصول ممثلي تجمع المعارضة الداخلية من العاصمة الاريترية بدا واضحاً انهم نقلوا تطمينات الى قيادة الداخل ورموزها. فقد توقفت فجأة سهام الغضب باتجاه حزب الامة وحلت عوضا عنها تصريحات تقلل من شأن اي آثار سالبة لما حدث في اسمرة, وشدت العلاقات والمناسبات الاجتماعية كافة اطراف المعارضة الى بعضها وحتى البيان اليتيم الذي صدر من المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي اشاد بمواقف حزب الامة في الداخل وتضامنه مع قوى التجمع الاخرى. ووصف البيان الحزب بأنه حليف تاريخي ورفيق نضال وناشده العودة الى التجمع تحقيقاً لمصالح البلاد العليا, واذا لم يصدر هذا البيان مذيلاً باسم المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي لاتجهت الظنون الى انه صادر عن احد اركان النظام الذي صرح بعضهم بأن من مصلحة الحوار الوطني ان تكون المعارضة متحدة. وفي تقدير الكثيرين انه حتى اذا لم يكن هناك توزيع للادوار فإن العجلة التي تم بها انسحاب حزب الامة من مؤتمر المعارضة بأسمرة وايضاً تجميد عضويته من جانب الآخرين دون اعطاء اي فسحة من الزمن لمعالجة الخلافات يؤكدان ان طرفين هما (الامة والاتحادي الديمقراطي) او اكثر كانوا يريدون الوصول الى هذه النتيجة لتحقيق الهدفين المشار اليهما بالاضافة الى اهداف اخرى عندما يبدأ الحوار بين الحكومة وتجمع المعارضة وهو حوار اصبح حتمياً بعد اندفاع الطرفين باتجاه المبادرة المصرية الليبية ولن يعطله انسحاب او تجميد عضوية حزب الامة في عضوية التجمع, ومن الاهداف التي يمكن ان تتحقق للمعارضة ان حزب الامة سيعود قطعاً الى التجمع لأن الحوار سيكون قاصراً على الطرفين وحدهما ولن يكون لاي حزب الحق في الوصول الى مائدة الحوار عبر طريق آخر ومن هنا فإن حصيلة تعامل الحكومة مع حزب الامة قبل الحوار ستكون ورقة رابحة للمعارضة اذا كانت تلك المعاملة سلبية مما يجعلها تطالب بأقصى مدى من الحريات والضمانات لتحقيق اهدافها, ومن المؤكد ان حزب الامة العائد الى الوطن سيكون ناشطاً بأعلى درجة في الساحة لمقارعة الحكومة وتقديم التضحيات اذا تطلب الموقف لانتزاع مكاسب سياسية ودفع السلطة لتوسيع هامش الحريات الذي كان احد الاسباب التي ساقها وهو يغادر عضوية تجمع المعارضة الخارجية عائداً الى الوطن لاستغلال هذا الهامش, واذا تحقق هذا يكون حزب الامة اول المستفيدين من ترتيب اوضاعه الداخلية لخوض اي انتخابات رئاسية او برلمانية بينما يتفرق الآخرون في خلافاتهم المتعثرة ولا تخفى هنا معلومات متداولة في اوساط قيادات حزب الامة بالداخل بأن لديهم تحفظات على الكثير من اطروحات الصادق المهدي وايضاً قراراته التنظيمية التي اتخذها منفرداً في غياب ديمقراطية الحزب والتضييق على الاجتماعات والحريات. لكل هذا فإن حزب الامة اختار موقفه بالمساندة او غض الطرف من قبل بعض الحلفاء في تجمع المعارضة لتحقيق هدفه الخاص وايضاً للعودة بطلاً الى صفوف التجمع اذا تعرض لاختبار معين من الحكومة, كما انه امام الصادق المهدي فرصة ثالثة لاختصار الطريق وتحقيق اهدافه اذا تعدت الشقة اكثر بين رأس النظام الفريق البشير والدكتور الترابي ليظهر من داخل البلاد وليس خارجها كقوة ثالثة لا يستهان بها يمكنها الوصول الى السلطة او ترجيح كفة احد الطرفين المتصارعين باعتبار ذلك مرحلة تكتيكية لتفكيك النظام بأقل الخسائر وهذه الفرصة الثالثة ستكون راجحة اذا فشل مؤتمر الحوار بين الحكومة والمعارضة, واذا كان الدكتور منصور خالد مستشار قرنق قال قبل انعقاد مؤتمر المعارضة بأسمرة ان الصادق المهدي اسرج خيله باتجاه الخرطوم فإن هناك من يعتقد انه اعد حصان طروادة لفتح ابواب العاصمة السودانية.

تعليقات

تعليقات